آي إي دِك هوارد
أستاذ الحقوق والشؤون العامة في جامعة ولاية فرجينيا. وهو خبير في حقول القانون
الدستوري والنهج الدستوري المقارن.
كان لي خلال السنوات الأخيرة شرف الجلوس مع واضعي الدساتير في البلدان التي تسعى إلى إرساء أسس الديمقراطية الليبرالية الدستورية. وقد اكتسبت، قبل ذلك بسنوات، تجارب في فن وضع الدساتير عندما كنت منخرطاً في وضع الدستور الحالي لولاية فرجينيا. لكن ليس هناك من تجربة منوّرة أكثر من مشاهدة الدساتير تتشكل في البلدان والثقافات الأخرى.
هذه التجارب في النهج الدستوري المقارن دفعتني إلى طرح الأسئلة حول المدى الذي يستطيع فيه بلد ما مساعدة أو إصدار أحكام حول الرحلة الدستورية لبلد آخر، والى أي حدّ تسافر الأفكار الدستورية بنجاح، على الأخص، عبر حدود الثقافات المختلفة أو الأنظمة القانونية؟ وهل هناك قيم كونية يمكن على أساسها قياس النجاحات النسبية للأنظمة الدستورية؟ أو، كما يقول بعض الناس، هل يجب أن تقوم الدساتير، في نهاية المطاف، على أرضية ثقافة البلاد وتاريخها وتقاليدها وظروفها؟
أوروبا الوسطى والشرقية
فلننظر، لتحديد تلك الأسئلة، إلى تجارب بلدان أوروبا الوسطى والشرقية. بعد انهيار الشيوعية، عمدت كل واحدة من تلك البلدان إلى كتابة دساتير جديدة والى إنشاء مؤسسات تهدف إلى تعزيز الديمقراطية الليبرالية الدستورية. وكان في متناول واضعي الدساتير في تلك البلدان العديد من المصادر التي يُمكنهم الاستعانة بها في ابتكار دساتيرهم الجديدة.
كان بوسعهم في بعض الحالات النظر إلى الوراء لرؤية تجاربهم الخاصة. فالبولنديون، مثلاً، تذكروا تقاليد النهج الدستوري المرتبطة بدستورهم الشهير المبرم في الثالث من أيار/مايو 1791. وكان لدى الهنغاريين تقاليد قوية لحكم القانون تعود جذورها إلى سنة 1222.
غير أن تلك التقاليد، في كثير من الأحيان، كانت مُجزّأة وبعيدة تاريخياً. لم يكن إلاّ لدى القليل من بلدان أوروبا الوسطى والشرقية تجارب طويلة مع النظام الدستوري، والديمقراطية، وحكم القانون قبل سنة 1989 (تجربة تشيكوسلوفاكيا الديمقراطية بين الحربين العالميتين كانت استثناء).
استطاعت بلدان أوروبا الوسطى والشرقية أن تنظر- وقد نظرت - إلى تجارب بلدان أوروبا الغربية. فأوروبا الغربية هي مركز معظم نواة المنهج الديمقراطي الدستوري المعاصر، مثل تعاليم حركة التنوير (وهي الحركة التي ظهرت في القرن الثامن عشر وقامت على فكرة الأسبقية للعقل البشري)، وكذلك إلى مصادر العديد من مبادئنا الدستورية الأساسية (مثل الفصل بين السلطات).
علاوة على ذلك، كان النهج الدستوري والديمقراطي وحكم القانون، قد سادت بوضوح في أوروبا الغربية منذ الحرب العالمية الثانية. فأصبحت ألمانيا، الخارجة من تحت رماد الحرب العالمية الثانية، مثالاً رائعاً للديمقراطية الدستورية وأصبحت إسبانيا التي تجاوزت إرث الدكتاتور الجنرال فرانكو، دولة أوروبية حديثة من جميع النواحي.
فقام واضعو الدساتير في أوروبا الوسطى والشرقية، استناداً إلى دراسة تلك النماذج وغيرها، بتشكيل أنظمة دستورية مستمدة بوضوح من الأنظمة الأوروبية. كانت المحكمة الدستورية الألمانية، مثلاً، مصدر وحي لإنشاء محاكم دستورية في أوروبا الوسطى والشرقية.
شكلت المعايير والوثائق الدولية مصدرا هاما بالنسبة لواضعي الدساتير في أوروبا ما بعد الشيوعية، تماماً كما هي بالنسبة لأنحاء أخرى من العالم. وهذا صحيح بنوع خاص لدى بلورة وتنظيم وحماية حقوق الإنسان.
لذلك ينظر واضعو الدساتير إلى تلك الوثائق الدولية، مثل اتفاقيات الأمم المتحدة، وإلى الترتيبات الإقليمية مثل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، واتفاقية هلسنكي التي وقعتها الدول الأعضاء في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ووثائق كوبنهاغن. كذلك، كان شائعاً أن تنص الدساتير التي جاءت بعد انهيار الشيوعية، على ان القانون الدولي والاتفاقات الدولية ستكون بمثابة قوانين محلية داخل البلاد.
قد يتصور المرء أن واضعي الدساتير في أوروبا الوسطى والشرقية سوف يدرسون تجارب جيرانهم الأقربين في المنطقة. ويبدو ذلك مفيداً بنوع خاص طالما ان هذه البلدان قد تقاسمت العديد من مشاكل عالم ما بعد الشيوعية، مثل تدمير المجتمع المدني خلال الحقبة الشيوعية، والآثار الفاشلة تماماً للاقتصاد المُوجّه، والاستخفاف الساخر بالحياة العامة التي توالدت خلال تلك السنوات.
لكن انطباعي يشير إلى أن واضعي الدساتير في المنطقة لم يعيروا كثير اهتمام لدراسة تجارب جيرانهم الأقربين. قد يكون ذلك إلى حد ما نتيجة عداوات تاريخية في المنطقة، لكنه قد يؤكد أيضاً الحافز القوي للنماذج الغربية، وعلى الأخص، على ضوء الرغبة المسيطرة لدى بلدان أوروبا الوسطى والشرقية “للانضمام” إلى الأسرة الأوروبية، وبنوع خاص، للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي.
اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية
بعد استسلام اليابان سنة 1945، تحرك الجنرال دوغلاس مكآرثر بسرعة لتأمين صوغ دستور جديد للبلاد. كان هاجسه أن رجال النخبة اليابانية، إذا تُركوا وشأنهم، سوف لن يُدخلوا تعديلاً يُذكر على الوضع القائم، لذلك أعطى تعليماته إلى حكومته العسكرية لصوغ دستور، فقامت بإعداد هذا الدستور خلال أيام معدودة.
وفي الوقت الذي كان يجري فيه وضع ما سوف يصبح القانون الأساسي لألمانيا سنة 1949، كانت الحرب الباردة قد بدأت تسيطر على السياسة الخارجية الأميركية. كان لقوات الاحتلال الحليفة بالطبع، كلمتها في رسم سياسة ألمانيا بعد الحرب.
لكن، بعد أن رأى الأميركيون وحلفاؤهم، أن الاتحاد السوفيتي يُشكّل التهديد الأكبر، أصبح للألمان حرية أكثر في صوغ قانونهم الأساسي.
ثمة وجوه هامة يظهر من خلالها احتواء القانون الأساسي الألماني على مبادئ مألوفة لدى الأميركيين، مثل الفدرالية والمراجعة القضائية للتشريعات. غير أن وثيقة سنة 1949 تدين أكثر للتقاليد الدستورية الألمانية الخاصة، بما فيها دستور باولسكيرشه.
عوامل نجاح أو فشل الديمقراطية
لا يكفي أن يكون المجتمع ديمقراطياً. فعليه أن يكون أيضاً ليبرالياً ودستورياً. فالديمقراطية تسعى لضمان قيام الحكومات على أساس رضى المحكومين وان تكون قابلة للمحاسبة أمام الشعب. لكن يجب أن تكون الديمقراطيات أيضاً ليبرالية، أي ان تكون ملتزمة احترام الحقوق والحريات الفردية، وملتزمة المبادئ التي تبناها الفيلسوف الإنجليزي جون لوك والقائلة إن الدولة تعتمد على الفرد وليس العكس.
ويجب أن تكون الديمقراطيات أيضاً دستورية، أي أن تكون هناك الوسائل التي تضمن فرض تطبيق المعايير الدستورية حتى عندما يعني ذلك إنكار رأي الأغلبية.
العوامل التالية أساسية جداً لنجاح الديمقراطية الليبرالية الدستورية.
على البلدان أن تملك قوة عسكرية كافية، وكذلك استقراراً اجتماعياً واقتصادياً لصد العدوان الخارجي، ولحمايتها ضد النشاط الهدام الداخلي أو الاضطرابات. ولا حاجة لأن
تأتي القوة، بالطبع، فقط من موارد البلاد الخاصة. فبإمكان البلدان التطلع إلى حلفائها للحصول على المساعدة.
الثقافة الدستورية النابضة بالحياة تسير، في كثير من الأحيان، يداً بيد مع الاقتصاد السليم. فأنا لا أدّعي أن البلدان تكون بالضرورة ديمقراطيات دستورية لمجرد أنها غنية. لكن يبدو من الجائز القول إن الظروف الاقتصادية التعيسة تعمل، أحياناً كثيرة، على تقويض أي أمل في إحلال الديمقراطية الدستورية.
يجب ان تكون هناك ثقافة سياسية، وقد أُسميّها ثقافة دستورية، أي ثقافة تعطي قيمة للنهج الدستوري، والليبرالية، والديمقراطية، وحكم القانون. وهذا يفترض مستوى عالياً من التعليم؛ لكنه يفترض أيضاً توفرّ الظروف التي يمارس فيها المواطنون معايير التعاون والتسامح، التي تترافق مع تحسن أو تدني أحوال القضايا الاجتماعية والسياسية، وحظوظ المرشحين والأحزاب.
وهذا يعني أن على الذين يخسرون الانتخابات أن يسلّموا مقاليد الحكم إلى الفائزين. ويعني ان على الذين يواجهون إبطال أي انتصار، من خلال العملية التشريعية، على يد المحاكم لأسباب دستورية، أن يقبلوا بهذه القيود الدستورية المفروضة على الحكومة.
على المجتمعات أن تكون منفتحة أيضا في مجال الصحافة والوسائل الإعلامية الحرة والمسؤولة، بحيث تترافق مع النهج الدستوري والديمقراطية. ويجب إيجاد الوسائل اللازمة لإقامة تواصل فعلي فيما بين الناس، وفيما بين الناس وحكوماتهم.
على المجتمعات المدنية ان تكون مزدهرة. فالمنظمات الخاصة، والأحزاب السياسية، والاتحادات العمالية، ومجموعات المصالح، والنوادي، وغيرها، تخلق حاجز اصطدام هاما بين الأفراد والدولة.
فهذه المنظمات توفر موقع لجوء للذين يعتقدون ان السياسة القائمة ليست في مصلحتهم. وهي تقدم أرضيات تدريب على الصفات التي تصنع المواطنية الحقيقية، وتجعل من الممكن سماع الأصوات الجماعية وأنشطتها التي تمنع الدولة من احتكار السلطة.
يجب ان تقوم الدول على المبادئ المدنية وليس على المبادئ العرقية أو القومية، أي ان على جميع المواطنين أن يكونوا متساوين في المجتمع. فلا يجوز ان يكون هناك أناس من “الداخل” وأناس من “الخارج”.
وإذا كانت الدولة غير متجانسة على نطاق واسع، من حيث الدين أو اللغة، أو الاثنية، أو الثقافة، عندئذ تصبح هناك حاجة إلى تعهّد يُطمئن الناس على نطاق واسع بالنسبة لحريات مجموعات الأقليات. وعلى الناس، إذا أُريد للديمقراطية الليبرالية الدستورية ان تنجح، أن يكون لديهم مستوى من الثقة المتبادلة والقدرة على التعاون، بدلاً من التوزع في معسكرات من الكراهية والعدائية.
سوف يعلمنا التاريخ، والثقافة، والظروف، في نهاية المطاف، الكثير حول احتمالات نجاح أو فشل النهج الدستوري، والديمقراطية، وحكم القانون في أي بلد كان. وعلى الذين يأملون في رؤية تلك القيم تزدهر في الديمقراطيات التي تأسست مؤخراً ان يتفهّموا أوضاع وظروف تلك البلدان -- وشعوبها، وتاريخها وثقافاتها. والمثال على ذلك، الجدال القائم حول مدى تناغم الإسلام أو عدمه، في نهاية المطاف، مع الديمقراطية الليبرالية الدستورية في بلد مثل العراق.
فتاريخ العراق بالذات، مثلاً، يُثير التساؤل عما إذا كانت التجربة البرلمانية أيام الحكم الهاشمي خلال السنوات التي سبقت سنة 1958 قد تركت أي إرث مفيد، أو إذا كانت الطبقة الوسطى قد ظلت قوية بما فيه الكفاية لتبقى حية بعد سنوات القمع التي مارسها نظام صدام حسين. وسوف يساعد الخبراء في الشؤون العراقية في تزويد المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات المناسبة.
لكن على الذين سوف يرسمون شكل الأحداث في العراق ان يراجعوا الدروس التي توفرها المراحل الانتقالية من الأنظمة التوتاليتارية أو الاستبدادية في أماكن أخرى. فالطريق إلى النهج الدستوري والديمقراطية وحكم القانون تقود المرء عبر العديد من البلدان
Back to top |