ترى كثير من الحكومات العربية أن الاعتراف السياسي بالأقليات وما يترتب
عليه من حقوق وواجبات، يستهدف تقسيم الدولة والمجتمع، كما يعرضها إلى مطالبات
قد تمس سيادتها، مثل الحكم الذاتي وتقرير المصير وما شابه، ولهذا وضعت هذه
الحكومات مشكلة الأقليات ضمن القضايا المهددة للأمن القومي، واعتبرتها،
في الكثير من الأحيان، محاولة من جانب القوى الخارجية للنيل من سيادة هذه
الدولة أو تلك
.
لقد واجهت الدولة العربية أي نقاش يتصل بهذه المشكلة بقمع لا هوادة فيه. كما وصمت
الأدبيات أو الأشخاص الذين تجرأوا بالحديث أو إثارة هذه المشكلة بأنهم خونة يسعون
للنيل من أمن وسلامة المجتمع. بيد أن الملاحظ مع ذلك هو أن جميع هذه المحاولات لم
تحل دون تفجر قضية الأقليات بين حين وآخر. كما أن النقاش حولها وإن لم يظهر على
السطح فإنه لم يتلاش.
لقد طورت العديد من دول العالم مفاهيم مختلفة للتعايش السلمي والخلاق بين
سكانها الذين ينتمون لثقافات وأديان وإثنيات متباينة. بعضها واصل العيش
في ظل الدولة ذات الكيان الواحد، في حين تبنى بعضها الآخر مفهوم الفيدرالية.
لكن دولا أخرى كان نصيبها التفكك والانفصال.
وفي الإجمال يمكن تصنيف الحلول السياسية للتعايش في ظل الاختلاف والتعدد
إلى أربعة :
الدولة ذات الإقليم الواحد
وهو يعني أن يعيش أتباع القوميات والأديان والطوائف المختلفة في ظل دولة
تتمتع بحكومة مركزية في إطار إقليم سياسي واحد. ويتطلب مثل هذا الحل وجود
نظام ديمقراطي، ومؤسسات دستورية قوية، تعامل جميع المواطنين على قدم المساواة
وتمنحهم فرصا متكافئة في الحصول على الثروة والسلطة والحقوق العامة، بغض
النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي أو القومي أو الطائفي.
ورغم أن هذا الحل يناسب الدول العربية، وخاصة تلك التي لا توجد فيها أقليات
قومية أو دينية كبيرة، ذات هوية واضحة وقوية، إلا أن هذه الدول تبدو عاجزة
في الوقت الراهن على الأقل، عن توفير مثل هذا الحل بسبب قيام معظم أنظمتها
على التسلط والتمييز.
الحكم الذاتي
ويقصد به منح سكان منطقة أو أتباع قومية حق إدارة شؤونهم المحلية (من حكم
محلي، وتعليم وصحة ومحاكم وقضاء .. الخ) مع احتفاظ المركز بالسيطرة على
المسائل السيادية، مثل الدفاع والخارجية والأمن والحدود وما إلى ذلك.
ومثل هذا الحل جرب في كل من العراق (بالنسبة للأكراد في السبعينات) والسودان
(بالنسبة لسكان الجنوب في السبعينات أيضا)، لكنه فشل، بسبب عدم التزام الحكومتين
في البلدين به، كما لم يكن هناك أي ضمان للسكان المطبق عليهم. واكتشف لاحقا
أن هذا الحل لم يكن نابعا من قناعة الحكومة، بقدر ما كان إجراءا مؤقتا لحل
أزمات تمر بها السلطة.
الفيدرالية
تعتبر الفيدرالية وهي نظام سياسي يقوم على اتحاد مركزي (على أساس جغرافي
أو إثني) بين مقاطعتين أو إقليمين أو أكثر، حلا لبعض المشكلات المرتبطة
بوجود أعراق وقوميات وطوائف متباينة الأهداف والمصالح داخل الدولة الواحدة.
فهي تحفظ من جهة وحدة الدولة، وكيانها السياسي، ومن جهة أخرى تمنح المقاطعات
أو الأقاليم نصيبها من السلطة والثروة والتمثيل السياسي. وبخلاف الحكم الذاتي،
فإن الأقاليم في ظل الفيدرالية تشارك بقسطها في الحكومة المركزية. كما تضمن
الفيدرالية الاحترام التام للتعددية القومية والدينية والمذهبية والسياسية،
وبالتالي تقطع الطريق على قيام حكومات استبدادية. وأبرز الدول الفيدرالية
اليوم كندا وأستراليا وسويسرا والهند والاتحاد الروسي.
الانفصال
الانفصال هو آخر الحلول التي قد يلجأ إليها أتباع بعض القوميات أو الأديان
أو الطوائف حين تتعذر إمكانية التعايش فيما بينهم في ظل دولة واحدة، ومن
الأمثلة الحديثة على ذلك ما جرى في يوغوسلافيا وإندونيسيا. وفي العادة
تكون لمثل هذه النتيجة مقدمات وأسباب، وفي الإجمال تراكمات عميقة، وقد
تتوج بنزاعات دامية وحروب أهلية. لكن من النادر حصول الانفصال اذا تم
اللجوء منذ البداية إلى تطبيق الحلول الأخرى للتعايش بصورة جادة وحقيقية
ونابعة من إرادة السكان وأخذ موافقتهم.
.