ولما كانت الدولة العربية الحديثة، ولما كان الواقع العربي نفسه يقوم
على أسس قبلية وطائفية ومناطقية، سواء على مستوى أنظمة الحكم أو توزيع القوة
والنفوذ داخل المجتمع، فإنه من الطبيعي أن تشعر الأقليات بالحاجة إلى المطالبة
بحقوقها والدفاع عن مقومات وجودها، ومن الطبيعي أن تبدأ في البحث عن حلول
لمشكلتها، شأنها في ذلك شأن باقي أطراف المجتمع المحرومة.
وقد اتسم تعامل الأنظمة العربية عموما مع مطالب الأقليات بأشكال غاية في
التنوع جمعت إلى جانب القسوة والحزم أساليب التذويب والدمج الإجباري، ومنها:
- القمع الداخلي على أيدي الأنظمة التسلطية بمختلف درجاتها ( نظام البعث
العراقي ضد
الشيعة والأكراد، نظام البعث السوري ضد السنة والدروز، النظام العسكري المصري
ضد الأقباط، النظام الديني السوداني ضد المسيحيين والوثنيين في الجنوب،
نظام آل خليفة في البحرين ضد الشيعة، والنظام السعودي ضد الشيعة والإسماعيليين).
- لجأت بعض هذه الأنظمة إلى اتباع أساليب تغيير التركيبة السكانية لزعزعة
نفوذ الإثنيات الأخرى (فقد قام نظام صدام بتغيير حدود بعض المناطق والمحافظات
ونقل السكان من منطقة لأخرى لإضعاف الأكراد. كما قام النظام البحريني بجلب
أعداد كبيرة من السنة من الخارج وتجنيسهم على حساب الشيعة، وكذلك فعلت السعودية
عبر نقل أعداد من سكان جنوب البلاد السنة (نجران وعسير) وأعادت توطينهم
في المنطقة الشرقية لإنهاء سيطرة الأكثرية الشيعية).
- فرض الثقافة العربية والدين الإسلامي، وهيمنتهما على مختلف مناحي الحياة
في البلدان العربية إلى الدرجة التي لم يسمح فيها بحق أي من القوميات أو
الأديان الأخرى، بالتعبير عن
نفسها بصورة حرة ومتكافئة.
- تسمية الدولة لنفسها (عربية وإسلامية) وبالتالي دفعت الأديان والقوميات
الأخرى، إلى الهامش، وقطعت الطريق عليها للمطالبة بالاعتراف بها جنبا إلى
جنب مع العروبة والإسلام.
حاولت أنظمة عربية أخرى فرض الثقافة والقومية العربية في محاولة لتعريب أتباع
القوميات الأخرى (على سبيل المثال العراق وسوريا وبعض دول المغرب العربي)، وفرض
المذهب الرسمي للطائفة الحاكمة (معظم الدول العربية) على أتباع الطوائف الأخرى.
تقديم أنظمة عربية لبعض التنازلات في ميادين الثقافة والاقتصاد، كما في
حالة دول شمال أفريقيا مع الأمازيغ، والأردن مع المسيحيين وأتباع القوميات
الأخرى.
5 - يعتبر لبنان حالة فريدة في العالم العربي، حيت تتمتع الطوائف والأديان فيه
بترتيب متفق عليه في تقاسم السلطة.
.