ألفرد ستيبان
أستاذ الدولة في جامعة كولومبيا وعميد سابق لمدرسة الشؤون العامة والدولية في نفس الجامعة. وهو عضو في الأكاديمية الأميركية للعلوم والفنون والأكاديمية البريطانية. وتشمل أبحاثه ودراساته مجالات السياسة المقارنة ونظريات التحول الديمقراطي والفيدرالية والأنظمة الدينية في العالم. والمقال مأخوذ بتصريح خاص من مجلة الديمقراطية.

يعترف معظم المنظّرين الكبار أن من الشروط الأساسية لتحقيق انتقال ناجح الى الديمقراطية هو وجود انتخابات حرة تنافسية ونزيهة من النوع الذي تناوله روبرت أ. دال في كتابه الكلاسيكي بعنوان “الحكومة المتعددة الأقطاب”. ومن بين شروط الديمقراطية، يورد دال فرصة صياغة الأفضليات وتحديدها وتقييم هذه الأفضليات تقييماً وافياً في سلوك الحكومة. وكي تتم تلبية هذه الشروط، يرى دال أنه ينبغي توفر ثمانية ضمانات مؤسسية: (1) حرية تأسيس المنظمات والانضمام اليها؛ (2) حرية التعبير؛ (3) حق التصويت؛ (4) الحق في شغل المناصب العامة؛ (5) حق القادة السياسيين في التنافس للحصول على التأييد وأصوات الناخبين؛ (6) المصادر البديلة للمعلومات؛ (7) انتخابات حرة ونزيهة؛ (8) وجود مؤسسات
تضمن اعتماد السياسات الحكومية على أصوات الناخبين وعلى أشكال التعبير عن الأفضليات.

إن هذه الضمانات الثماني التي ذكرها دال ضرورية ولكنها غير كافية للديمقراطية. إنها غير كافية لأنه مهما كانت الانتخابات حرة ونزيهة، وبصرف النظر عن حجم الأكثرية الحكومية، يتعين أيضاً أن يكون للدولة دستور ديمقراطي، بمعنى أن يحترم الحريات الأساسية ويوفر حماية كافية لحقوق الأقليات. علاوةً على ذلك، يتعين على الحكومة المنتخبة بطريقة ديمقراطية أن تحكم ضمن حدود الدستور وأن تكون مقيدة بالقانون وبمجموعة معقدة من المؤسسات الرأسية والأفقية التي تساعد في توفير المساءلة.
إذا جمعنا هذه المعايير معا، فمن الواضح أنه لا يجوز اعتبار الديمقراطية قائمة بصورة حقيقية في بلد من البلدان ما لم تتوفر فرصة إقامة مجتمع مدني متماسك وقوي يساعد على محاسبة الدولة ويولّد البدائل بصورة مستمرة. وإذا أردنا تجميع مثل هذه البدائل وتنفيذها، فإن على المجتمع السياسي، وخاصةً الأحزاب السياسية، أن تقيم علاقات مع المجتمع المدني دون قيد أو شرط.

إن الديمقراطية هي نظام لإدارة النزاعات، يفسح المجال أمام التنافس الحر حول القيم والمبادىء التي يصبو المواطنون اليها. وهذا يعني، بالمعنى الديمقراطي الدقيق، أنه طالما أنّ الجماعات لا تلجأ الى استخدام العنف ولا تنتهك حقوق المواطنين الآخرين وتظل ضمن حدود اللعبة الديمقراطية، فلها جميعها الحق في الدفاع عن مصالحها سواء في المجتمع المدني أم في المجتمع السياسي. وهذا هو البيان المؤسسي الأدنى حول ما تفرضه أو لا تفرضه السياسة الديمقراطية.

ماذا تتضمن هذه المقاربة المؤسسية عن الدين والسياسة والديمقراطية و”التسامح المتبادل”؟ وتحديداً، ما هي حدود الحرية الضرورية للحكومات المنتخبة إزاء الجماعات الدينية وما هي حدود الأفراد والجماعات الدينية إزاء الحكومات؟

بادىء ذي بدىء نقول إن المؤسسات الديمقراطية يجب أن تتمتع بحرية وضع السياسات ضمن حدود الدستور وحقوق الانسان، في الوقت نفسه لا يجوز للمؤسسات الدينية أن تتمتع دستورياً بأية امتيازات تجيز لها فرض أي أمر يتعلق بالسياسة العامة على الحكومات المنتخبة بطريقة ديمقراطية. لكن يجب أن يتمتع الأفراد والجماعات الدينية، تمشياً مع تعريفنا المؤسسي للديمقراطية، بالحرية التامة للعبادة بشكل منفرد. علاوةً على ذلك، يجب أن يكون هؤلاء الأفراد وهذه الجماعات قادرة على الدفاع عن قيمها علناً في المجتمع المدني وأن تشرف على المنظمات والحركات في المجتمع
السياسي، طالما أنّ تصرفاتها لا تترك أثراً سلبياً على حريات المواطنين الآخرين أو لا تنتهك الديمقراطية
والقانون.
هذه المقاربة المؤسسية للديمقراطية تعني بالضرورة أن ما من جماعة في المجتمع المدني- بما في ذلك الجماعات الدينية- ممنوعة سلفاً من إنشاء حزب سياسي. ولا تفرض القيود على الأحزاب السياسية إلا بعد أن يقوم الحزب بأعمال تشكل انتهاكاً للمبادىء الديمقراطية. إن تقرير ما إذا كان الحزب قد انتهك المبادىء الديمقراطية لا يعود تقديره الى الأحزب الممثلة في الحكومة بل الى المحاكم. وضمن هذا الاطار العريض من الحد الأدنى من الحرية للدولة الديمقراطية والحد الأدنى من الحرية الدينية للمواطن يمكن لسلسلة واسعة من أشكال العلاقة الخاصة بين الدولة والدين أن تلبي الحد الأدنى من تعريفنا للديمقراطية.

دعونا نفحص هذا الرأي بالانتقال الى مجموعة ثانية من الأسئلة. عملياً، ما هي الأشكال الفعلية للعلاقات بين الدين والدولة في الديمقراطيات العريقة؟ وكيف كان التسامح المتبادل بين حرية الحكومات المنتخبة بشكل ديمقراطي وحرية الهيئات الدينية في المجتمع المدني والسياسي، مطبقاً في أنظمة حكم ديمقراطية محددة؟

أوروبا الغربية والتسامح المتبادل
كي نجيب على هذه الأسئلة، لنقم بتحليل عملي حول مدى الانقسام الفعلي الحاصل بين الكنيسة والدولة في مجموعة محددة من بلدان أوروبا الغربية استوفت جميعها في العقد الماضي الضمانات المؤسسية الثماني التي تحدث عنها دال والشروط الإضافية التي أشرت اليها لقيام الديمقراطية والتي اعتمدت اجتماعياً وسياسياً “التسامح المتبادل”.

لا بد أن نشير في البداية إلى أنه اعتباراً من عام 1999 أنشأت خمسة بلدان من أصل 15 بلداً في الاتحاد الأوروبي وهي : الدانمارك، فنلندا، اليونان، السويد، المملكة المتحدة (انجلترة واسكتلندا)- كنائس خاصة بها. وتعتبر النرويج، وهي ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، بلداً ديمقراطياً أوروبياً آخر لديه كنيسة راسخة الجذور. والواقع، أنه حتى العام 1995، كانت لدى كل ديمقراطية عريقة في أوروبا تتمتع بأكثرية لوثرية قوية (السويد، الدانمارك، ايسلانده، فنلندا والنرويج) كنيستها الراسخة والسويد هي البلد الوحيد من بينها
الذي بدأ عملية الانفصال عن الكنيسة اللوثرية
.
ليست لدى هولندا كنيسة راسخة ولكن نتيجة النزاع الحامي بين الكاثوليك والكالفنيين من جهة والحكومات الليبيرالية العلمانية من جهة أخرى، حول دور الكنيسة في مجال التعليم، توصلت هولندا في عام 1917 إلى تسوية لهذه المسألة وافقت عليها الكنائس، تسمح للجماعات المحلية، إذا كانت تنتمي في أكثريتها الى مذهب ديني معين، أن تختار مدرستها الخاصة سواء أكانت مدرسة كالفينية خاصة أم مدرسة كاثوليكية خاصة، وأن تتلقى دعماً من الدولة. وفي ألمانيا والنمسا تسمح الدساتير الفيدرالية للجماعات المحلية أن تحدد دور الدين في التعليم. ورغم أنه ليس لدى ألمانيا كنيسة مستقلة، لكن هناك اعتراف بالبروتستانتية والكاثوليكية كديانتين رسميتين. ويملك المواطن الألماني، إذا أراد أن يدفع رسماً نسبته 9% من فاتورته الضريبية على شكل ضريبة كنسية، تجعله رسمياً عضواً في الكنيسة، وتجعل له حقاً تلقائياً في العماد والزواج والدفن في كنيسة طائفته.

وفي القرن العشرين، وقعت أشد حالات الخصام بين الكنيسة والدولة في أوروبا الغربية في إسبانيا في عام 1931 وفي فرنسا في عام 1905. لكن كلاً من هذين البلدين يشهد حالياً انفصالاً “وديا” بين الكنسية والدولة. والواقع، أنه منذ العام 1958، دفعت الحكومة الفرنسية جزءاً كبيراً من تكاليف نظام التعليم الابتدائي الخاص بالكنيسة الكاثوليكية. وتقريباً، ما من بلد ديمقراطي في أوروبا الغربية يشكو حالياً من انفصال حاد بين الكنيسة والدولة. وقد توصلت هذه الدول، بعد تفاوض ديمقراطي، إلى نمط من الحرية الدينية تمنع تدخل الدولة في شؤون الكنيسة. وجميع هذه البلدان لا تسمح فقط للجماعات الدينية بحرية العبادة الخاصة بل أيضاً بتكوين جماعات في المجتمع المدني والمجتمع السياسي.

إن “الدرس” المستفاد من تجربة أوروبا الغربية لا يكمن في ضرورة إقامة “جدار فاصل” بين الكنيسة والدولة بل في الوجود السياسي المستمر للتسامح المتبادل.

ومن وجهة نظر الممارسة الديمقراطية التجريبية، ينبغي إعادة النظر، جذرياً في مفهوم العلمانية أوعلى الأقل، يتعين على المحللين الجديين أن يقروا (كما يظهر بوضوح في الجدولين 2 و3 في آخر الكتاب) أن العلمانية والانفصال بين الكنيسة والدولة لا يرتبطان ارتباطاً وثيقاً وأصيلاً بالديمقراطية، بل يمكن بالفعل ربطهما ربطاً وثيقاً بالأشكال غير الديمقراطية التي تنتهك التسامح المتبادل بشكل منتظم.
والفئات في الجدولين السابقين، ليس المقصود منها أن تكون شاملة، بل أن تعكس ببساطة سلسلة الأنماط الحكومية- الدينية الديمقراطية وغير الديمقراطية. وهي تظهر أنه يمكن وجود علمانية ديمقراطية أو غير ديمقراطية، وديمقراطيات تضم كنائس راسخة، وأيضاً ديمقراطيات مع “انفصال غير ودي” بين الكنيسة والدولة. وبوسع المرء أن يورد بوضوح عدة فئات أخرى. ولكن النقطة المركزية تظل قائمة وهي أنه إذا كنا نبحث عن الخصائص المميزة للديمقراطية في مقابل الدين، فلا تشكل “العلمانية” و”الفصل بين الكنيسة والدولة” جزءاً جوهرياً من التعريف، بينما يستطيع التسامح المتبادل فعل ذلك.

المزيد من سوء التفسير
أخيرا ينبغي أن نحذرمن الافتراض بأن أي مبدأ ديني ليس له سوى معنى وحيد هو تأييد الديمقراطية أو معارضتها. لقد كانت المسيحية الغربية متعددة المعاني فيما يتعلق بالديمقراطية والتسامح المتبادل. ففي وقت ما، جيّش بعض المسبحيين المبدأ الكاثوليكي لمعارضة الليبيرالية والدولة - الوطن ومفهومي التسامح والديمقراطية. وباسم الكاثوليكية ارتكبت محاكم التفتيش انتهاكات جسيمة ضد حقوق الانسان. ولم يكن لدى جينيف جون كالفن متسع للمواطنية الشاملة أو أي شكل آخر من أشكال الديمقراطية التمثيلية. ولأكثر من 300 سنة، قبلت اللوثرية، خاصةً في شمال ألمانيا سيطرة الدولة ، لاهوتياً وسياسياً، على الدين.

وبالتالي نستخلص من هذه الحالات التاريخية، أته كانت هناك الكثير من العقبات التي وضعتها الكاثوليكية واللوثرية أو الكالفينية أمام الديمقراطية بسبب مبادئها المناهضة للديمقراطية وممارساتها اللاديمقراطية. لكن بالطبع، فيما بعد وجد ناشطون روحيون وسياسيون من جميع هذه الفئات عناصر في دياناتهم تساعدهم في صوغ ممارسات جديدة داعمة للتسامح والديمقراطية.
وفي العديد من البلدان التي أضحت اليوم ديمقراطيات راسخة، سواء في الغرب أو غيره، دار النزاع الرئيسي لفترة طويلة، تحديداً، حول منزلة الدين في نظام الحكم. وفي معظم هذه الحالات، لم يجرِ احتواء هذا النزاع السياسي أو تحييده إلا بعد جدال عام ومفاوضات طويلة كان الدين فيها البند الطاغي في الأجندة السياسية.

.

Back to top