جيم بوليو
خبير في شؤون إدارة الحكم والإدارة العامة، ونائب سابق لوزير الشؤون الحضرية في مقاطعة مانيتوبا الكندية. عاد مؤخراً من مهمة امتدت ثلاثة شهور لدى مجالس المقاطعات والمجالس المحلية في النجف، بالعراق.

يبلغ سكان العراق نحو 27 مليون شخص، توجد بينهم فروقات لغوية، ويتوزعون إلى طوائف وقوميات وأديان وولاءات قبلية وتوزيع غير عادل للثروة. وقد أدى استخدام القوة والتخويف إلى الحفاظ على هذا التنوع. كانت السلطة السياسية والعسكرية والاقتصادية محصورة في شخص واحد هو صدام حسين وفي حزب البعث الذي يعمل في خدمته. وهذا الجمع للسلطات كان موافقاً لحاجات ديكتاتور أراد أن يسيطر على الشعب العراقي لا أن يخدمه.

كان التنوع بين السكان مقبولاً، بل ومستغلاً ولكن قلما كان محموداً في نظر النظام السابق. أما التنوع في العمل السياسي فلم يكن مقبولاً بل كان يواجه بعقوبة صارمة. لقد منع صدام حسين المشاركة في السلطة السياسية لأنها تشكل تهديداً لقبضته المركزية.

السيطرة على الثروة
كانت السيطرة على ثروات البلاد آلية قوية لإحكام القبضة عليها. وفي الماضي القريب، كانت نحو 90% من جميع النفقات العامة في العراق تموّل من عائدات النفط الوطنية. وكان التحكم بهذه العائدات في يد بغداد توزعها على المناطق (المحافظات) عبر الوزارات الوطنية. وكان هذا أشبه بنظام مركزي للتوزيع ولكن جميع القرارات كانت تتخذ في العاصمة. وهذه القرارات كانت تعكس أولويات وتأثير المشاركين في صنعها في بغداد، باستثناء مندوبي بعض المناطق الذين كانوا ينجحون في التأثير في هذه القرارات.

لقد ساهم حصر السلطة في بغداد في فتح الباب أمام الفساد ليشمل العراق كله، دونما مسؤولية أمام قيادات المناطق أو المواطنين في أي من المحافظات.

لذلك يشجع الكثيرون تطبيق الفيدرالية في عراق المستقبل باعتبارها سبيلا ديمقراطيا لاقتسام السلطة ومنع عودة أية سلطة ديكتاتورية. وتحديداً، فإنّ وجود دستور فيدرالي مع وجود ضوابط مناسبة تحكم تصرفات كل من يمارس السلطة يعتبر تلبية لحاجات العراق الديمقراطية في المستقبل. إنّ تقاسم السلطة بحماية دستور في دولة فيدرالية من شأنه أن يخدم الشعب تماماً. ومما لا شك فيه أن وجود نظام رئاسي قوي يُنظر إليه على أنه جزء من الحل.

ضوابط الرئاسة
إنّ خيار وجود نظام مركزي وفيدرالي رئاسي له حسناته. فالعراق بحاجة الى حكومة مركزية قوية تستعيد القانون والنظام وتدير العائدات النفطية الوطنية وتقدّم الخدمات للمواطنين كالصحة والتعليم والنقل وتحافظ على وجود دولة موحدة. لقد حافظ صدام على كل هذه الأهداف الوطنية مع أنّ المصالح العليا للناس لم تكن في طليعة أولوياته. وكان سعيه إلى هذه الأهداف محكوماً بمصلحته الدكتاتورية لا بمصلحة الناس.
ويفترض بالدستور العراقي الجديد أن يضع ضوابط لاستخدام الصلاحيات الرئاسية شبيهة بالضوابط التي نجدها في أنظمة فيدرالية رئاسية أخرى. كما يفترض بالدستور الجديد أن يسند دوراً دستورياً ما للمحافظات الثماني عشر في البلاد. وبما أنّ خبرة هذه المناطق بالضرائب المباشرة قليلة أو معدومة ومع أنه لا يوجد نظام يساند ذلك، فإنّ العائدات النفطية يرجح أن يستمر توزيعها من جانب بغداد. وبالتالي فإنّ بغداد، لا الدستور، هي التي ستنظم تدفق العائدات النفطية إلى المناطق.
ولكن هذا النظام لن يخدم الشعب العراقي كما ينبغي، لأنه سيبقي على واحدة من نقاط ضعف نظام الحكم السائد، ونعني بذلك مركزية السلطة من خلال المال ببغداد. ومع أنّ وجود نظام فيدرالي رئاسي محكوم بالضوابط من شأنه تحسين النظام القديم، فانه لن يحقق تقدماً فعلياً إلا إذا جرى اقتسام سلطة المال مع المحافظات، ومن خلالها مع البلديات، عبر الدستور.

إنّ وجود نظام فيدرالي غير مركزي في العراق يمكن أن يشمل ما يلي:
وجود حكومة منتخبة وطنية تتولى مسؤوليات وطنية كالصحة والدفاع وإنتاج النفط والنقل وغير ذلك... وتتمتع بضوابط مختلفة، خاصةً سيطرة المدنيين على القوات المسلحة.
حكومة إقليمية منتخبة ديمقراطياً تحل محل المحافظات الثماني عشر المحلية التي استخدمها نظام صدام الديكتاتوري وأشرف عليها وعلى ماليتها بشكل مركزي.
وجود دستور يخصص للمحافظات حصص العائدات النفطية الوطنية دونما قيد.

المال وإعطاء السلطات للمحافظات
إنّ تقاسم السلطة في ظل دستور فيدرالي من شأنه أن يساعد في توزيع النفوذ بين مختلف السكان. إنّ ممثلي السلطة المحليين موجودون أصلاً في الجماعات الدينية والأقليات الاثنية. ولعقود خلت تم استبعاد وتهميش معظم هذه الأقليات - وما تمثله من سكان - لصالح سلطة بغداد وماليتها التى كان يسيطر عليها صدام حسين والعسكر وأفراد من الأقلية السنية.
إنّ قيام نظام فيدرالي لامركزي فعال يستدعي أن تتمتع الأقاليم بالصلاحيات وتحصل على الأموال كحق من حقوقها بموجب الدستور لا نتيجة مفاوضات مع الحكومة المركزية في بغداد. إنّ الأقاليم يجب أن تتمتع بحق التشريع في مجال مسؤولياتها وأن تتحكم في الحصة التي يكفلها لها الدستور من العائدات النفطية الوطنية على أولويات الاقليم.
إنّ إجراء انتخابات محلية في المحافظات يكفل وجود درجة كبرى من المساءلة فيما يتعلق بانفاق حصة المحافظة من العائدات النفطية الوطنية. إنّ المساءلة المحلية تزيد من احتمال أن تشكل أولويات الانفاق المحلي الاعتبار الرئيسي في برمجة جميع مشاريع المحافظات. ولكن الانفاق المحلي لا يمكن أن يعتمد على أمزجة بغداد.
إنّ اقتسام العائدات حسب الدستور من شأنه أن يخلق 18 مركزاً للسلطة في العراق تتجاوز في تشريعها الإقليمي المحدود نطاق صلاحيات ونفوذ بغداد والجمعية الوطنية. وهذا سيخلق ولا شك 18 قاعدة منفصلة للسلطة السياسية تعكس تنوع الشعب العراقي. وهذا يمكن أن يكون بمثابة ثقل موازٍ للاساءة الديكتاتورية التي ارتكبت في الماضي، كما يمكن أن يخفف من التخوف الحالي من عدم حصول من هم خارج السلطة في بغداد على الخدمات الحكومية الكافية.

تمكين المجتمعات الاثنية والدينية
بوسع الأكراد في شمال العراق أن تكون لهم إدارات محلية تعكس القيم الكردية وتديرها قيادات كردية. الشيء نفسه يمكن توفيره للسنّة في وسط العراق وللشيعة في الجنوب. إنّ الحدود الفاصلة بين المحافظات الثماني عشر ليست مثالية، ولكن وجود حكومات في الإقليم تملك سلطات معينة وتعكس حجم الإثنيات المحلية والأكثريات الدينية من شأنه أن يخفف التوترات بين هذه الفئات إذ أنّ عليها أن تتعاون على الصعيد المحلي في المسائل التي تواجه مجتمعاتها.

إن من بين الأفكار التي تطفو على السطح في العراق هو أن المحافظات قد لا تملك القدرة على القيام بمسؤولياتها كاملة في ظل نظام فيدرالي لامركزي وبالتالي فإن على بغداد أن تحتفظ بسلطاتها المالية المركزية تسهيلاً لعملية الانتقال.

ولكن هذه لا تعدو أن تكون مجرد حجة زائفة، فضلا عن أن الوزارات المركزية ووسطاء السلطة يمكن أن يستخدموها مراراً وتكراراً لمقاومة اللامركزية الفعلية لعدة سنوات. لذلك فإن الأمل الوحيد هو أن يتضمن الدستور الجديد بندا ينص صراحة على اللامركزية المالية في حكم الأقاليم.

نعم قد ترتكب المحافظات أخطاءً ولكنها تظل أخطاء محلية أصغر بكثير من الأخطاء المركزية وأسهل تصحيحاً من جانب القيادات المحلية. إنّ أي ضعف في قدرات المحافظات يمكن معالجته عبر أحكام انتقالية ينص عليها الدستور.

واخيرا فإنّ اقتسام المال والسلطة الانتخابية ضمن دستور فيدرالي مركزي من شأنهما أن يساعدا في خلق ثقافة ديمقراطية تُقر بالتنوع بين الجماعات المحلية العراقية وتؤسس عليه. إنّ هذا التوزيع للسلطة والمال يقللان من أية احتمالات لارتكاب إساءات مستقبلية في ظل سلطة وطنية مركزية في بغداد. وهذا الخيار ينبغي تقديمه إلى أعضاء المجلس الوطني المؤقت، وفي حال قبوله، يتم تقديمه إلى الشعب العراقي عبر الاستفتاء.

.

Back to top