تُعتبر حقوق الإنسان الركن الأهم في الممارسة الديمقراطية الحقيقية إذ لا يمكن بدونها أن يوجد نظام ديمقراطي حقيقي . ويشير مفهوم حقوق الإنسان إلى مجموعة الحقوق العامة التي يتمتع بها الأفراد على قدم المساواة لمجرد كونهم بشرا ينتمون إلى مجتمع إنساني ما. ورغم ان حقوق الإنسان كمفهوم قانوني واضح ومتماسك لم يظهر إلا بعد الحرب العالمية الثانية، فان بعض هذه الحقوق وجدت طريقها إلى الشرائع القانونية منذ القدم بدءاً بشريعة حمورابي التي حمت ذوات الأفراد وممتلكاتهم من الاعتداء مروراً بالقوانين الإغريقية والرومانية والإسلامية التي أكدت على هذه الحماية وطورتها, وصولاً إلى المساهمات الغربية منذ عصر التنوير التي وسّعت هذا المفهوم وأصلّت تطبيقاته القانونية.

يُعتبر المفكر السياسي الانكليزي جون لوك أول من استخدم مصطلح حقوق الإنسان في إحدى مؤلفاته في عام 1690 واعتبره حجر الزاوية في قيام أي نظام اجتماعي عادل. قصد لوك بمصطلح حقوق الإنسان مجموعة الحقوق الطبيعية التي يتمتع بها أفراد أي مجتمع إنساني كحق التملك والعمل والاعتقاد والمصلحة الذاتية. يعتقد لوك أن هذه الحقوق إذ تُركت من دون تنظيم قانوني لها عن طريق حكومة تحترمها، فإنها ستؤدي إلى تنافس أفراد المجتمع وصراعهم مع بعضهم الأخر على نحو يقود المجتمع إلى الفوضى والدمار. من هنا يؤكد على أن مرد الحاجة لوجود حكومة أصلا هي الحاجة إلى وجود جهة شرعية قادرة على حل نزاعات الأفراد عند تصادم حقوقهم الطبيعية مع بعضهم الآخر لتأمين تمتعهم بهذه الحقوق على نحو لا يؤدي إلى إلحاق ضرر بالمجتمع ككل. بهذا المعنى تصبح حقوق الإنسان والقدرة على تنظيمها والحفاظ عليها معياراً لشرعية الحكومة وأحقيتها في الحكم كما يذهب إلى ذلك لوك .

منذ ذلك الحين اخذ مفهوم حقوق الإنسان يشهد إضافات وتوضيحات لعل أهمها تلك التي جاءت بها الثورة الفرنسية في عام 1789 من خلال مبادئها الثلاثة المشهورة “العدل والإخاء والمساواة” والتي اعتبرتها الثورة حقوقاً أساسية لكل أفراد المجتمع الإنساني، وقبل ذلك كانت مساهمة الثورة الأميركية التي- علاوة على تبنيها مبادئ المساواة وحرية التعبير والاعتقاد - أكدت على حق الأفراد في صنع سعادتهم الفردية. على امتداد القرن التاسع عشر حوت كثير من الدساتير الأوروبية فقرات تتعلق بحقوق الإنسان وضرورة حمايتها. لكن قد يكون لعام 1948 أهمية خاصة بالنسبة لمفهوم حقوق الإنسان ففي هذا العام انتقل هذا المفهوم رسمياً من النطاق الداخلي للدول إلى النطاق العالمي الأوسع من خلال تبني الأمم المتحدة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي حول هذه الحقوق إلى شأن دولي قانوني تضطلع به الأمم المتحدة وتستطيع من خلاله مطالبة الدول الأعضاء بالتزامات معينة باتجاه تبني حقوق الإنسان وتطبيقها. جاء تبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد جهد طويل وشاق استمر عاماً ونصف من المداولات ونحو مائة اجتماع قبل صياغة الإعلان على النحو الذي نراه اليوم. هذا الإعلان- الذي استمد العديد من نصوصه من الدساتير الأميركية والفرنسية والانكليزية - ينص في مادته الأولى على أن “ الناس يخلقون أحرارا ومتساوين في الحقوق والكرامة الإنسانية” ويؤكد في مواده الأخرى على حقهم بالتمتع بحقوق كثيرة تحميهم من الاضطهاد والتمييز والمرض والفقر والتشرد.
على نحو عام يمكن تقسيم حقوق الإنسان إلى ثلاثة أنواع مختلفة:
أولا- الحقوق المدنية والسياسية. وتشمل الحقوق المدنية عادةً حق الناس فىالأمور التالية:

أ- المساواة.
ب- الحرية.
ج- مزاولة المعتقدات الدينية الخاصة بهم .
د- عدم التعرض إلى الاعتداء أو التعذيب
ه- عدم الاحتجاز دون أمر قضائي.
و- عدم التعرض للقتل.
ز- الخضوع لمحاكمة عادلة.

ثانيا - أما الحقوق السياسية فتشمل الحقوق التالية:

أ- التصويت.
ب- حرية التعبير.
ج-الحصول على المعلومات.
د- المشاركة في الاجتماعات والتجمعات بحرية.
ه- الانضمام للأحزاب السياسية والنقابات أو أي منظمات أخرى.

ثالثا- الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. تشير هذه الحقوق إلى الكيفية التي يعيش فيها الناس ويعملون سويا ، إضافة إلى توفير المتطلبات الأساسية للحياة مثل الغذاء والمأوى والعناية الصحية . تمنح هذه الحقوق الناس فرصة المشاركة في النشاطات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. تشمل بعض أمثلة الحقوق الاجتماعية :
1-عدم التمييز بين الناس على أساس العرق أو الدين أو الجنس.
ب- الحق فى الزواج وتكوين عائلة.
ج- عدم التدخل فى خصوصيات الأفراد.
د- الحق فى التعليم.
ه- الحق فى العناية الصحية.
أما أمثلة الحقوق الاقتصادية فتشمل:
أ- الحق فى العمل.
ب- الحق فى السكن.
ج- الحق فى التمتع بمستوى معيشي مقبول.
د- الحق فى التمتع براتب تقاعدي في حالة كبر السن أو العجز.

رابعا - الحقوق البيئية والتنموية. تشير الحقوق البيئية إلى حقوق الناس في العيش في بيئة نظيفة وخالية من التلوث وغير معرضة إلى خطر التدمير. أما الحقوق التنموية فتشير إلى حقوق الناس في تحسين فرصهم السياسية أو الاقتصادية أو إلى حق مجموعة معينة من الناس في الحفاظ على ثقافتها الخاصة بها.
يتفق كثير من القانونيين والعاملين في مجال حقوق الإنسان على ضرورة حماية حقوق الإنسان من خلال إصدار شريعة حقوق (Bill of rights) قانونية تحدد ماهية حقوق الإنسان المقصودة وتعمل إلى جانب الدستور على ترسيخ مبادئها في الحياة السياسية للبلد. تمتلك البلدان ذات الإرث الديمقراطي كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وسويسرا شرائع من هذا النوع وتحدد كل منها بالضبط نوعية حقوق الإنسان التي من حق مواطني الدولة التمتع بها على نحو متساوٍ وغير مشروط. ففي بعض الدول تحتوي شريعة الحقوق على الحقوق السياسية والمدنية فقط فيما يحتوي بعضها الأخر على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية علاوة على البيئية والتنموية أيضا. في العراق اصدر مجلس الحكم الانتقالي شريعة حقوق إلى جانب قانون الدولة الداخلي في مارس آذار عام 2004 في حين لا توجد شرائع من هذا النوع في الدول العربية الأخرى.

كما أن حقوق الإنسان لم تعد شأناً سيادياً يمكن لدولة ما أن تختبئ خلفه لتبرر خرق حقوق مواطنيها من دون تدخل منظمات دولية أو دول أخرى لانتقاد أو منع الدولة المعنية من ارتكاب هذه الخروقات إذا أمكن. فمثلاً تدخلت الأمم المتحدة ودول الناتو لإيقاف التطهير العرقي في البوسنة باعتباره خرقاً سافراً لحقوق الإنسان.

.

Back to top