جيف بهارجافا
أستاذ النظرية السياسية والفكر السياسي الهندي في جامعة نيو دلهي. وهو أيضا
خبير في شؤون دراسات العلمانية والتنوع الثقافي .والديمقراطية. والمقال
مأخوذ عن مجلة “الديمقراطية المفتوحة” وهي مجلة عالمية على الانترنيت،
تعني بشؤون السياسة والثقافة.
إن حقيقة “تعدد الثقافات” قد وجدت في الهند منذ آلاف السنين. لكن “التعدد
الثقافي” هو شيء مختلف: إنه نوع خاص من العلاقات التي تتبناها الدولة تجاه
الكيانات الثقافية التي تقع ضمن نطاق سيادتها.
يقول ويل كيمليكا، أحد أشهر الباحثين في هذا المجال، إن التعددية الثقافية،
كتجربة رائدة، بدأت في كندا في عام 1971، وتم تبنيها في بلدان أخرى مثل
أستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا. إنه محق من ناحية واحدة: كنظرية
ومذهب رسمي.
هناك سببان يدفعان على الاعتقاد بصحة بهذا الرأي. أولاً، كانت كندا دولة
متعددة القوميات تتميز برفض إقليم كويبك الناطق بالفرنسية للاندماج مع جيرانه
الناطقين بالانكليزية على غرار نموذج الولايات المتحدة. ثانياً. كانت كندا
– ولا تزال - مثلها كمثل الولايات المتحدة بلداً من المهاجرين.
لقد جاهدت الحكومات الكندية لتفادي تقسيم بلادها ، وبسبب عدم قدرتها على
دفع القادمين الجدد
للاندماج في قومية قوية على الطريقة الأميركية تبنت سياسة تعترف بحق جميع
مواطنيها بطلب هويات مختلفة. لذلك كانت وحدة البلد معتمدة على منح الحق
الدستوري بالاختلاف لكلا الشعبين ضمن إطار دولته القومية الخاصة. لقد بنيت
عقيدة التعددية الثقافية على هذه التجربة الاجتماعية والدستورية، التي تنظر
إليها كندا ونظراؤها الغربيون كنموذج فريد.
تشكلت كندا، مثلها مثل الولايات المتحدة وأستراليا، من المهاجرين، وجرى
تفهم الهجرة كحقيقة دائمة للحياة. في حين أن معظم البلدان الأخرى على العكس
منها تعاملت معها كاستثناء.
لكن الهجرة قد أصبحت بالتدريج حقيقة حياتية دائمة في كل مكان، فلم تعد
أمراً استثنائيا وإشكاليا يصعب تحمله. فالاختلال الكبير في توزيع الثروة
والسكان على الصعيد العالمي، بالإضافة إلى تكنولوجيا التنقل العالمي، جعل
من الهجرة الجماعية أمراً طبيعياً.
إن تمدّن الجنس البشري يتسارع، ومئات الملايين من البشر ينتقلون من المناطق
الريفية نحو المدن، والعديد من هذه الرحلات تقود الناس للانتقال والاستقرار
خارج حدودهم القومية. وفي كل بلد تقريباً تغدو الأقليات والمشتتين - الذين
أصبحوا في أغلب الأحيان أكثر وعياً وارتباطاً بفضل تكنولوجيا المعلومات
- مكوناً طبيعياً من السكان. ويبدو أن لا شيء يستطيع إيقاف عملية “تدفق
البشر”.
هذا يبرز المعنى الذي يخطئ فيه ويل كيمليكا حين يعتبر كندا موطن التعددية
الثقافية. لأن هذه التعددية الثقافية - كسياسة رسمية وتوجه طبيعي عريض معتمد
على التجربة الاجتماعية - تعود إلى تاريخ أقدم ؛ اذ كانت سمةً مميزةً للنقاش
العام في الهند لأكثر من قرن من الزمن. فى الهند نجد سياسة تعددية الثقافةً
لا نظيرلها.
فما الذي يمكن تعلمه منها؟
:العلمانية الدستورية في الهند
منذ عام 1950، عندما تم تبني الدستور المطول للهند، طال النقاش الرسمي والدستوري
كل القضايا والحجج المتولدة عن المجتمع المتنوع المتعدد الأطياف. حيث
شملت الحقوق الثقافية وإقامة المؤسسات التعليمية للأقليات والحقوق الثقافية
للسكان الأصليين والحقوق التشريعية و حق الحكم الذاتي للمجموعات الثقافية
المتباينة والفيدرالية اللامتناظرة والتعددية القانونية والعمل المعبر
عن وجود المجموعات المهمشة.
من جهة أخرى، شكلت العديد من الهموم جزءا من السياسة الرسمية للدولة مثل:
العطل الرسمية التي تم الاعتراف بها رسمياً للأقليات الدينية، مرونة الزي
الرسمي، حساسية التاريخ والأدب المدرَّس بالنسبة لثقافات وتقاليد الأقليات
والتمويل الحكومي للطقوس الدينية المهمة بشكل خاص.
لكن ربما يكون الدرس الأكثر أهمية الذي تقدمه الهند في النقاش والسياسات
المتعلقة بالتعددية الثقافية هو الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم آخر
للعلمانية وإصلاحه. لقد أصبح هذا المصطلح، غير الهندي بالأصل، جزء من المفردات
اليومية في السياسة الهندية والمجتمع اليوم بطريقة تمكن الآخرين من اعتناقه.
يجب ألا يكون دخول العلمانية في نقاشات التعددية الثقافية مفاجئاً. فالعلمانية
تعرّف نفسها في العلاقة مع الأديان . وبشكل دائم وفي كل مكان تبقي الثقافات
والأديان متشابكة بعمق، حتى عندما يكون من المفهوم انفصالهما نظرياً. وهذا
ما يجعل رسم الحدود الدقيقة بين الدين والثقافة أمراً صعباً للغاية. فهل
الحجاب بالنسبة للمسلمين قضية ثقافية أم دينية؟ وهل الزواج بين المسلمين
أمر ثقافي أم ديني؟ وهل هوية الهندوس واليهود مسألة ثقافية أم دينية؟
أن تفكر في التعددية الثقافية فهذا يعني أن تتواجه (شعبياً، وبشكل مأزوم
غالباً) مع وجود أديان متعددة، الشيء الذي يشكل سمة جوهرية للواقع الاجتماعي
في شبه القارة (الهند). وطالما أن العلمانية تعرّف نفسها في العلاقة مع
الأديان فعليها أن تنظر إلى نفسها في العلاقة مع تعدد الأديان أيضاً. بهذا
الشكل أساساً يعمل مصطلح العلمانية في شبه القارة (عندما يسمح له فعلاً
أن يقوم بأي شيء على الإطلاق)
:مزايا النموذج الهندي
هناك ست مزايا للنموذج الهندي لافتة للنظر ومطروحة للنقاش العام:
أولاً: إن تعدد الأديان ليست إضافات أتت بعد تفكير لكنها موجودة منذ البداية،
كجزء من تركيبة الهند.
ثانياً: النموذج الهندي ليس متعارضاّ تماماً مع السمة العامة للأديان.
وعلى الرغم من أن الدولة لا تُعرف بدين محدد أو بالدين بشكل عام، إلا أن
هناك اعتراف رسمي وبالتالي عام بوجود الطوائف الدينية.
ثالثاً: إنه التزامٌ بالقيم المتعددة للحرية والمساواة يجب ألا تفكر بشكل
ضيق بل تعبر بأوسع ما يمكن عن استقلالية الطوائف الدينية وتساويها في المنزلة
في المجتمع، بالإضافة إلى القيم الأساسية الأخرى مثل السلام والتسامح بين
الطوائف. هذا النموذج شديد الحساسية لإمكانية إجازة العنف داخل الأديان.
رابعاً: لا يقيم هذا النموذج جداراً فاصلاً بين الدولة والدين. هناك حدود
بالطبع لكنها ليست صماء عازلة. وهذا يسمح للدولة بالتدخل في الأديان، لتساعدها
أو تكبحها. كما ينطوي أيضاً على عدة أدوار: تقديم المساعدة للمؤسسات التعليمية
الخاصة بالطوائف الدينية على أساس من المساواة، أو التدخل في المؤسسات الدينية
الاجتماعية التي ترفض احترام الكرامة والشخصية المتساوية لأعضاء دينها أو
الأديان الأخرى (على سبيل المثال، حظر ظاهرة المنبوذين وفرض السماح لأي
شخص بغض النظر عن طبقته بالدخول إلى المعابد الهندوسية، والإمكانية الفعلية
لتصحيح التفاوتات من حيث الجنس)، وعلى قاعدةٍ من الفهم شديد الحساسية للاهتمام
والاحترام المتساوي لكل الأفراد والجماعات.
باختصار، تقيم الدولة الفصل لا بقصد الإقصاء أو الحيادية الصارمين بل بالأحرى
لإقامة، ما يمكن تسميته “المسافة المبدئية”.
خامساً: يظهر هذا النموذج أننا لا نختار بين العداء الفعال وبين اللامبالاة
المنفعلة، أو بين العدائية التي لا تحترم أحداً وبين اللامبالاة. يمكن أن
يكون لدينا عدائية ضرورية في الوقت الذي يتواجد فيه الاحترام الفعال: قد
تتدخل الدولة لتمنع بعض الممارسات، تماماً كما يمكنها أن تظهر احتراماً
للطائفة الدينية ويمكنها القيام بذلك من خلال تقديم الدعم العلني لها في
بعض الأحيان.
سادساً: سمحت العلمانية الدستورية الهندية - من خلال عدم تثبيتها لالتزامها
الخاص منذ البداية بالقيم الفردية أو الجماعية أو رسم الحدود الصارمة بين
العام والخاص - باتخاذ القرارات بديناميكية عالية وبإتباع سياسة ديمقراطية،
وإن يكن ضمن عدة قيود مثل نبذ العنف وحماية حقوق الإنسان الأساسية، بما
فيها عدم حرمانه من حقوقه الأساسية.
درس في الديمقراطية:
هذا الالتزام بالقيم المتعددة والمسافة المبدئية يعني أن الدولة تحاول الموازنة
بين قيم مختلفة ومتداخلة لكنها متساوية. فعلى الدولة أن تحافظ على مسافة
ما بين جميع المؤسسات الدينية العامة والخاصة، وعليها أن توفق بين مؤسسات
قد تكون متعارضة أحيانا في توجهاتها ومعتقداتها الدينية.
إن العلمانية الهندية لم تسقط كاملة التكوين من السماء، فهي تعلمت منها
جزئياً، وبنت عليه.
لكن قد يعترض قائل: انظر إلى شبه القارة تلك! انظر إلى الهند! فما تزال
شديدة الانقسام! فكيف إذن يمكن ادعاء النجاح للشكل الهندي من العلمانية؟
في الحقيقة، أنا لا أرغب أن أبخس من قدر هذه الاعتراضات. لكن المثالية العلمانية
في الهند تمر بأزمة دورية وتدور حولها نقاشات عميقة. بالإضافة إلى أنها
- في أفضل حالاتها - تولد من المشاكل بقدر ما تحل. لكن يجب ألا ننسى أيضاً
أن الدولة العلمانية في الهند بقيت قائمة بالرغم من المذابح وتهجير الملايين
من الناس على أرضيات عرقية ودينية، وقد استمرت في سياق متواصل بينما بقيت
القومية العرقية هي المهيمنة في كل أنحاء العالم ، وفي حين تطالب الثقافات
الدينية المختلفة بمواقعها في المجتمعات في أي مكان من هذا العالم فإن التطوير
الهندي للعلمانية هو الذي قدم الطريقة الأكثر سلماً وحساسية للحرية والديمقراطية.
هناك نقطة أخيرة. شهدت الهند في أيار من عام 2004 انتخابات ألغت الدولة
فيها “الحق الهندوسي” بشكل ديمقراطي. يعود الفضل في ذلك، على الأقل، للدستور
العلماني الذي ساعد في تحويل نظام الطوائف المغلقة من نظام مقدس إلى تشكيل
سياسي مرتبط بالمصالح العلمانية. وحيث ناضلت “الطبقة الدنيا” للحصول على
حصتها من السلطة والثروة والكرامة، أحبط الاحتكاك المتولد في هذا الصراع
الطموحات الكبيرة للمجموعة الدينية المهيمنة.
.