تعتبر مشكلة الأقليات جزءا من مشكلة أكبر يواجهها نظام الحكم في البلدان
العربية، وهي الاختلال الكبير في توزيع السلطة والثروة. فقد قام هذا النظام
على مرتكزات ثلاثة، الإسلام والعروبة والحكم الوراثي (القبلي أو الطائفي
أو العائلي). ولم تعرف البلدان العربية طوال معظم تاريخها مفاهيم مثل المواطنة
والمشاركة السياسية والاقتصادية، ناهيك عن أنظمة الحكم الحديثة القائمة
على الديمقراطية وفصل السلطات والتمثيل الشعبي ومحاسبة الحكومات.
وعلى عكس الدولة في الغرب التي نجحت (بعد حروب وتطاحن على مدى قرون) في
التحول إلى دولة قومية، دمجت الأجناس والطوائف بداخلها، فإن الدولة العربية
التي لم تر النور إلا حديثاً، لم يتسن لها ذلك، وحافظت على طابعها الفسيفسائي.
وما إن جاء عهد الاستقلال، وبداية تشكل الدولة الوطنية حتى انتقلت إليها
مجموعة الأقليات، ككتل اجتماعية بامتداداتها التاريخية والثقافية.
لقد انتهجت معظم الدول العربية (وفي معظم الفترات) أسلوب الإلغاء والتهميش،
ولم تعترف بالأقليات كشركاء ومساوين في الوطن وفي الإرث الثقافي والتاريخي
المشترك بصورة جدية، وإنما اعتبرتهم مجرد مخلفات لحضارات أو أقوام سابقين
تكرّم عليهم المجتمع العربي الإسلامي فحماهم ولم يتركهم نهباً للانقراض
والموت، ومن ثم عليهم أن يشكروا الأغلبية ويعترفوا لها بالجميل بدلاً من
أن يطالبوا بحقوقهم!
إن من يقرأ كتب التاريخ العربية يجد أن تاريخ الأقليات يعرض فيها باقتضاب،
ودائماً عبر ربطها بأشخاص معينين أو أحداث معينة وليس كوجود اجتماعي وثقافي
وديني قائم بذاته.
.