هل صحيح أن بعض المسلمين يعيشون حريتهم الدينية في بلدان غير إسلامية
أكثر من ممارستهم لحريتهم الدينية في بلدان إسلامية؟!
لن نخرج عن الصواب إذا أجبنا على هذا التساؤول بـ” نعم” رغم أن الأمر يختلف
نسبيا من هذا البلد الإسلامي إلى ذاك ومن بلد مضيف إلى آخر.
ولكن إذا كان حسن، أو حيدر، أو محمد، يستطيع أن يمارس حريته الدينية خارج
بلده بالشكل الذي يعتقد أنه الصحيح، ولا يستطيع أن يفعل الشئ ذاته بكامل
حريته في بلده فإن الأمر يدعو حقا إلى التساؤل عن السبب.
وإذا كان المسلم يجد صعوبة في أن يعيش حريته الدينية الكاملة في بلده الإسلامي
بسبب انتمائه لطائفة مسلمة مختلفة فكيف يكون الحال مع أتباع الأديان الأخرى؟!
المشكلة برأينا لا تكمن في الإسلام، كدين أو عقيدة، فالأديان والمذاهب بمختلف
توجهاتها تدعو للسلام والمحبة، والتعايش المشترك، والحياة، ولكن المشكلة
تكمن في أصحاب الأيديولوجيات السياسية الذين يسخرون أديانهم ومذاهبهم لخدمة
أهدافهم السياسية الدنيوية مما يؤدي إلى الصدام مع مخالفيهم في الرأي وربما
تأجيج الكراهية الطائفية والعداء الديني بلا مبرر.
وربما أن تركيز أنظار العالم على ما يقوم به المتطرفون في العالم الأسلامي
من أعمال عنف وما ينشرونه من أفكار هدامة قد حوّل الاهتمام عما ينشره مفكرون
مسلمون يؤمنون بحق الناس في التعايش ويفسرون الدين الإسلامي على الوجه الصحيح
الذي يجعل من المسلم إنسان خير، ويجعل الجماعة المسلمة قادرة على التعايش
السمح مع المؤمنين بالأديان الأخرى ومع أتباع الطوائف المخالفة داخل المجتمع
المسلم ذاته.
فالمفكرون المسلمون المتنورون ليس لديهم مشكلة مطلقا مع مبادئ أصبحت عالمية
مثل الديمقراطية، وفصل الدين عن الحركات السياسية، ومنح المرأة حقوقها،
وحرية التفكير والاعتقاد، إلى آخر ذلك. ويدرك هؤلاء المفكرون بأن المسلم
الفرد، والمجتمع المسلم على حد سواء يستفيدان من وجود دولة ديمقراطية تؤمن
بالإصلاح وبالمجتمع المفتوح. ويوجد العديد من المفكرين المسلمين الليبراليين
يدعمون هذا الاتجاه بما لايخالف عقيدة المسلمين، أو يسئ إلى الدين الإسلامي
في أي شئ إن لم يعزز وجوده.
ومن الواضح أن الليبرالية في العالم الإسلامي والليبرالية في الغرب تشتركان
في مبادئ كثيرة رغم جذورهما المختلفة. وكلاهما، قد يدعم التعايش في إطار
التعددية الدينية، لكن كل بطريقته الخاصة.
ولا يتردد ا لباحث الأميركي تشارليس كوردسمان من إطلاق اسم الشريعة الليبرالية،
على الأحكام التي تقبل التعايش مع الآخر، في حين أن شريعة الصمت، برأيه
هي التي تصمت عن قضايا معينة بغرض تحليلها والسماح بها.
ويفصل رايه بالقول إن الشريعة الليبرالية تجادل بأن القرآن الكريم والسنة
النبوية يحضان على الممارسات الليبرالية. وهكذا، ينطلق المفكر الاسلامي
التركي علي بولا من الآية الكريمة (لكم دينكم ولي دين)، وكذلك من (وثيقة
المدينة) بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم واليهود، ليقول ان الاسلام
في جوهره يعزز التعددية ضمن الوحدة. لا بل هو منارة التوجهات التعددية.
وينحو المفكر الماليزي تشاندرا مظفر المنحى نفسه، فيستند الى آيات قرآنية
عديدة أولها الآية 13 من سورة الحجرات” ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر
وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عندالله أتقاكم” ليخرج
تشاندرا من من ذلك بحصيلة مهمة وهي أن الاسلام يعادي كل أنواع التمييز في
العلاقات بين الأديان. وبالتالي أي ممارسات تمييزية تعتبر لا أسلامية، إذ
لا يمكن أن يكون هناك تمييز يستند إلى الدين في النظام الإسلامي، ويتفق
معه في ذلك المفكر اللبناني صبحي محمصاني.
وقد أوضحت التطورات العالمية الأخيرة أن شعوب العالم قادرة على تخطي الحواجز
العرقية والدينية والثقافية والحضارية في سبيل تحقيق السلام والعدل.
وفي ظل كل ذلك يتساءل تشاندرا مظفر ، كيف نسمح لصدام زائف بين الحضارات
أن يحول طاقاتنا؟ وهل سيجدر بنا الحديث عن الغرب والإسلام كهويتين منفصلتين؟
أليس الغرب ككيان حضاري موجود داخل العالم الإسلامي؟
فعلى مدى العقدين الماضيين أصبحت المؤسسات السياسية والأنظمة الاقتصادية
والقيم الثقافية المرتبطة بالحضارة الغربية جزءا لا يتجزأ من المجتمعات
الإسلامية.
وبالمثل، أصبح المسلمون اليوم يمثلون أقلية هامة في كل دولة من دول أوروبا
وأميركا الشمالية. وبالإضافة إلى ذلك، فقد لعبت الحضارة الإسلامية في الماضي
دورا في النهضة الأوروبية.
ولقد أدى انتشار التعليم العالي إلى كسر احتكار المؤسسات الدينية التقليدية
للدراسات الدينية. فكثير من المثقفين والمفكرين المسلمين لهم الآن اجتهادات
فى فهم النصوص من غير أن يكونوا رجال دين، مثل المفكر السوري محمد شحرور
والإيراني مهدي بازركان والجزائري الفرنسي محمد أركون، إضافة إلى التونسي
محمد طالبي الذي يستشهد على وجود التعددية في الإسلام بالآيات القرآنية
“ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا
مؤمنين؟” سورة يونس 99، وفي سورة المائدة جاء في الآية 48 “ .. ولو شاء
الله لجعلكم أمة واحدة ، ولكن ليبلوكم في ما آتاكم، فاستبقوا الخيرات ،
إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون”.
شريعة الصمت
وتقول “شريعة الصمت” إن التعايش ليس منصوصا عليه في الشريعة، لكنه مسموح
به، وهي تجادل بأن الشريعة تصمت حيال بعض القضايا، ليس لأن الوحي كان
ناقصا، بل لأنه ترك عن عمد بعض القضايا كي يختار بينها البشر.
وعلى سبيل المثال، يقول المفكر الإسلامي الهندي همايون كبير إن السوابق
التي حدثت في الفترات المبكرة للإسلام لا تنطبق بشكل فوري على الفترات اللاحقة.
فالوضع تغيـّر مع انتشار الإمبراطورية الإسلامية السريع في مناطق شاسعة
من آسيا، والعديد من المشاكل العملية برزت وتعين على الفكر الإسلامي أن
يجد مكانا للرعايا غير المسلمين في الدولة الإسلامية، وهذا أدى في الهند
مثلا إلى إدانة الإكراه في الدين وإلى احترام كل الأديان الأخرى.
وبالمثل، يعتبر الرئيس الإندونيسي السابق عبد الرحمن وحيد، الدستور الإندونيسي
أكثر ملاءمة من أي دولة إسلامية مفترضة لأنه يتوافق مع التعدد الثقافي في
إندونيسيا المعاصرة، وكتب يقول إنه “ثمة حاجة لاتخاذ خطوات كي نقاوم تدهور
العلاقات بين مختلف الأديان في إندونيسيا، والخطوة الأولى نحو ذلك تكمُـن
في الدفاع عن الحريات الديمقراطية”.
ويجب استعادة الاحترام المتبادل بين أصحاب مختلف الانتماءات، استنادا إلى
المبادئ القانونية الأساسية المتعلقة بحرية التعبير (حتى بالنسبة للأقليات
الصغيرة جدا)، وحكم القانون والمساواة أمام الدستور.
ووفقا لهذا الرأي فإن “الدين مقدس، لكن تفسيراته بشرية وتنتمي إلى هذا العالم”،
كما يقول الإسلامي الإيراني عبد الكريم سوروش، الذي يضيف أن “النص ليس حيزا
منفصلا أو معزولا عن غيره، وهو لا يحمل معناه على كتفه، بل يحتاج إلى أن
يوضع في سياق. والنصوص الدينية ليست استثناء هنا. ولذلك، فتفسيرها يخضع
للتوسع أو التقلص وفقا للافتراضات التي تسبقها أو الأسئلة التي تثيرها.
إننا ننظر إلى الوحي في مرآة التفسير، تماما كما ينظر العالم إلى الخلق
في مرآة الطبيعة، وهذا يمهد الطريق أمام الديمقراطية الدينية والتوحيد التجاوزي
للأديان، استنادا إلى التعددية الدينية”.
ويستند المفكر الإسلامي الجنوب إفريقي، فريد ايزاك، إلى قول للإمام علي
بن أبي طالب يقول فيه إن “النصوص الدينية ليس لها لسان وتحتاج إلى تفسيرات،
والمفسرون هم البشر”، ليقول إن هذا كان أساس التعددية في الإسلام.
وبالمثل، يقول المفكر المصري حسن حنفي إنه “ليس هناك تفسير واحد للنص،
بل تفسيرات عدة بسبب الاختلافات بين سائر المفسرين. وبالتالي، فان أي تفسير
للنص هو بالضرورة تعددي، وكل تفسير يعبر عن التزامات المفسّر الاجتماعية
– السياسية”.
ويلاحظ كوردسمان عن حق أن قلة من هؤلاء المفكرين الذين أوردنا أقوالهم قرءوا
أعمال بعضهم البعض، وهذا يدل على أن المواقف الليبرالية تظهر بشكل مستقل
في كل أنحاء العالم الإسلامي، وهذا الظهور المتزامن ناجم عن تحولات تاريخية
خلال العقود الأخيرة.
وقد برز التأثير الواضح للتكنولوجيا في تشجيع التغيير في العالم الإسلامي
من خلال الضجّـة التي أثيرت عبر الإنترنت بعد اعتقال نائب رئيس الوزراء
الماليزي السابق أنور إبراهيم، الذي ترافق انتقاله من الحركات الإسلامية
الراديكالية إلى الحركات الإسلامية الإصلاحية والليبرالية مع اعتماده المتزايد
على نصوص من وليام شيكسبير، ومن رواد ثقافات أخرى.
لقد بدأ إبراهيم حياته السياسية في حركة دينية راديكالية جعلت الماليزيين
من أصل صيني هدفا للعداء، لكنه في السنوات الأخيرة التي سبقت اعتقاله تحول
إلى داعية من دعاة التعايش الديني في كل من ماليزيا والعالم.
ويقول أنور إبراهيم هنا: “إن تجربة الإسلام المعاصر في جنوب شرق آسيا لديها
الكثير لتقوله، ليس فقط للمسلمين في المناطق الأخرى، بل أيضا للعالم ككل،
وهذا يعود إلى الحقيقة بأن المسلم الملتزم في جنوب شرق آسيا يمارس دينه
في إطار عالم تعددي حقا. وفي ماليزيا على وجه الخصوص، لا يغيب عن بال مسلم
أبدا حقيقة وجود أديان أخرى وأناس ينتمون إلى هذه الأديان”.
لكن، ما لم تنجح التجربة الجديدة في تحقيق استقلال المنطقة وتحررها، وما
لم تربط ربطا محكما بين الديمقراطية وبين التنمية الاقتصادية والعلمية التكنولوجية،
فلن يكون هناك أي جدوى لها.
.