جون ماك غاري
أستاذ الأبحاث الوطنية والديمقراطية في جامعة كوينز بكندا، وهو متخصص في شؤون الاتحادات الفيدرالية.
والمقال مأخوذ عن مجلة الفيدراليات التي يصدرها منتدى الفيدراليات http://www.forumfed.org

ثمة معارضة واسعة للفيدرالية المتعددة القوميات (أو الاثنيات) ترجع للاقتناع بعدم نجاحها. ومنشأ هذا الاعتقاد هو أنّ منح الحكم الذاتي لجماعات معينة قد يشجع بعض القوى على الانفصال مما يتسبب في تفتت الدولة أو سقوطها.

إن هذه النظرة شائعة جداً لأنّ هناك على ما يبدو أدلة ثابتة تؤيدها. ويشير منتقدو الفيدرالية المتعددة القوميات، بوجه خاص، إلى التجربة التي مرت بها أوروبا الشرقية في مرحلة ما بعد الشيوعية، حيث أنّ جميع البلدان الشيوعية المنفردة في أوروبا الشرقية ظلت متماسكة بعد عام 1989، في حين تفككت جميع الاتحادات الفيدرالية المتعددة القوميات (الاتحاد السوفياتي، يوغوسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا). كما أنّ الاتحادات الفيدرالية شهدت تحولات أعنف مما عرفته الدول المنفردة.

وقبل هذا، شهدت الاتحادات الفيدرالية المتعددة القوميات التي نشأت في أعقاب تفكيك الاستعمار مصيرا مماثلا. فقد تفككت هذه الاتحادات في منطقة الكاريبي (اتحاد الأنديز الغربية)؛ وفي شرق أفريقيا (اتحاد شرق أفريقيا وأثيوبيا)؛ وفي أفريقيا الجنوبية (روديسيا الشمالية والجنوبية ونياسالاند)؛ وفي آسيا (باكستان، الاتحاد الماليزي). صحيح أنّ الاتحاد النيجيري استطاع أن يصمد، ولكن هذا لم يتم إلا بعد حرب أهلية شرسة وسنوات طويلة من الديكتاتورية العسكرية
.
يصعب القول، في ظل هذه الشواهد، إن الفيدرالية هي برد وسلام للدول المتعددة الإثنيات والقوميات. ويبدو من الواضح أيضاً أنّ منح الجماعات القومية كيانات فيدرالية خاصة بها يوفّر لها موارد تستطيع استخدامها للقيام بحركات انفصالية، إذا شاءت.
لكن، هل يمكن الاستخلاص من ذلك، كما يرى بعض المنتقدين، أنّ الفيدرالية المتعددة القوميات لن يُكتب لها النجاح، بأي حال من الأحوال؟
ببساطة نقول إن الجواب هو: كلا
.
المنتقدون يشيرون إلى أدلة على الفشل ولكن هناك أيضاً نجاحات هامة قد تحققت. فإثنتان من أعرق الدول الفيدرالية في العالم، ونعني بهما كندا وسويسرا، قد منحتا بالفعل حكماً ذاتياً للجماعات الاثنية، أو اللغوية أو القومية الرئيسية فيهما. ومنذ عهد قريب، أعادت بلجيكا تنظيم نفسها كفيدرالية إثنية، كما أنّ أسبانيا اتخذت عدة خطوات باتجاه الفيدرالية المتعددة الإثنيات. والملاحظة الأبرز أنّ الهند، تلك الديمقراطية الأنجح في مرحلة ما بعد الاستعمار، والبلد الأكبر في العالم، هي أيضاً دولة “فيدرالية إثنية”.

ليست فيدرالية بالمعنى الحقيقي
مما يدعو للعجب، أنّ منتقدي الفيدرالية المتعددة القوميات يفشلون عادةً في أن يلاحظوا أنّ الفيدراليات غير الناجحة - ومن بينها تجارب الاتحاد السوفياتي وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا ونيجيريا- كانت في الواقع فيدراليات مزيفة أو مزعومة. ففي حالات عدة قامت هذه الفيدراليات على أساس القوة. وغالباً ما كانت دولاً مغرقة في المركزية. لقد افتقرت هذه الدول إلى الديمقراطية. وهذه الحقيقة الأخيرة وحدها تعني أن حكوماتها لم تكن تمثل سكانها وأنه لم تكن هناك أية إمكانية للحوار أو التعاون بين جماعاتها الوطنية المختلفة. ولا عجب أن تلجأ الأقليات فيها إلى الانفصال عندما تحين الفرصة.
الأمر الآخر أن جميع الفيدراليات الشيوعية وفيدراليات ما بعد مرحلة الاستعمار التي تفككت كانت ضعيفة اقتصادياً. وبسبب ما عانته هذه الفيدراليات من فساد أو بسبب الثغرات في التخطيط الاقتصادي المركزي، عجزت عن توفير مستوى معقول من المعيشة للسكان.

إنّ منتقدي الفيدرالية المتعددة الاثنيات يمكن أن يمتلكوا حجة أقوى إذا استطاعوا أن يثبتوا أنّ أياً من الاخفاقات الفيدرالية كان بالإمكان معالجتها ديمقراطياً كبلدان منفردة. لكنّ الأدلة التي تدعم هذا الرأي قليلة. وحتى زعيم الثورة الاشتراكية في روسيا فلاديمير لينين الذي عارض بشدة مبدأ الفيدرالية المتعددة القوميات، أدرك أنّ القبول بها هو السبيل الوحيد للحفاظ على تماسك الاتحاد السوفياتي. كذلك، كان الزعيم اليوغسلافي جوزيف تيتو مضطراً إلى تبني الفيدرالية في يوغوسلافيا رغم عدم تحبيذه لها.
ومع أنه لم تتفتت سوى الدول الاتحادية في أوروبا الشرقية الشيوعية، فإن هذا يخفي الحقيقة الأساسية الأبرز ألا وهي أنّ هذه الدول كانت أيضاً أكثر الدول تنوعاً من حيث التركيبة القومية. وهذا يفسر لمَ كانت هذه الدول دولاً فيدرالية. ومن المنطقي، على الأقل، القول إنّ عدم استقرار هذه الفيدراليات نتج من تنوع تركيبتها المؤسسية الفيدرالية-الاثنية.
مجموعة رئيسية واحدة
بكلام آخر، افتقرت جميع الفيديراليات الفاشلة إلى وجود جماعة إثنية مهيمنة تشكل أكثرية ساحقة بين سكان الدولة الفيدرالية. ولو توفر هذا الشيء لساعد في تماسك الدولة الفيدرالية إبان الأزمات.
وحقيقة أنّ الولايات المتحدة قد قامت على أساس فئة مسيطرة من البروتستانت الأنجلو- ساكسون البيض تشرح لنا سبب استقرارها أكثر من نيجيريا التي تفتقر إلى وجود فئة مهيمنة بوضوح. والمقارنة عينها تساعد في شرح سبب استقرار الاتحاد الفيدرالي الروسي أكثر من الاتحاد السوفياتي. فالروس يشكلون نسبة 81،5% في الاتحاد الفيدرالي الروسي بينما لم يكونوا يشكلون سوى 51% من الاتحاد السوفياتي السابق.

وهذه الصفات مجتمعة تظهر أنّ الفيدرالية المتعددة القوميات ليست محكومة بالفشل، ولكن ثمة شروط معينة تجعل نجاحها أكثر احتمالاً.
فعلى سبيل المثال، إنّ نجاح الدولة الفيدرالية يصبح أكثر احتمالاً إذا كانت هناك جماعة إثنية مهيمنة في هذه الدولة، لأنّ وجود مثل هذه الأكثرية يخلق القوة على مواجهة الانفصال. كما أنّ وجود مثل هذه الفئة يجعلها تشعر أنها تمتلك أسباب الاستقرار الكافية التي تمكنها من تقديم تنازلات للفئات الأخرى. إنّ الدولة الفيدرالية المتعددة القوميات التي تفتقر إلى وجود جماعة قوية واحدة لا تكون مستقرة على الأرجح، إذ إنّ الجماعات الأخرى فيها ربما تعتقد أنها قادرة على السيطرة.

اقتسام السلطة عند المركز
يوجد شرط رئيسي آخر لنجاح الفيدرالية هو أن تتمثل كافة الفئات في الحكومة المركزية. وعادةً ما يدافع أنصار الفيدرالية المتعددة الإثنيات عنها كوسيلة لإعطاء الاستقلال الذاتي إلى جماعات مميزة.

ويُقال أحياناً إن من فضائل الفيدرالية أنها تسمح للفئات البعيدة عن المركز أن تعزي نفسها بحصولها على سلطات مناطقية. إن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أن الفيدرالية هي “اقتسام الحكم” و”الحكم الذاتي” في آن واحد، وأن جميع الكيانات الفيدرالية تعطي صلاحيات واسعة للحكومات الفيدرالية، لأن الجماعة التي تجد نفسها خارج الحكومة الفيدرالية تكون لها حصة أقل في الاتحاد الفيدرالي ولديها دافع أكبر للانفصال. وتدل التجارب الفيدرالية الناجحة على أن ممارسات اقتسام السلطة على المستوى الفيدرالي هي أمر حاسم، كما تدل التجارب الفيدرالية الفاشلة على أن اقتسام السلطة لم يكن موجوداً.
الديمقراطية وحكم القانون والخيار الحر
إنّ الاتحادات الفيدرالية الديمقراطية الأصيلة مرشحة للنجاح أكثر من الاتحادات الفيدرالية الزائفة. فالاتحاد الفيدرالي الأصيل يسمح لممثلي جماعاته الوطنية بالمشاركة في الحوار والتباحث بشأن مصالحهم وتظلماتهم ومطامحهم. إنّ وجود حوار كهذا يعتبر شرطاً مسبقاً لتطوير الممارسات التعاونية.

كذلك، يقوم الاتحاد الفيدرالي الديمقراطي الأصيل، على حكم القانون، أي على الاقتسام الدستوري للصلاحيات واحترام حقوق الأقليات. أما الفيدراليات التي أدركها الفشل، فكانت في أحسن الأحوال تحاول اللحاق بركب الديمقراطية ولم تكن أبداً ديمقراطيات قائمة وراسخة.

إنّ الفيدرالية التي تقوم طوعاً يرجَّح أن تعمّر أكثر من الفيدراليات القائمة على الإكراه. لأن الفيدراليات القائمة طوعاً نتيجة التفاوض بين قادة مختلف الفئات هي أقرب إلى أن تعتبر شرعية في نظر المواطنين من الفيدراليات المفروضة فرضاً. كما أنها أكثر ميلاً إلى دعم تقاليد التوافق.
إنّ الفيدراليات الناجحة، مثل كندا وبلجيكا، نشأت نتيجة الاتفاقيات الطوعية، بينما قامت معظم
الفيدراليات الفاشلة من دون موافقة من كافة جماعاتها المحلية.
وتعتبر الفيدراليات المزدهرة أقرب إلى أن تنعم بمستقبل زاهر، من تلك التي تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة. ومعه أنه لا ينبغي أن نبالغ في أهمية العوامل الاقتصادية عندما تكون مسائل الهوية في خطر، غير أنّ محنة الفيدراليات الشيوعية الفاشلة والفيدراليات ما بعد مرحلة الاستعمار تفاقمت بسبب العجز عن تلبية الحاجات المادية للمواطنين.
دروس للعراق وللآخرين
ماذا يمكن لهذا الأمر أن يعني بالنسبة للعراق حيث يدور حالياً نقاش مكثف حول قيمة الفيدرالية المتعددة القوميات؟
إنّ الأمر الذي يعمل في صالح العراق هو الوعد بالازدهار الذي يأتي من ثرواته النفطية الهائلة، فمن الأسهل دائماً تقاسم الثروة من تقاسم الفقر. غير أنّ إدارة هذه الثروة يجب أن تكون إدارة حكيمة وأن يجري توزيعها توزيعاً عادلاً بخلاف ما حدث في نيجيريا. وهذا يمكن تحقيقه من خلال برامج المساواة العادلة بين مختلف المناطق العراقية.

إن قيام عراق فيدرالي سيكون مستقراً على الأرجح إذا لجأ العرب الذين يشكلون نحو 80% من سكان العراق إلى تشكيل أكثرية وطنية متماسكة. وفي حال انقسام العرب، على أساس شيعي - سني، فإنّ قيام اتحاد عراقي فيدرالي يظل أمراً ممكناً إذا نجح في إرساء ممارسات قوية لاقتسام السلطة بين الجماعات الكردية والعربية ضمن الحكومة الفيدرالية، بما في ذلك القضاء والأدارة المدنية والجيش والشرطة. وستعزز فرص النجاح اذا نشأ الاتحاد بدافع داخلي جراء اتفاق يجري التوصل اليه بين قادة جميع هذه الفئات.

.

Back to top