حيدر إبراهيم علي
مدير مركز الدراسات السودانية - القاهرة
يتردد مفهوم الاستبداد كثيراً دون التوقف عند البحث عن معنى أو تعريف إجرائي، وكأن انتشاره في الواقع يجعله معلوماً وتحصيل حاصل بحيث لا يحتاج الي أن يعرف! ولكن لأغراض علمية الكتاب لابد من تبني تعريف يساعد في التحليل والوصف.
مصطلح الاستبداد (Despotism) مشتق من كلمة يونانية (Despotes) وتعني رب الأسرة أو سيد المنزل أو السيد على عبيده، واستخدمت في سياق سياسي لوصف الحكم المطلق الذي تكون فيه سلطة الحاكم على رعاياه مماثلة لسلطة الأب على أبنائه في الأسرة. والحاكم يبرر كل تصرفاته بأبوته للمواطنين بما فيها كل أنواع العقاب. (إمام عبد الفتاح إمام :الطاغية، القاهرة، مدبولي، 1997، ص 90). ويختلط مفهوم الاستبداد بعدد من المفاهيم التي تبدو مترادفات رغم الفروق الدقيقة، يعرف أحد الباحثين: “ويستعمل مصطلح الاستبدادية لوصف درجة تسلط الحاكم، فإذا كان الحاكم لا يلتزم بقانون، وإنما قوله وفعله هما بمثابة القانون فهو نظام حكم استبدادي. أما إذا كان هناك قانون يلتزم به الحاكم ولكنه يحتكر سلطة التعديل والتغيير في القانون فهو أذن حكم مطلق”. (خلدون حسن النقيب: الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر. بيروت، مركو دراسات الوحدة العربية، 1999، ص21). وهناك الشمولية والطغيان والدكتاتورية والأوتوقراطية.
جذور وأسباب الاستبداد
توجد عوامل اقتصادية- اجتماعية وثقافية- فكرية وتاريخية أّثرت في وجود الاستبداد في المنطقة العربية، يضاف إلى البيئة الطبيعية وطريقة استجابة البشر لهذه البيئة فيما يتعلق بالبحث عن طريقة لإدارة شؤون الناس الموجودين في هذه البقعة الجغرافية. وقد ساد في المنطقة العربية نمطان ساعدا – للمفارقة - رغم اختلافهما في القابلية للاستبداد: المجتمعات الفيضية (النهرين) في بلاد ما بين الرافدين- العراق ثم في مصر الفرعونية. والثاني المجتمعات البدوية المترحلة. الأولى احتاجت إلى دولة مركزية قوية تنظم الرعي والزراعة والضرائب والبناء. والثاني تحتاج إلى القبيلة في نظام شبه إقطاعي إلى شيخ قوي يحميها ويدفع عنها عدوان القبائل الأخرى المغيرة مقابل الولاء المطلق والذي تكرسه قرابة الدم أو المصاهرة. وفي الحالتين يغيب الفرد/ المواطن. ومن عمق التاريخ القديم إلى الآن سادت علاقة الراعي والرعية بكل ما تحمله من دلالات ومعان وليست علاقة الحاكم والمواطن التي تحدد شروطا للحقوق والواجبات وتلازمهما.
ظهرت مع تلك العلاقة بالذات في التاريخ القديم فكرة تأليه الحاكم (المعصوم فيما بعد) المادي والمعنوي صاحب السلطة المطلقة الذي لا يخطئ أبداً.
ظل الحكم في المنطقة يقوم على الحاكم الفرد الذي لا يعتمد على شعب ومواطنين، والمواطن هو الشخص الحر الوحيد بالمعنى السياسي للكلمة. ولكلمة الدولة في السياق العربي معنيان: الغلبة والتداول، وتتناول ميداني الحرب والمال. فالغلبة في الحرب تؤدي إلى الاستيلاء على المال والاحتفاظ به، وهذا يعني القهر والاستئثار ولكن لفترة أو أعمار أو أجيال- كما يقول ابن خلدون- ثم يحدث التداول لجماعة أخرى وهو أيضاً يتم بالقوة والقهر والغلبة والتسلط.
تضيء كتابات ابن خلدون بعض أسباب وجذور الاستبداد في الدولة العربية، الأول التداول بالقوة والثاني دينية الدولة فقد استغل الحكام وظيفتهم الدينية في إضفاء قداسة على دورهم كخلفاء وأنهم يحكمون باسم الله أو ظل الله على الأرض- كما سمى بعضهم.
وأعتقد أن عمر بن الخطاب كان يخشى هذا التقديس حين فضل لقب أمير المؤمنين ولم يقبل خليفة رسول الله. ولكن بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين رضوا بلقب خليفة الله، خاصة حين يخاطبهم الشعراء. وكان عبد الملك (65- 86هـ/ 685- 705م) أول من استخدم اللقب، ونجد في العملة التي ضربها الخليفة العباسي المأمون (198- 212هـ/ 813- 833م) يصف نفسه بأنه خليفة الله. وذهب الخليفة العباسي المتأخر الناصر (575- 622هـ/ 1180- 1225م) إلى أبعد من اللقب فقط، إذ حاول أن يقيم دويلة محلية ذات سيادة دينية أشبه بالفاتيكان. مثل هذه القداسة والدينية الفائقة جعلت التداول السلمي للسلطة غير ممكن. وكان على الحاكم أن ينزع السلطة بالقوة أو الوراثة وفي الحالتين يحافظ عليها بالقوة والتسلط والاستبداد.
إننا لسنا بصدد انتقاد تلك الفترة ، بقدر ما نحاول أن نحلل ونناقش هيكلية الدولة أثناءها، حيث يمكن ملاحظة أن تاريخ الدولة العربية- الإسلامية منذ انقضاء عصر الخلفاء الراشدين، هو استمرارية غير منقطعة للاستبداد والحكم المطلق. وبدأت الدولة الأموية بترسيخ وتخليد الاستبداد، وصدق شاعرهم الفرزدق في التعبير عن شعور الأمويين، حين قال:-
فالأرض ولاها خليفته وصاحب الله فيها غير مغلوب
وخلال الدولة العباسية خاطب البعض المنصور بأنه ظل الله على الأرض أو سلطان الله. وفي الدولة الفاطمية يمدح ابن هاني الأندلسي (938- 973) الخليفة المعز لدين الله الفاطمي:-
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فانت الواحد القهار
ابتعد الحكام عن تعاليم الحكم التي استنها الإسلام ورغم معارضة بعض الفقهاء المتقين وهناك من أفتى بأن الحاكم يعتبر غاصباً إذا لم يطبق الشريعة، وطاغية وظالماً إذا لم يعدل. ولكن الحكام المسلمين لم يهتموا بهذه الشرعية الدينية أو الشعبية، وركنوا إلى القهر والقسر والاستبداد باعتبارها الضمانات الحقيقية للسلطة. والمثال الشهير هو عبد الملك بن مروان الذي كان شديد الإيمان والتقوى قبل وصوله إلى السلطةً، لكنه أصبح على النقيض من ذلك فيما بعد.
ظل الحكم الفردي المستبد سائداً في الدولة العربية منذ القرن الهجري الأول وحتى سقوط الخلافة في العقد الثاني من القرن العشرين، لأن العرب والمسلمين لم يتوصلوا إلى آلية للتداول السلمي للسلطة. وهذا يعود للأسباب المتعددة المذكورة أعلاه. فعلى مستوى التطور الاجتماعي- الاقتصادي ظلت المجتمعات العربية راكدة إلى حد كبير.
ولم يحدث تطور في التجارة البعيدة في البحار عدا القوافل الصحراوية أساساً. وقد كان العرب مجاهدين حتى حين كانوا يملكون الأساطيل وليسوا تجاراً محترفين مثل الفينقيين أو الأسبان أو الهولنديين أو المدن الإيطالية مثل البندقية وغيرها. لذلك لم يدخلوا بسهولة في مراحل الحرف ثم الصناعة مما أدى إلى نمو الطبقة البورجوازية التي أحدثت كل التغييرات الإنسانية العظمى- في عصر صعودها- مثل القضاء على الإقطاع ثم الإصلاح الديني والثورات الدستورية والسياسية وأهمها الثورة الفرنسية 1789. كانت المجتمعات العربية راكدة وتابعة بعد أن كان أغلبها مستعمراً. فهذا سبب رئيسي في استدامة الاستبداد.
أما على المستوى الفكري، فالاستبداد نتيجة لغياب فكر سياسي عربي يهتم بالحكم والسلطة السياسية والنظم السياسية مقارنة بالحضارات الأخرى مثل اليونان والصين والرومان وفارس. وقد يعود ذلك إلى أن الفلسفة لم تشكل مكوناً أساسياً للعقل العربي، فقد كان الشعر هو ديوان العرب، وبعد الإسلام احتل الفقه مكانة أولى في التفكير. كما حاول الإسلام أن يقدم نظاماً شاملاً لمكارم الأخلاق لذلك اهتم بجوانب أخلاقية في الحكم أكثر من النواحي السياسية فقد اعتمد على ضمير الحاكم دون ضمانات للمحاسبة أو حق العزل. ومن هنا جاءت أدبيات السياسة أقرب إلى النصائح موجهة إلى الملوك.
من الإشكاليات التي واجهت الفكر السياسي العربي الإسلامي إعطاء قيمة عليا لوحدة الأمة على حساب أي تعدد أو تنوع- مهما كان ثانوياً- خشية الفتنة. لذلك كانت أي معارضة تعتبر خروجاً عن الأمة وتقابلنا فكرة الفرقة الناجية فهي واحدة والباقي الذي ينيف عن السبعين إلى النار. وكان من الطبيعي أن تكون الطاعة للحاكم حتى ولو كان جائراً- هي مطلب لبقاء الدين والحفاظ على وحدة الأمة. وهناك بحث مستمر عن الإجماع مما يعطي الحق في قمع الاختلاف والمعارضة- وبسبب خشية الفتنة ووجوب الطاعة لم يعرف المسلمون فكرة المشاركة الشعبية في السلطة وفي وضع القوانين. ورفض أغلب المسلمين مبدأ السيادة الشعبية في التشريع.
هذا موضوع يحتاج لاجتهادات عميقة وحقيقية. وقد تجنب الفكر السياسي العربي- الإسلامي نقاش موضوع مصدر السلطات واكتفى بالبحث بمسألة كيفية ممارسة السلطة.
بدأ المصلحون المسلمون منذ مطلع القرن التاسع عشر في الحديث عن النظم الدستورية ونقاش الاستبداد وكان ذلك نتيجة الاحتكاك مع الغرب خاصة بعد حملة نابليون. وتبنى مفكرون مثل عبد الرحمن الكواكبي (1854م- 1902م) في كتابة (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) فرضية أن غياب الحرية وغلبة الاستبداد هي سبب تخلف المسلمين. كما انبهر الطهطاوي بفكرة الحرية. ولكن سقف تفكير المصلحين الحديثين لم يتعد إمكانية القبول بالمستبد العادل، ويرجع هذا الموقف إلى المبدأ الإسلامي القائل بوجوب الصبر على الحاكم الجائر وعدم الخروج عليه خشية ما تسببه الثورة من فتنة. ولم تظهر قبل الحرب العالمية الأولى كتابات عن الدستورية والحكومة التمثيلية. وكان الاهتمام أكثر بالتوفيق يبن التعاليم الجديدة والنصوص الدينية.
طرق التخلص من الاستبداد
عرفت بعض الأقطار العربية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الفائت مجالس نيابية ودساتير كان من الممكن أن تمثل نهاية للاستبداد وبذرة للديمقراطية. ولكن التجربة فشلت سريعاً بسبب غياب الوعي والقوى السياسية الحديثة القادرة على إنجاح التجربة. ويقول المحللون لتلك الفترة أن القيادات الوطنية التي تمثلت في تلك المؤسسات لم يحترموها ويراعوا حريتها، فكشفوا عن سيطرة الميول التسلطية والاستبدادية على تفكيرهم وممارستهم. فقد كانت الأحزاب هزيلة تنظيمياً وفقيرة فكرياً ضمت شيوخ القبائل والعشائر ورجال الدين والطرق الصوفية وكبار المزارعين. ولم تستطع هذه القوى التقليدية تحقيق تغييرات سياسية واجتماعية حقيقية وعميقة. فكان من الطبيعي أن تصاب الجماهير بخيبة الأمل واللامبالاة وعدم الحماسة لهذا النوع من الديمقراطية، ولذلك حين تعرضت الديمقراطية للخطر لم تجد من يدافع عنها.
كان الجيش هو الحزب الأكثر حداثة وانضباطاً كما أن الأحزاب السياسية- بالذات العقائدية- ذات صلات بعناصر عسكرية، وكان الجيش بمثابة بذلك مؤسسة سياسية غير معلنة. وأعطت هزيمة فلسطين 1948م- للمفارقة- المبرر للانقلابات العسكرية وأفسح السياسيون المجال للعسكر الذين هيمنوا على أغلب البلدان العربية خلال نصف القرن المنصرم. وكانت بدايات أي نظام عسكري في بيانه الأول إلغاء الأحزاب والنقابات ومنع الصحف وإصدار قوانين الطوارئ والقوانين الاستثنائية. وتمت عملية تحديث الاستبداد بوسائل قمعية مادية ورمزية جديدة: أجهزة الأمن وأيديولوجية شمولية والتحول إلى شعبوية تقود إلى عبادة الفرد. ويحاول العسكر مقايضة التنازل عن الحرية مقابل التحرر الوطني والتنمية ولكنهم بعد سنوات أفقدوا شعوبهم الحرية والخبز معاً. وأغلب النظم العسكرية والشمولية استمرت ليس بسبب قوتها الذاتية ولكن بسبب ضعف الآخر- المعارضة أو القوى السياسية البديلة. ومن هنا تكون بداية التخلص من الاستبداد الجديد قيام أحزاب سياسية جديدة (أو إصلاح الحالية) وحركات اجتماعية قوية لديها برنامج واضح ورؤية سياسية صحيحة وقدرة على النزول إلى القواعد وجذور وقاع المجتمع وأن تنظم الفقراء والمهمشين والنساء والشباب. وأن تخلق قيادات جديدة تمتاز بإنكار الذات والعلم والخلق والحس الوطني العالي.
من الضروري أيضا غرس قيم حقوق الإنسان وعلى رأسها الشعور بالمواطنة وهذا مفهوم غائب طوال التاريخ العربي وما يحمله مفهوم المواطن من حقوق أساسية: مدنية واقتصادية وثقافية. إن قيم حقوق الإنسان ليست مجرد تبشير موسمي تقوم به منظمات حملت ذلك الاسم، ولكن أن تكون حقوق الإنسان جزءاً من شخصية الفرد أي ثقافة تظهر في تفكيره وتعامله اليومي. وهنا يأتي دور التعليم، إذ لابد من تدريس حقوق الإنسان وإدخالها في كل مناهج التعليم من المرحلة الأساسية حتى التعليم العالي. بالإضافة إلى دور الإعلام من خلال الإذاعة والتلفزيون والصحف والنشرات في نشر هذه الثقافة. ويقع على المبدعين والفنانين الأدباء والشعراء والمغنين والمسرحيين والتشكيليين والسينمائيين وغيرهم عبء نشر ثقافة راقية تنحاز لقيم حقوق الإنسان.
تتم مواجهة الاستبداد بتوسيع قاعدة الداعين للديمقراطية والمستفيدين منها. وتأتي المرأة على قمة الأولويات، إذ لابد من دمجها في العملية السياسية كذات فاعلة وواعية وليس بطريقة ديكورية كما يحدث الآن في كثير من البلدان. والديمقراطية لكي تتسع لابد أن تشمل الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية أي الاكتفاء الاقتصادي وتلبية الحاجات الأساسية وعدالة التوزيع، بهدف جذب الفئات والطبقات الفقيرة إلى الاهتمام بالسياسة بتخفيف أعبائها المعيشية ورفع حسها بفائدة الديمقراطية،والاهتمام بالقوميات المقهورة او المهمشة سياسيا بسبب الأصل أو العقيدة.
يعيش العالم ما يسمى بالموجة الديمقراطية الثالثة وهناك دعوات عالمية للخيار الديمقراطي ولم يعد العالم يقبل أو يسكت على مظاهر الاستبداد. ومن إيجابيات العولمة سقوط الحدود. لذلك يصعب تبرير القمع والاستبداد بدعوى التدخل في الشؤون الداخلية، فقد أصبح من العادي أن نسمع احتجاجات منظمة العفو الدولية أو منظمات ومراصد حقوق الإنسان مثلا،على انتهاكات حقوق الإنسان في بلادنا. وهذا تطور جديد لابد من إيجاد صيغة للتعامل أو التعاون بين الداخل والخارج لتجنب قبول التبعية وفي نفس الوقت تبني القيم العالمية الجديدة الخاصة بحقوق الإنسان والتسامح وقبول الآخر. لقد ضعفت فواصل الداخل والخارج.
ومن شروط التخلص من الاستبداد ،قيام حركات سياسية حديثة ومجتمع مدني يقظ وحيوي محدد الأهداف بالذات نشر الديمقراطية وليس الاهتمام بقضايا ثانوية إرضاء للمانحين. ومن المهم تخلص الأحزاب والمجتمع المدني من النخبوية (elitism) والتركز في المدن وبين المثقفين، حتي لا بترك الريف والفقراء للقوى المحافظة الجديدة التي تقدم بديلاً للاستبداد هو الأكثر تخلفاً وتعصباً وتعطي قمعها واستبدادها قدسية انتزعتها من الدين.
لابد من صعود نخبة مستنيرة ومثقفين عضويين للدفع بعملية التغيير بتجاوز سلبيات وأخطاء التجارب الماضية. ويقع على عاتق هذه الفئات تشكيل فكر سياسي حديث يتخلص من ثنائية المقابلة بين الديمقراطية والتحرر الوطني أو بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية أو التقسيم إلى ثوريين أو رجعيين بل مواطنين متساوين أمام القانون. وهذه المهمة ضرورية وتشكل مقدمات التخلص من الاستبداد لأنها تقدم البرامج والأيديولوجيات الصحيحة والمقنعة والعملية لجماهير تحتاج لاستنهاض قدراتها الكامنة والتي تعطلت طويلاً بسبب الخوف والقمع والحكم بالوكالةوفترة اللاتسييس الطويلة والاستقالة الجبرية من العمل السياسي الديمقراطي.
Back to top |