يعتبر العراق (حوالي 27 مليونا حسب تقديرات الحكومة العراقية لعام 2005) نموذجا مصغرا للشرق الأوسط الكبير حيث يتميز بتعدد دياناته وقومياته وطوائف ساكنيه منذ القدم.

فهناك أغلبية عربية لغة وثقافة تصل إلى حوالي ( ما بين 75 و80 في المائة) ، وتوجد إلى جانبها أقلية لغوية- ثقافية رئيسية هي الأكراد الذين يشكلون ما بين (15 و20 في المائة، حسب تقديرات عام 2002) وجيوب ضئيلة من التركمان والكلدو آشوريين والإيرانيين والأرمن لا يتجاوزون (5 في المائة). ومن حيث الدين، هناك أغلبية مسلمة تتراوح (بين 92 إلى 95 في المائة) من إجمالي السكان، توجد إلى جانبها أقليات مسيحية (معظمها أيضا اقليات لغوية) تصل إلى حوالي (4 في المائة)، وجيوب ضئيلة من الأيزيديين والصابئة واليهود تصل في مجموعها إلى حوالي ( 3 في المائة).
ولكن بين المسلمين وهم الأغلبية الساحقة نجد مجموعتين مذهبيتين، متمايزتين في الحجم وهما الشيعة حوالي (56 إلى 60 في المائة) والسنة حوالي (32 إلى 37 في المائة).

إذن هناك ثلاثة مستويات تحكم التعددية الاثنية في العراق، مستوى اللغة –الثقافة، ومستوى الدين، ومستوى المذهب (الإسلامي)، على مستويين منهما هناك أغلبية ساحقة ومجموعة أقليات- وهما مستويا اللغة والدين. أما المستوى الثالث- وهو المستوى الإسلامي المذهبي – فهنا توجد أيضا أغلبية (الشيعة) وأقلية (السنة). فعلى تقاطع مستويي اللغة والمذهب فإن العرب السنة يصبحون أقلية أصغر بكثير (حيث أن الأكراد معظمهم سنيون مذهبا، ولكنهم ليسوا عربا) من العرب الشيعة. (أنظر الجدول رقم 1 في آخر الكتاب).

على مستوى التشريعات
إن هذه التشكيلة الفريدة من التنوع الديني والطائفي والقومي، أضفت على المجتمع العراقي من جهة غنى وحيوية ثقافية واجتماعية، لكنها من جهة أخرى جعلت من الصعب توحيد هذا المجتمع ضمن أنماط كلاسيكية من العلاقات، مثل تلك التي كانت سائدة في باقي الدولة العربية.
لقد نشأت الدولة العراقية الحديثة في عام 1921، بعد قرابة أربعة قرون من الحكم العثماني، وجاءت مثقلة بالإرث العربي الإسلامي السائد في المنطقة من حيث شكل نظام الحكم (الوراثي) ، والعلاقة مع الطوائف والأديان الأخرى، ووضعهم في المجتمع.

ولذلك فإن الدستور العراقي الأول (القانون الأساسي العراقي) الذي صدر في بغداد في 21 مارس عام 1925، لم يتجاوز هذه المرحلة ولم يقدم في مواده ما يشير إلى معالجة منصفة للتعاطي مع هذا التنوع. وفي المرات القليلة التي اضطر فيها واضعو هذا الدستور إلى التطرق للقوميات والأديان الأخرى (بخلاف العرب والمسلمين) كان يتم ذلك باقتضاب شديد ومن دون تسميات أو إشارات واضحة.

فقد نصت المادة 13 من هذا الدستور على أن “الإسلام دين الدولة الرسمي وحرية القيام بشعائره المألوفة في العراق على اختلاف مذاهبه محترمة ولا تمس، وتضمن لجميع ساكني البلاد حرية الاعتقاد التامة، وحرية القيام بشعائر العبادة، وفقا لعاداتهم، ما لم تكن مخلة بالأمن والنظام وما لم تتناف والآداب العامة”. ونصت المواد (69) و (75) و (78) على تقسيم المحاكم إلى ثلاثة أصناف، محاكم مدنية ومحاكم دينية وأخرى خصوصية، وتقسم المحاكم الدينية بدورها إلى شرعية ومجالس روحانية طائفية.
المجالس الروحية الطائفية تشمل: المجالس الروحانية الموسوية ( أي اليهودية)، والمجالس الروحانية المسيحية، وتخول سلطة القضاء بقانون خاص.

وكما يبدو واضحا من هذه المواد، فقد أهمل المشرع ذكر ديانتين في العراق على الأقل، هما الأيزيدية والصابئة المندائية، وهما ديانتان معروفتان ولهما عدد لا بأس به من الأتباع.
بقي هذا الدستور نافذا لحين إسقاط الملكية في الرابع عشر من يوليو عام 1958 على يد عبد الكريم قاسم، وبعد أيام من قيام الجمهورية ، تم إصدار دستور مؤقت، لم يتضمن هو الأخر ما يشير إلى وجود التنوع القومي والديني في العراق. وبعد انقلاب فبراير عام 1963، تم إلغاء الدستور المؤقت وحل دستور مؤقت آخر بديلا عنه في العام 1964، والذي اقتصر على نص واحد فيما يتعلق بقضية الأديان، حيث جاءت المادة (28) لتنص على حرية الأديان وصيانتها وحماية الشعائرالدينية دون الإخلال بالنظام العام والآداب. وحين جاء انقلاب البعث في عام 1968، ألغى جميع الدساتير السابقة وأصدر الانقلابيون دستورا مؤقتا، لم يلبث أن ألغي بدستور مؤقت في عام 1970 ، ثم مشروع الدستور المؤقت في عام 1990.

تاريخ مثقل بالأحداث
على أن تعامل الحكومات العراقية المتعاقبة مع أتباع الأديان والطوائف والقوميات الأخرى، في التشريعات لم يكن أفضل منه في الواقع العملي، على العكس من ذلك، فباستثناء فترات قليلة من الهدوء والعلاقات الودية، شهد العراق عدة مجازر ضد الأشوريين )المسيحيين) والأيزيديين واليهود والأكراد والشيعة.

مجزرة سميل
ففي أغسطس عام 1933 وردا على مطالب المسيحيين الآشوريين بحقوقهم في العيش بكرامة والتعبير عن إنتمائهم القومي والديني، جهزت الحكومة العراقية التي كان يرأسها رشيد عالي الكيلاني حملة عسكرية بقيادة اللواء بكر صدقي لقمع الأشوريين في الشمال، حيث تقدمت قوات الجيش نحو معاقلهم واشتبكت معهم في معارك عنيفة في منطقة سميل الواقعة بين دهوك وزاخو، وجرت مجرزة راح ضحيتها نحو خمسة آلاف أشوري من الرجال والنساء والأطفال، كما تم تدمير أكثر من 66 قرية.

الفرهود
في الحادي من يونيو عام 1941 وكان قد صادف عيد السبوت اليهودي خرجت جماعات من اليهود في بغداد إلى المطار للترحيب بعودة ولي العهد الذي كان قد نحاه رشيد عالي الكيلاني المعروف بارتباطه بالنازيين الألمان، وذلك في الانقلاب العسكري الذي قاده في الثالث من أبريل من نفس العام. وفي طريق عودتهم هوجموا على جسر الخر من قبل جنود ومدنيين، حيث قتل يهودي وجرح آخرون. وفي اليوم نفسه حدثت أعمال قتل ومهاجمة لليهود في الرصافة ومناطق أخرى استمرت حتى المساء، وقد قتل في هذه الهجمات عدد من اليهود بشكل عشوائي وجرح المئات، ويقال بأنه حدثت أعمال اغتصاب لأطفال ونساء وتم سحق الأطفال وإحراق البيوت وإعمال النهب والسلب.

وفي اليوم التالي، أي الثاني من يونيو ، انضم أفراد من الشرطة والجيش إلى بعض المواطنين من سكنة المناطق الفقيرة في الكرخ إلى مسرح الأحداث للمشاركة في أعمال التقتيل والنهب والسلب ضد بيوت ومتاجر اليهود. وقدر عدد القتلى جراء هذه الحوادث حوالي 400 قتيل والعديد من الجرحى.

حملة الأنفال
في السنتين الأخيرتين من الحرب العراقية الإيرانية شنت القوات العراقية بقيادة علي حسن المجيد (الملقب بعلي الكيماوي) حملة عسكرية ضد الأكراد في الشمال عرفت باسم الأنفال، وقد استخدمت فيها هذه القوات جميع الأسلحة بما فيها تلك المحرمة دوليا، وراح ضحيتها حسب تقارير منظمة العفو الدولية أكثر من مئة ألف كردي، قتلوا أو فقدوا. وفي مارس من عام 1988، أي قبل خمسة أشهر من توقف الحرب، شنت الطائرات العراقية، هجوما على مدينة حلبجة الكردية، بالأسلحة الكيماوية مما أدى على الفور إلى مقتل خمسة آلاف كردي بمن فيهم من نساء وأطفال وشيوخ وإصابة 10 آلاف آخرين بجراح، وهي المذبحة التي عرفت بمذبحة حلبجة.

قمع انتفاضتي الشيعة والأكراد
وفي أعقاب هزيمة النظام العراقي في حرب تحرير الكويت عام 1991، اندلعت انتفاصة الشيعة في الجنوب والاكراد في الشمال ضد حكم صدام، وقد واجهها بحزم وعنف لم يسبق له مثيل، حيث استخدمت القوات العراقية جميع ما بحوزتها من أسلحة لقمع المنتفضين، بما في ذلك الدبابات والمروحيات العسكرية، كما مارست قوات الحرس الجمهوري والأمن والمخابرات وميليشيات حزب البعث أعمال إبادة جماعية انتقامية ضد المناطق الشيعية في الجنوب والوسط وضد المناطق الكردية في الشمال، راح ضحيتها أكثر من 300 ألف قتيل وتشريد أكثر من مليوني كردي تركوا قراهم ومدنهم هربا من بطش النظام. وقد اعتبرت هذه بحق أكبر نكبة مني بها الشعب العراقي في تاريخه الحديث.

ورغم أن معظم هذه الأعمال وما رافقها من مجازر وأعمال قتل واسعة ضد المدنيين، ارتبطت بأحداث سياسية، إلا أن الطابع الطائفي أو القومي في كل منها كان واضحا، وفي كل مرة كان للحكومة المركزية في بغداد دور مباشر فيها. وحتى في الحالات التي كان الأمر يتخذ طابع الصدام العسكري أو التمرد المسلح، فقد كان المدنيون من أتباع الطائفة أو القومية المعنية عرضة للانتقام على نطاق واسع. كما تسبق هذه الأعمال في العادة أو تتلوها حملة سياسية ودعائية من التخوين والتجريم والتكفير ضد الطرف المراد قمعه وضربه.

العراق الجديد
مع سقوط نظام صدام في أبريل عام 2003 ، فتحت أمام العراقيين فرصة تاريخية، وربما نادرة لإعادة تأسيس وطنهم ونظامه السياسي على أسس جديدة، على رأسها التعامل مع الأديان والقوميات الأخرى.

وربما يكون أهم درس يمكن استخلاصه في هذا المجال - منذ إنشاء الدولة العراقية قبل ثمانية عقود وحتى الآن- هو ضرورة الاعتراف رسميا بأن العراق بلد يملكه جميع ابنائه من المسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة والأيزيديين، للأكراد فيه كما للعرب والتركمان والأرمن وأبناء القوميات الأخرى، مهما قل عددهم أو كثر. وأنه لكل عراقي نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات. وأن الدولة يجب أن تكون محايدة، وواجبها ليس الانتصار لطائفة أو دين أو قومية بعينها وإنما الانتصار لجميع المواطنين، ووظيفتها هي إدارة هذا التنوع بصورة تضمن التعايش السلمي والخلاق وحماية حقوق وحريات جميع المواطنين، الفردية منها والعامة، بما في ذلك حرية العبادة وممارسة الشؤون الدينية والمحافظة على واحترام الخصائص الدينية والقومية والثقافية لكل جماعة، وضمان حق التمثيل وتسلم المناصب الحكومية والعامة لجميع المواطنين، على قدم المساواة.
مثل هذه الدولة هي ما يجب أن تتمخض عنه التحولات الديمقراطية الحالية في العراق.

.

Back to top