منصور الجمري
رئيس تحرير صحيفة الوسط البحرينية وهو ناشط سابق في المعارضة البحرينية
في لندن.
أثناء ممارستنا أنشطتنا اليومية، يتوقع منا أن نتصرف بطريقة معينة،
سواء كان ذلك في المنزل أو العمل أو الجامعة. ولو لاحظ المرء ما يعمل
فإنه سيرى أن جميع تصرفاته تتأثر بالأشخاص المحيطين به. وهؤلاء يضغطون
باستمرار على المرء لكي يتصرف بطريقة معينة. فالأبن، مثلا، قد يحاول
اقناع والده للخروج في رحلة مع أصدقائه ، وقد يحاول بعض الأبناء “التهديد”
بالهروب من المنزل إذا لم يسمح لهم بالخروج. جميع هذه التصرفات تدخل
ضمن محاولات الضغط والتأثير للحصول على أمر ما.
إن الفرق بين “الضغط” و”التأثير” بسيط، وبعض الأحيان لا يستطيع المرء
التفريق بينهما ، الضغط يقصد منه ذلك النشاط الذي يحاول إقناع الآخرين
“بصورة منظمة” من أجل الحصول على أمر ما. مثلا، “الأب والأم” يتفقان
على ممارسة الضغط على ابنهما.
أما التأثير، فعادة لا يكون منظما مثل الضغط. إنه يمارس دوره بصورة
غير مباشرة. على السبيل، لاعب كرة قدم محبوب، يؤثر على أنصاره بصورة
لم يكن هو يقصدها في الأساس، وأثره ينعكس على جماهير غفيرة تقوم بنفس
ما يقوم به لاعب الكرة المحبوب.
التأثير، مرتبط بالأشخاص ذوي الصلاحية. والصلاحية تعطى للأشخاص لأسباب
تقليدية، أو عقلانية، او لاسباب الهيبة الشخصية (الكاريزما) كما تقدم
ذلك.
إن وسائل الضغط التي يمكن استخدامها بصورة منظمة كثيرة جدا وتحتاج كل
واحدة منها لدرس بحاله.
مثلا لو أردت أن تضغط على أخيك الصغير، فقد تقول له “أنا أكبر منك،
وعليك أن تنصاع لما أقول”، أو قد تهدده بالقوة. ولو أردت أن تضغط على
والديك أو أصدقائك فإنك ستلجأ لوسائل ضغط أخرى.
إن مقدار الضغط الذي نستطيع القيام به يعتمد أيضا على مقدار السلطة
والصلاحية التي نملكها. فالأستاذ في الجامعة لديه سلطة وصلاحية معينة
يستطيع من خلالها- إذا أراد- أن يضغط على الطلاب. والطلاب- ومن خلال
اتحادهم - يستطيعون الضغط على الجامعة.
هناك أشخاص يستطيعون الضغط من خلال إبراز الجانب الأخلاقي والمعنوي.
مثلا، قد لا تملك مجموعة سلطة وصلاحية أكثر من غيرها ولكنها تقوم بالدعوة
لأعمال خيرة لا يستطيع أحد أن يقول لها إن ما تدعو إليه خطأ، كما هو
الحال مع “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، فهذه وسيلة ضغط من نوع
آخر. ومثال ذلك، الدعوة إلى الحفاظ على البيئة من أشخاص لا يملكون سلطة
أو صلاحية ، ولكنهم يؤثرون على قوى كبيرة في العالم بسبب دعوتهم الأخلاقية.
الأشخاص والجماعات لايملكون الكثير لمواجهة تأثير الشركات الكبيرة والحكومة،
ويشعرون أنهم بمفردهم لا يستطيعون ممارسة الضغط. ولهذا فإن الأفراد
في المجتمعات المتطورة يدخلون في تحالفات أو اتحادات أو نقابات، لكي
يستطيعوا الضغط على أولئك الذين يملكون الكثير من السلطة والصلاحية،
وأكبر مثال على ذلك، النقابات العمالية.
في المجتمعات الحديثة تنتشر مئات وآلاف المجموعات التي تسمى “مجموعات
الضغط” لممارسة الضغط على أصحاب السلطة والصلاحية للحصول على هدف محدد.
مجموعة الضغط تسمى أيضا مجموعة مصالح لانها تدافع عن مصالح معينة.
وهناك أيضا أحزاب سياسية. والأحزاب السياسية قد تحتوي على مجموعات مصالح.
والفرق هو أن “مجموعات المصالح”، لا تهدف للوصول إلى الحكم وإنما للحصول
على هدف محدد من الماسكين بزمام الحكم. ومجموعات المصالح تختلف عن الأحزاب
السياسية في أن الأحزاب تسعى للسيطرة على الحكم بوسائل معروفة. أما
مجموعات المصالح فانها محدودة بنوعية معينة من الأشخاص.
مجموعات المصالح (او مجموعات الضغط) تسمى بالانجليزية “Interest Groups”،
او “Pressure Groups”، او “Lobby”. والحياة السياسية العصرية تحتوي
بصورة أساسية على الكثير من مجموعات المصالح/الضغط، بصورة متكاملة.
ومجموعات المصالح تختلف في الحجم والقوة والقدرة على الوصول للهدف.
فالجمعيات المهنية لها دور كبير. مثلا، إذا قالت جمعية الأطباء إن هذا
النوع من الأكل يضر بالصحة، فإن أثر هذه المجموعة (وهي مجموعة مصالح/ضغط)
كبير جدا على الجميع.
ولهذا فإن مجموعات الضغط/ المصالح تنقسم إلى نوعين: مجموعات “دعائية/
توعوية”، ومجموعات تنشط من أجل حماية شيء معين، أي انها “حماية”.
المجموعات الدعائية/ التوعوية تسعى للدعوة من أجل قضية معينة من خلال
التوجه - عادة - لجميع الأشخاص في المجتمع.
مجموعات الحماية، تسعى للدفاع عن فئة معينة في المجتمع.
المجموعات الدعائية/التوعوية تعتمد على أشخاص يقدمون طاقاتهم من أجل
غاية معينة بصورة طوعية ومتواصلة و”مستميتة”، مثل منظمة العفو الدولية
وغيرها، وعادة ما تنتهي هذه المجموعات عندما يتحقق هدفها. وفي العادة
فإن المجموعات الدعائية ليست تمثيلية. بمعنى أن الأشخاص لم يتم انتخابهم
من قبل جماعات بشرية، وإنما هم أشخاص يؤمنون بقضية معينة ويمارسون عملهم
بصورة تطوعية/إيمانية دون هوادة.
مجموعات الحماية، وتسمى أحيانا مجموعات الدفاع، تمثل مجموعة من الناس
في المجتمع وتسعى للحصول على قوتها من خلال الحصول على موافقة أولئك
الأفراد. وأكبر مثال على ذلك “النقابات العمالية”.
مجموعات الدفاع تخضع لمحاسبة الجماعات التي تمثلها من خلال الانتخاب
أو الإجماع أو أي وسيلة للحصول على صفة التمثيل، وهي تعمر أكثر لأنها
مرتبطة بتواجد تلك الجماعات داخل المجتمع التي تسعى للضغط على أصحاب
السلطة والصلاحية للحصول على هدف معين. فالنقابات العمالية، وغرف التجارة
والصناعة، والجمعيات المهنية، جمعيها تعتبر مجموعات دفاعية.
مجموعات الضغط/المصالح بمختلف أنواعها تمارس العمل المنظم للضغط على
الحكومة وإدارات الدولة والبرلمان والشعب. كما تحاول الضغط على وسائل
الإعلام.
عندما تتوجه مجموعات الضغط/المصالح للشعب فإنها تواجه الرأي العام الذي
يصعب السيطرة عليه وتوجيهه. ولذلك فإن مجموعات الضغط في الدول المتقدمة
تزيد من نشاطها أثناء فترة الانتخابات لكي تضغط على الرأي العام ليمارس
الشعب دوره من خلال الضغط على الأشخاص الذين سينتخبهم. وكثير من مجموعات
الضغط تعتمد على تمويل من عامة الناس ولذلك فإنها تسعى دائما لإقناع
الشعب بأهمية دورها. فهناك مجموعات ضغط تعني بحماية الفقراء، وهي تحتاج
لمساندة الناس دائما للاستمرار في دورها للدفاع عن الفقراء. و”الصناديق
الخيرية” تدخل ضمن هذا المجال.
المجتمعات الحديثة تعطي الحرية لجماعات الضغط لممارسة ادوارها المشروعة.
وتعتبر جماعات الضغط/المصالح من اهم ركائز المجتمع الديمقراطي. فهذه
الجماعات تمارس دورها لموازنة الأمور ومنع طغيان الماسكين بزمام السلطة
في البلاد.
Back to top |