يبحث هذا العدد وهو الثاني من سلسة أوراق ديمقراطية، قضية التنوع القومي والديني والطائفي، وهي واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية لا في العراق فحسب وإنما في سائر منطقة الشرق الأوسط، وذلك بالنظر إلى تعدد الجوانب الاجتماعية والتاريخية والسياسية المحيطة بها. كما يعرض لمسألة التعايش بين العراقيين رغم اختلاف انتماءاتهم، ثم يبحث في أفضل السبل لإقامة مثل هذا التعايش، مستعرضا في هذا الإطار تجارب بعض الدول والمجتمعات الأخرى.

ينبغي التوضيح هنا أن هذا العدد إذ يركز على الطوائف والأديان والقوميات، باعتبارها الوحدات الأساسية في المجتمع، فإنه ليس بنيته إهمال دور الفرد الذي بدأ يتنامى في العقود الأخيرة، وإنما جاء ذلك انطلاقا من حقيقة أن تاريخ العراق والمنطقة عموما هو في الأساس تاريخ الجماعات وليس الأفراد. إن الفرد في المجتمع العربي لا وجود له كمفهوم مستقل بذاته، فهو يستمد تعريفه ومكانته الاجتماعية والسياسية من خلال ارتباطه بجماعة ما. من الشائع مثلا في العراق (أو في أي دولة عربية أخرى) لدى السؤال عن شخص ما، أن يتجه السائل للاستفسار أولا عن اسم العشيرة أو العائلة أو البيت الذي ينتمي إليه ذلك الشخص، وللأسف تشجع العادات والتقاليد والثقافة المجتمعية هذا المنحى.

لقد عُرف العراق على مر الزمن بتميزه في تعدد أصول وديانات ومذاهب ساكنيه. فبالإضافة إلى العرب
الذين وفدوا إليه ضمن موجات الهجرة المختلفة عبر التاريخ قادمين من شبه الجزيرة العربية، فقد سكنت العراق أقوام أخرى، مثل اليهود والآراميين والآشوريين والأكراد وغيرهم.
وخلال حكم الدول العربية والإسلامية (الأموية والعباسية والصفوية والعثمانية ) شهد العراق أيضا موجات هجرة من الدول المجاورة، من إيرانيين وتركمان وأذريين وأرمن وغيرهم.

ورغم سيادة الثقافة العربية الإسلامية (بشقيها الشيعي والسني) على العراق طوال أكثر من 14 قرنا، فقد تمكن أتباع الديانات والقوميات الأخرى (من يهود ومسيحيين وصابئة وأيزيديين وأكراد وتركمان وآشوريين) من المحافظة على هوياتهم الدينية والقومية.

وبالنتيجة فقد ورثت الدولة العراقية الحديثة التي تأسست عام 1921 هذا التنوع العرقي والديني والطائفي. لكن أنظمة الحكم المختلفة التي توالت على حكم العراق طوال العقود الثمانية الماضية لم تتمكن ( وربما لم تمتلك الإرادة) لإقامة نظام سياسي يقوم على أساس الاعتراف الكامل بحقوق جميع القوميات والأديان والطوائف، ومن ثم المساواة بينهم فيما يتعلق بتوزيع السلطة والثروة الوطنية.
فقد استمر تركز الحكم من جهة في أيدي السنة العرب، ومن جهة أخرى جرى هضم حقوق الشيعة والأكراد، في الوقت الذي عانى فيه أتباع باقي الديانات والقوميات الأخرى من أشكال متفاوتة من التعسف والظلم من جانب الحكومة المركزية.

وقد زادت حدة الاضطهاد ضد الشيعة والأكراد مع مجيء حزب البعث إلى الحكم عام 1968. وشهدت الفترة الممتدة من منتصف السبعينات وحتى نهاية التسعينات، اتساع نطاق عمليات القمع والإبادة ضد هاتين المجموعتين بالذات، وتعتبر مذبحة حلبجة في شمال العراق التي راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف كردي، باستخدام السلاح الكيماوي عام 1988 ، مثالا بارزا على وحشية هذا النظام.

وبلغت هذه الوحشية ذروتها بعد حرب تحرير الكويت في عام 1991، وهزيمة نظام البعث العراقي، وقيام انتفاضة الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال، والتي واجهها هذا النظام بشراسة لا مثيل لها، حيث قتل مئات الآلاف وشرد مثلهم إلى دول الجوار وباقي بلدان العالم.

ورغم هذه المعاناة الرهيبة، فقد حافظت جميع مكونات المجتمع العراقي على رغبتها واقتناعها بضرورة العيش المشترك في إطار عراق موحد، ولم ترفع أي طائفة أو قومية شعار الانفصال. كما ظل المجتمع العراقي متمسكا بمنظومة من القيم والثقافات المشتركة، سواء عبر محور الدين أو محور القومية
بيد أن العقود الطويلة من القمع والتمييز الطائفي والقومي، والتي انتهت بإسقاط نظام صدام
حسين على يد قوات التحالف التي قادتها الولايات المتحدة في أبريل عام 2003، ولدت لدى معظم العراقيين الرغبة في بناء عراق ديمقراطي تعددي، يحترم حقوق جميع أبنائه ويساوي فيما بينهم.
وطرحت المسألة كالتالي: إذا كان التنوع الديني والقومي والطائفي حقيقة قائمة في العراق منذ القدم، وإذا كان جميع العراقيين راغبين في العيش معا في ظل دولة واحدة، فماهي الطريقة الأنسب لتحقيق ذلك؟ وكيف يمكن ضمان عدم تكرار مآسي الماضي، وبث الشعور بالطمأنينة والأمان لدى جميع العراقيين؟ وكيف يمكن إشراك مختلف المواطنين، وبصرف النظر عن عوامل الدين أو القومية أو الطائفة أو العرق أو الجنس، في إدارة شؤون بلدهم والتمتع بثرواته، على قدم المساواة؟

بالطبع لا توجد إجابات سهلة أو نهائية على هذه الأسئلة، لكن تجارب الدول الأخرى وخاصة تلك التي لديها طبيعة مماثلة للعراق، يمكنها أن تقدم بعض الأفكار والتصورات المفيدة في هذا الجانب.
من هذه الأفكار، على سبيل المثال وليس الحصر، الفيدرالية، التي تطبق اليوم (بشكل أو بآخر) في عدد كبير من الدول، لعل أبرزها كندا وسويسرا وروسيا والهند، في الوقت الذي بدأت فيه بعض الدول تنظم نفسها كإطار فيدرالي في السنوات الأخيرة، مثل بلجيكا وأسبانيا والدانمارك وغيرها. وسوف نعرض ضمن مواد هذا العدد بالتفصيل لهذه القضية، وكذلك تصورا للحل الفيدرالي في العراق – من دون أن يعني ذلك أن الفيدرالية هي الحل الوحيد لمشاكل العراق - بالإضافة إلى شروط نجاح الفيدرالية واسباب تعثرها في البلدان التي فشلت فيها.

ورغم أن جميع الدول الفيدرالية، هي كذلك من حيث التسمية، إلا أن لكل منها تجربتها الخاصة في هذا المجال، إنطلاقا من ظروف كل بلد وطبيعة التركيبة الإثنية للمجتمع فيه. ويتعلق الأمر هنا بمدى الصلاحيات والحقوق السياسية والاقتصادية الممنوحة للأقاليم والمقاطعات، كما يتعلق بنوعية التنظيم الإداري المطبق في كل منها، وطبيعة العلاقة بينها وبين المركز.
وما يمكن قوله هو إن الفيدرالية ليست مقدمة للانفصال، كما أنها ليست محصلة جمع الولايات أو المقاطعات أو الأقاليم في دولة واحدة، بقدر ما هي تنظيم سياسي وإداري اختياري، الهدف منه هو ضمان تحقيق توزيع حقيقي وعادل للثروة والسلطة بين مختلف مكونات المجتمع، والاعتراف المتبادل بالحقوق القومية والثقافية لجميع السكان.

Back to top