أوراق ديمقراطية .. سلسلة يصدرها مركز العراق لمعلومات الديمقراطية. تأسس المركز في عام 2004م بمبادرة مشتركة من مجموعة منظمات أميركية وعراقية غير حكومية وغير ربحية، ويضم في هيئتيه الاستشارية والتحريرية نخبة من أساتذة الجامعات والخبراء في مجال الديمقراطية من مختلف دول العالم.
يهدف مركز العراق لمعلومات الديمقراطية للمساعدة في نشر الوعي الديمقراطي في العراق عبر إعداد وتوزيع مواد تثقيفية تعنى بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وذلك بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني العراقية وغيرها من التجمعات المهنية والإنسانية والثقافية في البلاد.
تغطي أوراق ديمقراطية بأعدادها الستة أهم القضايا المتصلة بتجربة التحول الديمقراطي مثل : كيف نمنع عودة الاستبداد ونرسي حكم القانون، تجربة بناء الدساتير، ضمان احترام التعددية السياسية والاثنية والدينية، الحريات العامة، المجتمع المدني، اقتصاد السوق، بالإضافة إلى دور المرأة في عملية التحول الديمقراطي.
يشارك في إعداد هذه السلسلة نخبة من المفكرين والكتاب العرب والمسلمين والأجانب، كما يشارك بالتعليق والنقاش عدد من الباحثين والكتاب والمثقفين العراقيين.
إن مركز العراق لمعلومات الديمقراطية إذ يقدم للقارئ العراقي سلسلة أوراق ديمقراطية، إنما يأمل في أن يسهم ذلك في توفير بعض المعلومات والخبرات الضرورية لإنجاح مهمة بناء الديمقراطية وإرساء حكم القانون في العراق.من أجل استكمال الجوانب المتعلقة بتفاصيل الواقع العراقي ضمن مواد هذا العدد، طلبنا من عدد من المثقفين والكتاب وأساتذة الجامعات العراقيين، مدنا بتصوراتهم ووجهات نظرهم حول هذا الموضوع، سواء من خلال كتاباتهم المنشورة أو تعليقهم المباشر على مواد هذا العدد، فجاءت مساهماتهم على النحو التالي:
طريق الألف ميل يبدأ بخطوة خورشيد شوكت الرواندوزي
مدرس سابق لمادتي القانون الدولي العام والعلاقات الدولية في كل من جامعتي بغداد وأربيل.
أعتقد أن المواد المنشورة في هذا العدد تخدم بصورة عامة فكرة الديمقراطية في العراق، لكن بالنسبة لاستجابتها للوضع الراهن في البلاد، فهذا أمر آخر، لأن الفترة الزمنية التي عاشها العراق في ظل أنظمة حكم اتسمت بالاستبداد والقمع وتجاهل رغبات وطموحات العراقيين كانت طويلة نسبيا، فيما فترة ما بعد حكم الطاغية صدام حسين قصيرة وحافلة بالمشاكل خاصة الأمنية.
فيما يتعلق بنظرية الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز حول العقد الاجتماعي، أعتقد أنها كانت محاولة انتهازية لخدمة العائلة المالكة في بريطانيا آنذاك وعلى حساب الشعب، إلا أن ظهورها وتوقيتها أمر فيه نظر، فالحكم المطلق سيئ والفوضى أسوء، وخيرهما مجتمع المؤسسات الدستورية المنبثقة من عامة الشعب والعمل وفق شعار “الكل للواحد والواحد للجميع”. وأما نظرية لوك ومن بعده مونتسكيو فهي الأفضل مما سبق. فالحكام وفق هذه النظرية هم محامو الشعب، ومن لم يلتزم منهم بما يجب يستغنى عن خدماته بل ويحاسب كذلك وفق كل حالة. لذا انتشرت تلك النظرية في القارة الأوروبية وخدمت التطور البشري عامة.
بشكل عام لا يمكن استنساخ نمط الحريات وتصديرها كاملة من مجتمع إلى آخر، دون اعتبارات أو فرضها بالقوة تحت ذريعة الديمقراطية لأنها ستؤدي إلى نتائج عكسية غير مرغوبة وارتدادا مغايرا للتوجه المرجو منه. لذا يجب تطبيق النهج الديمقراطي السليم على مراحل لتهيئة أجواء القبول بها تدريجيا وليس على عجل.
كما يجب تحديد الحريات والواجبات بدقة وعناية تامة وضمن أطر محددة مع رقابة ومحاسبة كل من تسول له نفسه الخروج عنها. فالتمتع بالحقوق والحريات الأساسية في أي مجتمع لا يعني أن يكون ذلك على حساب الغير والانفلات وعدم الانضباط وإنما وعي الذات والقيام بالواجبات.
وبخصوص الدستور الصدامي ودوام الاستبداد في عهده وتفسيره لا يحتاج إلى الكثير من الذكاء، لأن الدستور المذكور وجد أصلا كغطاء لإدامة النظام. وأما ضمان عدم تكرار ذلك مستقبلا، فهو أمر مرهون حسب قناعتي الشخصية واستنادا إلى حجم التناقضات الموجودة، بقدرة العراقيين على بلورة إجماع وطني بشأن شكل وطبيعة النظام السياسي في البلاد، مع الاستفادة من مساعدة المجتمع الدولي والحد من التدخلات الإقليمية وغيرها.
فالدستور الجديد يجب اعتماده بالأساس على مبادئ وقواعد القانون الدولي مع مراعاة الشريعة الإسلامية والشرائع الأخرى وبما يتفق والوضع الراهن السائر نحو التطور واللحاق بالحضارة العالمية المعاصرة.
والأفكار الواردة في الدستور الجديد يجب أن تكون عراقية وللعراقيين أولا، مع الاستفادة من تجارب الدول والأمم الأخرى، ولكن طبقا للتركيبة السكانية والاثنية والعادات والتقاليد النافعة والسليمة لدى الشعب العراقي.
والتزام الشعب العراقي بالدستور الجديد ودفاعه عنه هو الضمان الأساسي والأكيد لحفظ الشعب من أي استبداد جديد. وأما خطر قيام الأكثرية الفائزة في الانتخابات لهذا العام بممارسات قد تسيء إلى تمتين العلاقات بين الشعب، فهذا أمر وارد لكون الفئات الفائزة الرئيسية غير متفقة على نظام الحكم الجديد.
وهناك ثلاث مشاكل رئيسية هي :
الأكثرية الشيعية غير مقتنعة بشكل النظام الفيدرالي التعددي الديمقراطي الذي تطالب به الأكثرية الكردية في العراق.
الأقلية العربية السنية لا ترضى طواعية بحكم الأكثرية الشيعية وخلفها دول وقوى وإمكانيات متعددة خارج العراق.
المبالغة في وصف وتقدير مدينة كركوك والموصل وخانقين لكونها مراكز للثروة الطبيعية الهائلة وخاصة النفطية منها، ووجود فئات إثنية ودينية مختلفة الأهداف والرغبات تعيش فيها. وهناك خطر آخر لا يقل أهمية عما ذكر وهو الصراع التاريخي المستمر بين الإمبراطوريات الفارسية والتركية والعربية حول العراق أو بلاد ما بين النهرين والتسبب في عدم استقرار الأوضاع فيه. وأما معالجة الأمور في العراق فهي ليست بالمستحيلة بل ممكنة وذلك من خلال ضبط الأوضاع وتوفير الأمن للمواطنين ومن ثم البدء ببناء البنية التحتية، بما تشمله من تصنيع ومكننة زراعية وتحسين الأوضاع الصحية والتعليمية والقضاء التام على البطالة والفقر والأمية. وكل ذلك يمكن تنفيذه من خلال الدخل القومي المستمر والمتصاعد. ويجب على النظام الديمقراطي في العراق الجديد أن يثبت للمواطنين، قولا وعملا، بأنه أفضل من كل ما سبقه من الأنظمة، وأن مستقبلهم مرهون بما يفعلونه من أجله. وهناك جانب حساس ومهم يجب الاهتمام به بجدية وهو محاربة الفساد الإداري على جميع الأصعدة ونشر وعي وطني قويم يتجاوز الانتماءات الأخرى. وأما صيانة المكتسبات في العهد الجديد فهي من واجب السلطات المختصة في الداخل وبدعم مخلص من كل فرد عراقي مع تخويل القوات الأميركية والبريطانية بحماية العراق من كل خطر داخلي عند الحاجة وخارجي على الدوام. وفي الختام أود الإشارة إلى أن الأنظمة التي تناوبت على حكم العراق، باستثناء عهد الاستقلال الشكلي بين الأعوام 1932 – 1958، لم تكن ملمة أو مهتمة بغرس التقاليد الديمقراطية السليمة، والعراق في هذا لم يكن استثناء عن العالمين العربي أو الإسلامي وحتى العالم المسمى بالثالث ولأسباب كثيرة لا أدخل هنا فيها بالتفصيل. لذا فإن البدء في بناء مجتمع ديمقراطي في العراق لن يكون بالأمر السهل، وخاصة في الحقبة الأولى منه. ولكن المثل يقول “مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة”.
الديمقراطية لن تولد متكاملة وقد لا تكتمل!
عبدالخالق حسين
طبيب وجراح عراقي، له العديد من المقالات والمساهمات الفكرية المنشورة في عدة صحف ومواقع إنترنيت عراقية وعربية.
يختلف العراقيون في موقفهم من الديمقراطية ونظرتهم المستقبلية إلى الحكم بعد صدام. فمنهم المتحمس إلى الديمقراطية إلى حد أنه يريدها أن تبدأ بعد سقوط النظام مباشرة دون المرور بالفترة الانتقالية وإلا فإنه يعتبر ما حصل تبديل ديكتاتورية بديكتاتورية أخرى أو حكم أجنبي. وعلى الطرف الآخر من المعادلة، هناك موقف يعادي الديمقراطية إلى حد أنه يعتقد أن مجرد ذكرها خطأ لأنها من الأفكار الأوروبية المستوردة، غريبة على ديننا وعاداتنا وثقافتنا وتقاليدنا العربية الإسلامية الأصيلة!!. ولو أردنا أن نكون موضوعيين ومنصفين ونأخذ ظروف بلادنا في نظر الاعتبار، فإن الحقيقة تقع في مكان ما بين هذين الموقفين المتباعدين.
بداية، أود القول إن هناك مشكلة تواجه البشر عموماً ولعلها سبب سخطهم الدائم في الحياة وهي أنهم دائماً يتوقعون تحقيق أكثر من الممكن. وهذه النزعة مفرطة عندنا نحن العراقيين، وخاصة في القضايا السياسية وبالأخص في المسألة الديمقراطية. أقول ذلك لأني أقرأ هذه الأيام ما يكتبه بعض الكتاب الأفاضل أو من خلال مناقشاتي مع بعض الأصدقاء حول الحكم بعد سقوط النظام الفاشي في العراق. فهناك من يريد تشكيل حكومة ديمقراطية منتخبة من الشعب. ويريدها تماماً على غرار ديمقراطية الدول الغربية في السويد وبريطانيا مثلاً من اليوم الأول دون المرور بمرحلة انتقالية أو أي تحضير لها ودون أن يسأل نفسه: هل الظروف العراقية بعد صدام مباشرة تشبه ظروف الدول الأوربية المستقرة؟
إن القفز على المراحل يؤدي إلى السقوط والاستعجال يؤدي إلى إجهاض المشروع الديمقراطي. فالشعب العراقي لم تتوفر له الفرصة لممارسة الديمقراطية في جميع مراحل تاريخه إضافة إلى حجم الخراب الاقتصادي والبشري وتفشي الجريمة والفقر وتفتيت النسيج الاجتماعي، الإرث الثقيل الذي تركه النظام الفاشي البائد من انحطاط سياسي وانهيار فكري وما قامت به السلطة من نشر الأفكار الغيبية والخرافات وتشريد المثقفين ومحاربة الفكر التنويري، مما خلق وضعاً فكرياً متردياً وانتشار الخرافة والغيبيات بين العامة.
هذه المشكلة تحتاج إلى معالجة وحملة توعية مكثفة من المثقفين المتنورين الذين بدورهم يحتاجون إلى حرية التعبير والتفكير والنشر والشفافية واستقلال وحرية الصحافة واستثمار كافة وسائل الإعلام لنشر الفكر التنويري والقضاء على الفكر السلفي والخرافي المتخلف.
نعم كان هناك ما يشبه نظام ديمقراطي في العراق الملكي (دستور وانتخابات وبرلمان) ولكن السلطات كانت تزيف الديمقراطية ومؤسساتها مما أعطتها سمعة سيئة ووفرت الأجواء للأحزاب السياسية باللجوء إلى العنف لإجراء التغيير. وقد بلغ الظلم في عهد صدام حسين مبلغاً لا يقبل المقارنة مع أي عهد آخر. إن شعباً عانى كل هذه المظالم وتدمير بنيته الاقتصادية والاجتماعية خلال ما يقارب أربعة عقود، ليس من السهل عليه الانتقال إلى الديمقراطية مباشرة بعد التحرير دون المرور بفترة انتقالية. إن هذه الفترة الانتقالية ضرورية جداً لمعالجة التركة الثقيلة التي ترثها السلطة القادمة والتي تحتاج إلى معالجة مركزة.
الفترة الانتقالية هي الفترة الممتدة من سقوط النظام الفاشي إلى الانتخابات البرلمانية وتشكيل الحكومة الديمقراطية المنبثقة عن البرلمان. تحتاج السلطة المؤقتة في الفترة الانتقالية أن تكون في حالة سباق مع الزمن وتركز جهودها لمعالجة الأمراض الاجتماعية والاقتصادية والبدء بالأولويات التي لها علاقة بحياة الناس مثل تأمين الخدمات الصحية والغذائية والتعليم والتثقيف والأمن والاستقرار والتأهيل وبناء مؤسسات السلطة والإدارة وتوفير الخدمات الإجتماعية والماء والطاقة....الخ.
ويمكن في الفترة الانتقالية، المباشرة بممارسة الديمقراطية على مستوى المجتمع المدني بإعادة بناء المنظمات المهنية والاتحادات والنقابات والبدء باختيار قياداتها عن طريق انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف جهات قضائية. كذلك يمكن إجراء انتخابات بلدية وإدارات محلية. وبذلك يمكن تحضير الناس تدريجياً لخوض الانتخابات البرلمانية.
وخلال هذه الفترة تقوم الأحزاب والمنظمات السياسية بإعادة تنظيم تشكيلاتها والإعلان عن نفسها وبرامجها. فنتوقع أن تحصل إعادة اصطفاف القوى والتحام العديد من التنظيمات الصغيرة المتشابهة في الرؤى والأفكار لتتحد فيما بينها مكونة أحزاباً لها ثقلها. وفي نفس الوقت تقوم هذه الأحزاب بتحضير الرأي العام العراقي وتقديم برامجها السياسية و تعريف نفسها وقياداتها إلى الشعب لتتعرف الجماهير على الأحزاب ويكون هناك تصور واضح لدى الناس عن هذه الأحزاب وقياداتها وبرامجها السياسية. وبذلك يمكن حث الخطى نحو إجراء إنتخابات برلمانية عامة وتشكيل الحكومة الشرعية الديمقراطية المنتخبة في الوقت المناسب وتحت إشراف جهات دولية لتحصل الحكومة القادمة على مصداقية الشعب والعالم.
لقد بدأت الديمقراطية حتى في أشد البلدان عراقة بحقوق بسيطة ونمت مع نضال الجماهير وتنامي وعيها إلى أن بلغت مرحلة متطورة في الدول الغربية في الوقت الحاضر. وما بلغته الديمقراطية اليوم في هذه البلدان، ليس نهاية المطاف، بل ستتوسع
هذه الحقوق بلا نهاية. بمعنى آخر، لم تلد الديمقراطية كاملة في هذه البلدان في مرحلة واحدة، بل ولدت ناقصة وأخذت تنمو مع الزمن. فالديمقراطية عملية مستمرة دون انقطاع في نيل الأفراد والمجتمع لحقوقهم.
ومن شروط نجاح الديمقراطية في مجتمع ما هو توفر روح التسامح والقبول بالتعايش السلمي مع من نختلف معهم، أي إقرار حق الاختلاف. ولكن هذا التسامح لا يمكن تحقيقه بين عشية وضحاها. بل يحتاج إلى درجة عالية من الوعي والتطور الاجتماعي ليبلغ الناس مستوى عالياً في قبول الآخر المختلف. وهذا يحتاج إلى وقت وحملة توعية مكثفة ومستمرة بهذا الاتجاه مع ممارسة نوع من الديمقراطية في نفس الوقت. فالديمقراطية هي من الأمور التي يتعلمها الشعب بالممارسة والتثقيف في آن واحد وليس بالتثقيف وحده, فهناك حقوق إنسانية تقرها المجتمعات المتطورة، ولكن هذه الحقوق ذاتها تعتبر غير مشروعة في مجتمعات أخرى بحيث مجرد الحديث عنها يعتبر تجاوزاً على المقدسات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قبل سنوات طالبت النائبة الإيرانية فائزة رفسنجاني (ابنة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني) ببعض الحقوق للمرأة في بلادها. فخرجت مظاهرات نسائية صاخبة ضدها يطالبن بطردها من البرلمان!!
وقد أصدر الزعيم عبدالكريم قاسم قانون الأحوال الشخصية الذي ساوى بموجبه بين المرأة والرجل في حقوق الإرث والشهادة في المحاكم.. فثار عليه رجال الدين وساهم هذا القانون بدرجة وأخرى في إسقاط حكومة 14 تموز وأجهضت المسيرة. في الوقت الذي نرى فيه المجتمعات الغربية بلغت مرحلة متطورة من روح التسامح والتعايش وقبول الآخر. ولم تتحقق هذه الحقوق في هذه البلدان المتطورة إلا في وقت متأخر وذلك نتيجة لنضال الجماهير في نيل حقوقها الديمقراطية وعندها يتقدم أحد النواب بطرح مشروع قانون على البرلمان وتتم مناقشته من قبل الرأي العام في وسائل الإعلام وأخيراً في البرلمان ويتم التصويت عليه إما برفضه أو التصويت لصالحه فيصبح المشروع قانوناً دون أن تتعرض الحكومة أو أي حزب أو مسؤول إلى تهمة الزندقة أو الخروج على الأعراف والتقاليد.
وعليه أرى من الضروري تقدير ظروف المرحلة الصعبة التي تمر بها بلادنا والتي تحتاج إلى توحيد الصفوف والتعاون مع الدول التي ساهمت في تحرير العراق من النظام الفاشي بروح من المسؤولية العالية. وأن نترك خلافاتنا السياسية والحزبية والآيديولوجية جانباً ونبدي حرصنا أمام العالم على مصلحة شعبنا لبناء عراق ديمقراطي موحد. وهذا يحتاج إلى وقت لمعالجة ما أوجده النظام خلال أربعة عقود من الظلم والدمار.
الدستور العراقي الجديد
منذ ر الفضل
أستاذ القانون المدني ومحاضر على طلبة الدكتوراه في جامعة صلاح الدين في أربيل بالعراق.
منذ الإطاحة بالنظام الملكي في 14 تموز يوليو 1958م بقيادة مجموعة عسكرية من الجيش العراقي، لم يستقر الوضع السياسي ولا القانوني في العراق، حيث تعاقبت التغيرات والانقلابات العسكرية وعصفت بالبلاد سلسلة من المشكلات الجوهرية من حروب داخلية وخارجية زعزعت الاستقرار وهددت أمن ووحدة العراق وسيادته، وعلى الصعيد القانوني صدرت دساتير عديدة مؤقتة ولم تحترم نصوص الدستور ولا القوانين النافدة من جميع أنظمة الحكم المتعاقبة وتعرضت السلطة القضائية إلى العديد من الانتهاكات والخروقات مما هدد بصورة جدية مبدأ استقلال هذه السلطة وصار الحاكم فوق القانون الأمر الذي جعل فرص الاستبداد كبيرة جدا للتوسع على حساب مساحة حكم القانون.
ولا شك أن هذا التدهور وغياب القانون وانتهاكات حقوق الإنسان وظاهرة الحكم الفردي التي جلبت الدمار والخراب على العراقيين جميعا بدأت بصورة جلية مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963م والتي دامت تسعة أشهر من حكم دموي فاشي ومن ثم وصول حزب البعث ثانية للحكم عام 1968م وتصاعدت وتيرة الخطوط البيانية الحمراء وبصورة خطيرة جدا بعد وصول صدام إلى السلطة عام 1979م الذي انفرد في الحكم بمساعدة الأجهزة الأمنية الخاصة واستعمال القبضة الحديدية القاسية والذي فرط بالسيادة الوطنية وأدخل العراق في حرب أهلية ضد الشعب الكردي وغدر بالجار الشرقي وبالجار الجنوبي وخرب الديار بسبب عبادة الشخصية التي مارسها نظام صدام الدكتاتوري وعطل فيها الدستور والحياة بكل مناحيها.
وما تزال آثار الحروب الداخلية والخارجية يعاني منها جميع العراقيين في الداخل والخارج وستبقى آثارها المدمرة إلى أمد ليس بالقصير رغم مرور ما يقارب من عامين على سقوط النظام في التاسع من أبريل نيسان 2003 ومحاولات بناء المستقبل السياسي للعراق على أسس جديدة تتجاوز فيها المشكلات الموروثة.
في عام 1925 صدر أول دستور في الدولة العراقية هو (القانون الأساسي) و ذلك في ظل مؤسسات دستورية ساهم في بنائها جميع أبناء القوميات وأتباع الديانات والأطياف العراقية بشفافية كبيرة، وقد كان هذا القانون أول دستور دائم في الدولة العراقية الحديثة حيث لم يشهد العراق بعد ذلك صدور أي دستور دائم للبلاد حتى لحظة كتابة هذه السطور. فمنذ الإطاحة بالحكم الملكي في 14 تموز يوليو عام 1958 صدرت دساتير متعددة وتعديلات كثيرة عليها تشير إلى حالة الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار وغياب العمل المؤسسي في العراق ساد فيها (قانون القوة على قوة القانون).
وهذا القانون الأساسي أجريت عليه مناقشات مطولة قبل إصداره وقد تضمن نصوصا عديدة نظمت العلاقة بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وكان عبد z
المحسن السعدون أول رئيس وزراء عراقي يحلم ببناء دولة القانون وكانت أفكاره واضحة من حقوق الشعب الكردي واحترام حقوق القوميات الأخرى وفي فصل السلطات كما كان شكل الدولة العراقية بسيطا موحدا والحكم فيها مركزيا بيد السلطة في العاصمة بغداد.
لكن الحكم الملكي الذي دام من عام 1921م وحتى 1958م لم يخل من اضطرابات ومشكلات أساسية داخلية وخارجية أثرت في وضع العراق من نواح متعددة، وأعقب ذلك حكما عسكريا بقيادة مجموعة من الضباط ظل منذ عام 1958 وحتى عام 1963 حيث انقلاب البعث الأول وأعقبه حكم عبد الرحمن عارف بعد سقوط طائرة شقيقه عبد السلام عارف ومن ثم جاء البعث إلى السلطة بانقلاب عسكري في 17 يوليو تموز عام 1968م.
إن عدم الاستقرار السياسي الذي عاناه العراق طوال العقود الماضية، انعكس سلبا على الوضع القانوني والدستوري فيه، واليوم إذ تتاح الفرصة للعراقيين بعد انتخابات حرة ونزيهة لتشكيل مجلس وطني يمثل معظم قطاعات الشعب العراقي، فإن أبرز المهام الملقاة على عاتق هذا المجلس هي وضع مسودة دستور دائم للبلاد يمثل الفيصل القانوني الفعلي بين مرحلتين مهمتين في تاريخ العراق الحديث، وهما فترة حكم الاستبداد وفترة حكم القانون، وباعتقادنا أن قواعد الدستور الدائم للبلاد في العراق الجديد يجب أن تبنى على الأسس التالية :
عراق ديمقراطي تعددي ينعم بالاستقرار والسلام قائم على أساس الاتحاد الاختياري (الفيدرالية) ويحترم القانون الأساسي والقوانين النافدة وحقوق الإنسان وجميع الالتزامات الدولية.
عراق لا مكان فيه للتمييز بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو القومية أو الدين أو الفكر وتحتل المرأة فيه دور إنسانيا يتناسب مع قيمة الإنسان في الحياة.
عراق يفصل بين الدين والدولة، ويجعل الدولة محايدة تحترم الديانات وأتباعها والمذاهب والمعتقدات ودون تمييز وفقا للقانون ودون تفضيل دين أو معتقد على آخر.
عراقي محايد لا يدخل الحروب وتؤسس فيه المؤسسات الدستورية وبناء المجتمع المدني وسيادة القانون ويبتعد عن عبادة الأصنام وحكم العسكر أو الفرد.
عراق يتجنب الكوارث الناجمة عن مركزية السلطة والحكم الشمولي التي يتناقض مع قواعد الحكم الديمقراطي.
عراق تنعم فيه جميع القوميات وأتباع الديانات بالحرية والاستقرار والأمن ويعترف بالأخر ويحترم حقوق الشعوب في تقرير مصيرها كما ويرسخ مبادئ التداول السلمي للسلطة. إن هذا الدستور سيكون بمثابة القانون الأساسي أو القانون الأعلى في الدولة العراقية الفيدرالية بحيث يخضع له الجميع ويحتكم إليه الحاكم والمحكوم، ذلك لأن من أولى مقومات دولة القانون هو وجود دستور دائم والفصل بين السلطات وترسيخ مبدأ سيادة القانون واحترام تدرّج القواعد القانونية وحماية الحقوق العامة للمواطنين واستقلال القضاء.
كيف نكتسب المناعة ضد الاستبداد؟
أحمد شمس علي
الرئيس التنفيذي لمنظمة عراق الغد
عانى العراق ومعه أغلب الدول العربية من تعدد تجارب التغيير الفاشلة التي بدأت بشعارات ديمقراطية براقة لكن التدهور نحو الاستبداد كان السمة السائدة التي حكمتها.
هذا التدهور لم يقتصر على تجارب التغيير التي لم تحظى بإسناد شعبي بل امتد إلى تلك التي قادها سياسيون، كانوا وما زالوا يمتلكون صورة طيبة لدى عدد كبير من الناس مثل عبد الكريم قاسم قائد إنقلاب 1958م في العراق. إن ترسيخ الديمقراطية وإدامتها لا يتحققان بالنوايا الطيبة والشعارات الجميلة (وإن كان أصحابها صادقين)، بل تحتاج الديمقراطية إلى بناء الهياكل والمؤسسات التي تحكم عمل اللاعبين السياسيين ولا تسمح لهم بإخراج البلد عن خط الديمقراطية بقصد أو من دون قصد.
ويعد تعدد الأقطاب من أهم سمات هيكلة النظم الديمقراطية، فتعدد مراكز القوى داخل الدولة يشيع روح التنافس والمراقبة المتبادلة ويجعل من كل جهة (بحكم مصلحتها السياسية) عينا تراقب الجهات الأخرى وتشير إلى أي خطأ أو خلل في أدائها، الأمر الذي يزيد من إمكانية تشخيص الأخطاء واكتشافها ويدفع أي جهة حكومية أو غير حكومية إلى التفكير أكثر من مرة قبل اتخاذ أي قرار، فتصبح الخطوات أكثر عمقا وتأنيا ودقة. إن النظرة الشائعة نحو تعدد مراكز القوى والتي ترى فيه خطرا على استقرار البلد هي نظرة غير صحيحة حيث أن التعدد في ظل القانون يمثل أكبر ضمانة للاستقرار السياسي في النظم الديمقراطية الراسخة.
وعندما نتحدث عن تعدد الأقطاب فإننا نقصد تعددها ضمن المجتمع المدني حيث لا يصح أن تتدخل المؤسسة العسكرية كلاعب سياسي، فالعسكري يدخل إلى السياسة حاملا معه التقاليد العسكرية التي تنجح في تسيير الجيوش ولكنها لا تصلح إطلاقا للمجتمعات المدنية. وما تجارب الانقلابات العسكرية إلا دليل واضح على الطريقة التي يمكن للمؤسسة العسكرية من خلالها أن تخرب البلد إذا تجاوزت واجبها الوحيد وهو حماية الوطن من الاعتداءات الخارجية. كما ينبغي للدولة المديمقراطية أن تعمل ما بوسعها من أجل ضمان عدم تسييس المؤسسة العسكرية التي يفترض أن تكون محايدة دائما من أجل أن تبقى مستعدة لتنفيذ أوامر ممثلي الشعب المنتخبين.
إن الدول البرلمانية التي تتمتع فيها المؤسسة العسكرية بقوة أكثر من اللازم تبقى ناقصة وغير مكتملة ديمقراطيا وقابلة للتدهور نحو الاستبداد في أي لحظة، في حين أن الدول الأكثر استقرارا وحرية في العالم هي تلك التي يدير فيها المدنيون السياسة بشكل يفصل بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) فصلا واضحا ويكون التداخل بينها شبه معدوم وتكون السلطة القضائية فيها مستقلة في قراراتها بشكل حقيقي، فلا يفلت حتى رئيس الدولة من يد القضاء إن أراد محاسبته. وعلى الجانب المقابل ، نرى أن الصفة الغالبة على المجتمعات المتخلفة سياسيا هو تداخل السلطات الثلاث بل اندماجها أحيانا في شخصية القائد الملهم المغوار، الأمر الذي يطلق يد الحاكم ويجعله يتصرف بالبلد كيفما شاء من دون رقيب أو حسيب.
مرحلة تحول ديمقراطي وليس تطبيق الديمقراطية
غالب حسن الشاهبندر
كاتب عراقي
كثيراً ما يطرح سؤال عن مدى صلاحية المضامين الديمقراطية الغربية لتكون نموذجا للعراق أو غيره من دول العالم الثالث. وفي تصوري وعلى مستوى العراق يمكن القول بأن السؤال افتراضي إلى حد معقول، ذلك إننا نمر في مرحلة تحول إلى الديمقراطية وليس في مرحلة تأسيس ديمقراطي، وهناك فارق نوعي بين المعنيين، حتى نجاح تجربة مشروع صناديق الاقتراع في العراق اليوم ، هي جزء من عملية التحول هذه ، وليست هي ممارسة في سياق ديمقراطية مكتملة المعالم والشروط والظروف.
ولكن لا بأس بأن تكون هناك تساؤلات افتراضية، أو تصورات للمستقبل لتكون مدخلاً لمعالجة المستقبل ذاته.
إن التجارب الاجتماعية لا تستنسخ ولا تصدر، ولكن يمكن أن تستورد، بشرط مراعاة الظروف والسيرورات الاجتماعية، فالديمقراطية الغربية ممارسة مفتوحة على مصراعيها ، تستمد أو تتلاحم مع النظرة الغربية العامة للحياة، وهي بشكلها الظاهري تبدو وكأنها فوضى في نظر العراقي، بما في ذلك العراقي الذي يؤمن بالديمقراطية جديا، ولكن هل نسينا أن المجتمع الغربي يمر الآن في مرحلة تاريخية فريدة من نوعها، وبالتالي كيف يمكن ترحيل ديمقراطية مجتمع تتحكم فيه القيم التكنولوجية في العلم وليس العكس إلى مجتمع لم تتضح معالمه ــ زراعي ، صناعي ، ما بعد صناعي ؟
كيف يمكن ترحيل ديمقراطية مجتمع أصبحت فيه كمية المعلومات مشكلة إلى مجتمع كان محروم من نعمة الحاسوب، محروم من أبسط المعلومات التي تمس حياته الشخصية العادية ؟ نعم ، إن التجارب الاجتماعية يمكن أن تتحول إلى عوامل إلهام، ولكن ليس إلى وصفات. لذلك أعود وأقول إننا نمر في مرحلة تحول ديمقراطي وليس تطبيق ديمقراطي بالمعنى الدقيق، ومن هنا أرى ضرورة الاهتمام بهذه القضية.
Back to top
|