شكل سقوط نظام حزب البعث في العراق (1968م -2003م) أحد أهم الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية، منذ إلغاء الامبراطورية العثمانية رسميا في عام 1924م. ولا تكمن أهمية الحدث فحسب في إسقاط نظام ديكتاتوري مستبد وتحرير الشعب الذي كان يرزح تحت أغلاله، وإنما في الآفاق التي فتحت أمام العراقيين لاختيار نموذج الحكم الجديد، الذي سيقوم على أنقاض النظام السابق.
فهذه هي المرة الأولى التي يتسنى فيها لشعب من شعوب البلدان العربية أن يقول كلمته في الطريقة التي يود أن يحكم بها، وشكل النظام الذي يتوق إلى بنائه.

لقد ارتبط التغيير السياسي في البلدان العربية على الدوام بإرادة الطغاة من المجموعات (العسكرية أو السياسية) ولم يكن للمواطنين العاديين أي دور جوهري في اختيار شكل ومضمون الأنظمة المتعاقبة التي حكمت هذه البلدان.

ورغم التسميات التي أطلقتها هذه الأنظمة على نفسها (شعبية، اشتراكية، ديمقراطية، قومية .. الخ) إلا أن الحقيقة هي أن الشعوب ظلت بعيدة تماما، عن مجال الفعل والتأثير في مجرى العملية السياسية وصنع القرار.

وبهذا المعنى فإن التجربة العراقية الحالية تمثل تقدما سياسيا جديدا في المنطقة، فالعراقيون بعد عقود من الإقصاء والتهميش، باتوا مدعوين للمشاركة في وضع دستور جديد لبلادهم وانتخاب ممثليهم وقادتهم للمجالس البلدية والمحلية والتشريعية على مستوى الحكومة، وعلى قدم المساواة وبحرية تامة ومن دون إقصاء أو تمييز على أساس الجنس أو الطائفة أو الدين أو القومية.

إن نجاح عملية التحول الديمقراطي في العراق، الجديدة كليا والتي لم يسبق لبلد من البلدان العربية أن مر بها من قبل، سيتطلب وقتا وحشد جهود وطاقات العراقيين وأصدقائهم في المنطقة والعالم، ولا سيما في ظل المحاولات العنيفة التي يبذلها أنصار النظام السابق والجماعات الإرهابية الأخرى، لإعادة عقارب الزمن إلى الوراء.

إن الخبرات والتجارب العالمية المتراكمة في كيفية إنجاز عملية التحول من أنظمة حكم الاستبداد إلى الحكم الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات والقانون، تكتسب في حالة العراق، وغيره من البلدان السائرة في نفس الطريق، أهمية حيوية، بالنظر إلى أنها تمنح المواطنين وناشطي المجتمع المدني والممثلين المنتخبين على السواء، الأدوات اللازمة التي تمكنهم من التعامل بنجاح مع التحديات التي يواجهونها.

وفي هذا السياق يأتي كتاب (من عهد الاستبداد إلى حكم الدستور) وهو الأول في سلسلة “أوراق ديمقراطية”. ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، بالإضافة إلى ملحقين، أحدهما

للتعريفات والآخر المراجع. القسم الأول يتناول مسألة الاستبداد وكيف تمت معالجتها عبر التاريخ الأوروبي والإسلامي الحديث، وجذور وأشكال الاستبداد في البيئة العربية
الراهنة، وسبل منع عودته، والقسم الثاني يتناول أسس إقامة الحكم الدستوري وبناء الدساتير في ضوء تجارب شعوب أوروبا الشرقية وجنوب أفريقيا. أما القسم الثالث فيعرض لتجربة العراقيين في ظل نظام حكم البعث الاستبدادي، وأهم القضايا والتحديات الماثلة أمامهم اليوم في سبيل إنجاز عملية التحول الديمقراطي.
وقد جرى ترتيب الكتاب على هذا النحو، بغية إعطاء بعد تاريخي للنضال ضد الاستبداد ولتبيان أن معظم شعوب الأرض عرفت أنظمة الاستبداد في فترات تاريخية مختلفة، وأنها قاومت هذه الأنظمة وانتصرت عليها في النهاية، وخلصت إلى أن الحل الأمثل لإنشاء مجتمعات تتمتع بالكرامة والحرية والمساواة ويتعايش أفرادها بسلام، يكمن في تبني عقد اجتماعي (الدستور) بين الدولة والمواطنين الأحرار والمتساوين. وتنبثق عن عن هذا الدستور حكومات منتخبة من الشعب وتخضع للمحاسبة من جانب ممثليه في البرلمان، كما تنبثق عنه مؤسسات القانون والمجتمع المدني، التي تحمي حقوق جميع أفراد هذا الشعب، بصرف النظر عن خلفياتهم الإثنية أو الدينية أو القومية، وفي الوقت نفسه تحدد للأفراد واجباتهم في المشاركة السياسية واحترام القانون والدفاع عن الدولة ومراقبة أداء الحاكمين.
ورغم أن الميدان الأوسع لهذه التجربة كان في أوروبا والولايات المتحدة، وفيها جرت الفصول الأطول، إلا أن العالمين العربي والإسلامي، لم يكونا بعيدين عنها.

فابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، عرفت المنطقة العربية حركة نهضوية استلهمت أفكار ومبادئ حكم الدستور والقانون والحكومات الممثلة، والرقابة والبرلمان، وسعت بها لمواجهة أنظمة الاستبداد والطغيان في بلدانها. وأثبتت هذه الحركة أن العرب والمسلمين، مثلهم مثل باقي الشعوب، يتطلعون أيضا إلى الحرية والعدالة والديمقراطية.
لقد قاد هذه الحركة مصلحون ورجال دين مسلمون أمثال عبد الرحمن الكواكبي والشيخ محمد حسين النائيني (وسنعرض لبعض أفكارهما في هذا الكتاب) ورفاعة رافع الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني وخير الدين التونسي وآخرون. ولا يزال الذين جاؤوا بعدهم مستمرين في هذا الطريق حتى يومنا هذا.

يهدف هذا الكتاب أيضا إلى توضيح أن امتلاك دستور في حد ذاته لا يعد أمرا حاسما وكافيا لضمان عدم وجود الاستبداد، طالما أن الكثير من الأنظمة بما فيها تلك الاستبدادية، كانت لديها في وقت ما دساتير وربما في بعض الأحيان أجهزة تمثيل شعبي من نوع ما.

إن الأمر الحاسم والضروري، هو أن يضمن مثل هذا الدستور تحقيق المساواة التامة بين المواطنين أمام القانون وإشراكهم في إدارة شؤون بلدهم، وضمان تمثيلهم بصورة حقيقية في أجهزة الدولة المختلفة، وتمكينهم من محاسبة المسؤولين وعزلهم إذا تطلب الأمر.
أخيرا برمي هذا الكتاب إلى توضيح حقيقة أن ما يمر به العراقيون اليوم، إذ هم يقاومون بشجاعة لا مثيل لها، أعمال الإرهاب والقتل التي تستهدفهم وتستهدف بلدهم،
وإذ هم يستجمعون طاقاتهم وعزائمهم للمشاركة في بناء بلدهم ووضع اللبنات الأولى في أساسه الديمقراطي، إنما يضربون بذلك أعظم المثل لباقي شعوب المنطقة ويوفرون عليها الكثير من الآلام والتجارب المريرة في طريق انتقالها إلى عالم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

Back to top