مرت عصور على البشرية، كان الاعتقاد فيها أن الاستبداد قد وطد أركانه بصورة نهائية وأصبح جزءا من قدر الإنسان المحتوم. فالحكام المتسبدون بدوا مطلقي الإرادة والسراح في استعباد شعوبهم وسائر الأفراد الواقعين تحت سلطانهم، وبفضل الإمكانيات والقوى التي كانت تحت أيديهم، راحوا يتصرفون كمالكين للأرض والناس وسائر النشاط البشري.
لكننا نعرف اليوم أن تلك العصور لم تكن سوى مرحلة في تاريخ الإنسان، حفزت عشرات الآلاف على مدى قرون على النضال والتضحية المستمرين من أجل الحرية والمساواة ورفع الظلم.
ولم يتوقف هذا النضال حتى وقتنا الراهن، ولعل أبرز من يمثله اليوم الشعبان العراقي والأفغاني اللذين خرجا من تحت نظامين كانا قد بلغا مدى متقدما في الاستبداد والوحشية، وبدأ الشعبان رحلتهما الطويلة نحو الديمقراطية وبناء دولة المؤسسات وحكم القانون.
نظرة للخلف
يسجل التاريخ أن أولى المعارك السياسية والفكرية ضد الاستبداد في العصر الحديث جرت في انجلترا في القرن السابع عشر، ودارت حول إرساء سيادة البرلمان ووضع أسس نظام الحكم الدستوري في مقابل تقليص سلطات الملك. ومن هناك انتقلت المعركة إلى سائر إرجاء اوروبا وأميركا، ثم انتشرت حول العالم.
وكان لعدد من المفكرين أمثال الإنجليزيين توماس هوبز (1588-1697) وجون لوك (1632-1704) والفرنسي مونتسكيو (1689-1755) وغيرهم الدور الأبرز في وضع تلك الأسس.
يقول هوبز إن الأفراد قبل وجود الدولة أو الحكومة، كانوا يعيشون في حالة من الفوضى وانعدام الأمن وغياب القوانين، ولما كان هذا الوضع يمثل تهديدا خطيرا لحياة كل فرد في المجتمع، فقد سعوا للبحث عن الحماية ووضع الأنظمة والقوانين.
ولأنه من غير الممكن أن يقوم كل شخص بتنفيذ القانون بنفسه، فقد تم الاتفاق على إسناد هذه المهمة إلى الدولة ممثلة في سلطة الحاكم، وذلك بواسطة عقد اجتماعي (دستور)، يتنازلون بموجبه عن جزء من حرياتهم ويوافقون على الخضوع للقوانين العامة، وفي المقابل يلتزم الحاكم بتوفير الحماية والنظام لهم.
وقد انبثق عن هذه العملية مفهومان أصبحا فيما بعد من الأسس الجوهرية لنظرية الديمقراطية في الغرب في القرنين السابع عشر والثامن عشر، هما :السيادة الشعبية، ومعناها أن شرعية الحاكم تنبع من موافقة الشعب، والثاني : العقد الاجتماعي، ويعني أن الدولة هي نتاج عقد بين أفرادها، وككل عقد فهو يرتب حقوقا وواجبات.
لقد أعجبت فكرة العقد الاجتماعي هذه جوك لوك لكنه وجدها مع ذلك ناقصة. فحسب رأيه يجب ألا ينجم عن هذا العقد إضفاء الشرعية على حكومة مستبدة. فلا يحق للحاكم في جميع الأحوال أن يحوز على سلطات مطلقة تخوله استعباد الأفراد أو سلب حقوقهم أو ممتلكاتهم.
ووجد لوك أن أفضل طريقة للحد من هذه السلطات هي تقسيمها إلى فروع، بحيث يملك كل فرع المقدار الذي يحتاجه فقط من السلطة لأداء وظيفته. وهذا يعني إيجاد سلطة تشريعية منفصلة تقوم بمهمة سن القوانين نيابة عن الشعب، وسلطة تنفيذية تقوم بتفسير وتطبيق هذه القوانين.
وقد بنى مونتسكيو على أفكار هوبز ولوك في كتابه المهم “روح القوانين”، حيث سعى إلى تعريف مبادىء الحكم الناجع.
وعلى غرار لوك أصر مونتسكيو على أنه من أجل منع الاستبداد يجب عدم تركيز السلطة في يد الحاكم، لأن التجارب أظهرت أن أي فرد يتم منحه سلطة مطلقة فإنه يميل إلى إساءة استخدامها.
ولذلك أيد مونتسكيو تقسيم سلطة الحاكم إلى أفرع مستقلة. ولكنه بدلا من سلطتين، كما اقترح لوك، تحدث عن ثلاث سلطات: تشريعية (لسن القوانين) وتنفيذية (لتطبيق القوانين) وقضائية (لتفسير القوانين). ويرى أنه لضمان وجود الحرية يجب عدم السماح لنفس الأفراد، مهما كان انتماؤهم الاجتماعي، بممارسة هذه السلطات مجتمعة وفي الوقت نفسه.
كما يذهب مونتسكيو إلى ضرورة أن تكون فروع الحكومة المختلفة مصممة بطريقة تضمن إمكانية مراقبة كل سلطة للسلطة الأخرى، فلا ينبغي لأي سلطة أن تكون قادرة على ممارسة وظيفتها من دون موافقة ومراجعة السلطتين الأخريين.
ويعتقد مونتسكيو أيضا أن حرية التعبير وما يطلق عليها في العصر الحديث “مؤسسات المجتمع المدني” مثل المؤسسات الدينية وهيئات الحكم المحلي والنقابات المهنية، تلعب دورا مهما في توازن السلطة عبر المجتمع.
وقد غدت مفاهيم مونتسكيو حول فصل السلطات وتوازن ورقابة كل منها على الأخرى، بمثابة حجر الأساس في الدساتير الديمقراطية حول العالم.
الانتشار في العالم الإسلامي
لم يكن لهذه التطورات الفكرية والسياسية التي شهدتها أوروبا وأمبركا في تلك القرون أن تبقى حبيسة نطاقها الجغرافي، وإنما امتدت وانتشرت إلى بلدان ومناطق عديدة من العالم. ومن هذه المناطق الشرق الأوسط، الذي وصلت إليه بطرق شتى، سواء عبر طلبة البعثات المسلمين الذين درسوا في الغرب أو زيارة بعض المفكرين المسلمين إلى بلدان أوروبية أو عبر السفراء والقناصل الأجانب.
ولأن الاستبداد لم يكن ظاهرة خاصة بدين أو شعب أو عرق بعينه، وإنما هو مشكلة بشرية عامة، كما أن التطلع نحو الخلاص من الاستبداد وبناء أنظمة حكم حديثة تقوم على الدساتير والمجالس النيابية والانتخابات هو شأن إنساني عام، فقد وجد العديد من المصلحين والمفكرين وعلماء الدين العرب والمسلمين أنفسهم معنيين بطرح هذه القضايا وإيجاد الحلول لها من واقع بيئتهم وثقافتهم وتاريخهم.
الكواكبي وطبائع الاستبداد
كان من بين هؤلاء المصلح السوري عبد الرحمن الكواكبي (1849-1902)، الذي خصص كتابا كاملا للحديث عن الاستبداد والحرية، اسماه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”. في هذا الكتاب الذي صدر عام 1905 يعرف الكواكبي الاستبداد على أنه اكتفاء الإنسان برأيه في الأمور التي يجب أن يستشير فيها الآخرين، مثل أمور الحكم والسلطة. ويعتبر الكواكبي استبداد الحكومات هو الأخطر على الناس لأنها تتحكم في حياة الفرد وسائر نشاطه.
وتشمل صفة الاستبداد هنا، كما يراها الكواكبي, حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، كما تشمل أيضا الحاكم المقيد الوارث أو المنتخب متى كان غير محاسب، وتشمل أيضا الحكومة الدستورية التي لا يختار أفرادها من بين أعضاء البرلمان لأن ذلك أيضا لا يرفع الاستبداد ولا يخففه ما لم يكن المنفذون أو الوزراء مسؤولين لدى “المشرعين” أي نواب البرلمان وهؤلاء مسؤولون لدى الشعب الذي يجب أن يراقبهم ويحاسبهم.
ويذهب الكواكبي أبعد من ذلك فيرى أنه حتى الحكومات العادلة إذا أمنت المسؤولية والمؤاخذة، فإنها تسارع إلى التلبس بصفة الاستبداد وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه.
ولذلك فإن على الرعية العاقلة، كما يقول الكواكبي، أن “تقيد وحش الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها لتأمن من بطشه, فإن شمخ هزت به الزمام وإن صال ربطته، وفي هذا المقدار كفاية لمعرفة ما هو الاستبداد بالإجمال”.
وينتهي الكواكبي إلى أن الحكومة أيا كان نوعها لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن تحت المراقبة الشديدة والمحاسبة، وأن الأمم المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد التخلص من الاستبداد.
النائيني وتنبيه الأمة
وفي الوقت الذي كان فيه الكواكبي يفصّل ويشرح معنى الاستبداد ويدعو للتخلص منه، كان الشيخ الميرزا محمد حسين بن شيخ الإسلام عبد الرحيم النائيني (1860- 1936) يقوم بتأصيل فقهي لتأسيس حكومة تعتمد القانون والدستور أساسا لعملها.
والنائيني من كبار علماء الدين الشيعة، ولد في إيران وهاجر منها إلى العراق حيث استقر في النجف وفيها توفي. وقد ألف كتاب “ تنبيه الأمة وتنزيه الملة”* الذي صدر عام 1909، ويعد أهم مؤَلَف سياسي شيعي (إن لم يكن الوحيد تقريبا) الذي تناول نظرية الحكم الدستوري .
في هذا الكتاب يدعو النائيني صراحة إلى ضرورة تبني نظم الحكم التي تشتمل على الدساتير والمجالس النيابية وفصل للسلطات وتقييد لسلطة الحاكم، وإيجاد ما يدعمها في القرآن والسنة وسيرة آل البيت.
فأصل المشكلة لدى المسلمين، كما يراها النائيني، تتمثل في سيادة الاستبداد وغياب الحرية والمساواة، والبعد عن قيم التمدن، “وهي الأمور التي نجحت أوروبا في حلها فتقدمت، في حين أخفق المسلمون فتأخروا”.
ويقارن النائيني في ضوء ذلك، بين نوعين من الأنظمة لا يرى التقاء بينهما، أحدها يقوم على الاستبداد والتسلط، والآخر يقوم على العدل و المساواة. الأول يبنى على استعباد
واسترقاق الناس وعدم مشاركتهم أو مساواتهم للسلطان، ويتفرع على ذلك عدم مسؤولية السلطان عمّا يقوم به.
وصاحب هذا النوع من السلطة يسمى “الحاكم المطلق والحاكم بأمره ومالك الرقاب والظالم والقهار وأمثال ذلك، والأمة المبتلاة بهذا الأسر والقهر والذلة تسمى أسيرة وذليلة ومسترقّة”. أما النوع الثاني من الأنظمة “فيبنى على أصل تحرير الناس من هذه العبودية ومشاركة أفراد الأمة ومساواتها مع الشخص الوالي في جميع الشؤون، ويتفرع عن ذلك مسؤولية الوالي عمّا يقوم به”. ويسمى النائيني سلطة هذا النظام “المحدودة، والمقيدة، والعادلة، والمشروطة، والمسؤولة، والدستورية، وتسمى الأمة المتنعمة بظل هذه النعمة، بالأمة المحتسبة والأبيّة والحرّة والحيّة”.
ولكي يتم الانتقال من نظام الاستبداد والاستعباد إلى النظام العادل، يرى النائيني أن ذلك يتوقف على أمرين، الأول وضع دستور يتضمن تحديدا للوظائف والصلاحيات التي يقوم بها الحاكم، حيث يوضح هذا الدستور “ درجة استيلاء السلطان وحرية الأمة وما لفئاتها وطبقاتها من حقوق”. أما الأمر الثاني فهو إنشاء مجلس نيابي يتولى عملية مراقبة
ومحاسبة الحكومة، يتشكل من “ هيئة مسددة من عقلاء الأمة وعلمائها الخبراء بالحقوق الدولية المطلعين على مقتضيات العصر وخصائصه”.
ولكي يحقق من يسميهم النائيني “ مندوبي الأمة والمبعوثين عنها” وظيفتهم في المحاسبة والمراقبة وحفظ محدودية السلطة ومنع تحولها إلى ملكية، “لا بد أن يكون جميع موظفي الدولة وهم القوة التنفيذية في البلاد تحت نظارة ومراقبة هذه الهيئة، التي يجب أن تكون هي الأخرى مسؤولة امام كل فرد من أفراد الأمة”.
إن النائيني يرى أن سلوك الحاكم محدود “بحدود الولاية على إقامة الوظائف الراجعة للدولة ومشروط بعدم تجاوزها، وأفراد الشعب شركاء معه في جميع مقدرات البلد التي تنتسب للجميع بشكل متساوٍ. .. ولكل فرد من أفراد الشعب حق السؤال والاعتراض في جو يسوده الأمن والحرية، ودون التقيد بإرادة السلطان وميوله”.
ويختم النائيني بالتأكيد على أن رأس مال سعادة الأمة وحياتها وأساس محدودية السلطة والمسؤولية المناطة بها، وحفظ حقوق الشعب، كل ذلك ينتهي لأصلين هما الحرية والمساواة.
هيئة التحرير
Back to top |