ريك ستابنهرست
خبير في قطاع الإدارة ومكافحة الفساد، وأحد كبار موظفي البنك الدولي
دور وسائل الإعلام في مكافحة الفساد
يعرّف الفساد بأنه سوء استخدام السلطة وموقع المسؤولية من أجل المنفعة
الشخصية أو لمنفعة جماعة يدين لها الشخص بالولاء. وعادة ما يحدث الفساد
في أماكن التقاء القطاعين الخاص والعام عندما يستغل المنصب الحكومي
من قبل موظف يقبل أو يطلب أو يلجأ إلى التهديد والإبتزاز للحصول على
رشوة.
وتلعب وسائل الإعلام دوراَ حاسماَ في الدعوة إلى الحكم الصالح والسيطرة
على الفساد، فهي تساهم في توعية العامة عن الفساد وأسبابه ونتائجه وسبل
مكافحته ومعالجته، كما تبحث وتتقصى حالات الفساد وتنشر التقارير بشأنها.
وتعتمد فعالية وسائل الإعلام وكفاءتها على سهولة الحصول على المعلومات
وحرية التعبير كما تعتمد على الصحفيين من ذوي الكفاءة والنزاهة.
فيما يلي مجموعة من عينات الفساد التي ساهمت وسائل الإعلام في كشفها.
العينة رقم 1 : رؤساء الدول في أمريكا اللاتينية
الإكوادور
في حالة الرئيس عبدالله بوكرم أظهر تحقيق صحفي نشرته جريدة يومية في
الإكوادور كيف استولى الرئيس على أموال التبرعات التي جمعها في ايام
احتفالات عيد الميلاد لمساعدة الفقراء. ووسط الاستنكار والشجب الواسع
على مستوى البلد فقد قرر مجلس الشعب “الكونغرس” تنحيته من منصبه بسبب
“عدم اتزان قدراته العقلية”.
فنزويلا
أدى نشر تحقيقين صحفيين في جريدة “اليونيفرسال” اليومية الصادرة في
كراكاس إلى سقوط الرئيس كارلوس اندريس بيريز. حيث بيّن التحقيق الأول،
وبالاعتماد على مصادر موثوقة، كيف أساء الرئيس التصرف بمبلغ ١٧مليون
دولار من الميزانية المخصصة للطوارئ. كما أبرز التحقيق الثاني وثائق
من البنك المركزي ووزارة الخارجية، أشارت إلى أن الرئيس بيريز واثنين
من مساعديه كونوا ثروة تقدر بالملايين من خلال تحويل العملة الفنزويلية
إلى دولارات قبل تخفيض سعر صرف العملة الوطنية بوقت قصير. وبعد بدء
المشرعين الفنزويليين بإجراءات عزل الرئيس عن منصبه أجبر الرئيس بيريز
على تقديم استقالته.
البرازيل
وفي البرازيل ، أدى نشر تحقيقات صحفية في عدة جرائد إلى رحيل الرئيس
فرناندو كولور دامللو من منصبه. ففي أوائل 1991 استخدم أحد الصحفيين
كلمة السر(والتي حصل عليها من أحد أعضاء مجلس الشيوخ) للدخول إلى
ملفات وزارة المالية واكتشف بأن أموالاً مخصصة للصدقات وزعت على زوجة
الرئيس وأفراد أسرتها وأقاربها. وفي السنة التالية وبعد أشهر من محاولات
تجنيد أخ الرئيس كولور كمصدر للمعلومات، نشرت إحدى الجرائد مقابلة
اتهم فيها بدرو كولور، أخ الرئيس، المسؤول المالي في الحملة الرئاسية
باولو سيزار فارياس بإدارة عصابة لبسط النفوذ تبلغ ميزانيتها العديد
من الملايين وذلك نيابة عن الرئيس كولور. وقد قام مجلس الشيوخ بتشكيل
لجنة للتحقيق في هذه الاتهامات. وأثناء جلسات الإستماع التي عقدتها
هذا اللجنة توالت التقارير الصحفية بشأن حالات الفساد، والتي اعتمدت
على وثائق متنوعة تشمل تقارير بنكية، وشيكات ملغية وتسجيلات تلفونية
وأيضاً صور فوتوغرافية للسكن الشخصي الفاخر للرئيس. وقد تم الاعتماد
أيضاً على مقابلات مع مسؤولين رسميين كبار في الدولة ومساعديهم حيث
تعززت صورة أكثر وضوحاً عن وجود فساد مستشر في الأوساط العليا لإدارة
الرئيس كولور.
وفي الأخير تبين أن مدير الحملة الرئاسية ابتز أكثر من 55 مليون دولار من شركات
مقابل معاملتها معاملة خاصة من قبل الحكومة، ومن هذه المبالغ تم تحويل 8 ملايين
دولار إلى حساب الرئيس كولور الخاص. وفي نهاية العام ووسط استنكار شعبي واسع تنحى
كولور عن السلطة قبل يوم واحد من تقديمه لإجراءات العزل.
الفساد في أوساط الموظفيين الرسميين:
إن أوضح الأمثلة على قدرة الصحافة على محاربة الفساد والحد من انتشاره
نراها عندما يفقد السياسيون وكبار المسؤولين وظائفهم كنتيجة للسخط
الشعبي أو بدء اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم والتي تأتي بعد قيام الصحف
بنشر تقارير حول الفساد دونما خوف. وليس من الصعوبة أن نجد أمثلة
على هذه النتائج خصوصاً في أميركا اللاتينية حيث أدى الارتفاع الحاد
في نشر التقارير الصحفية عن الفساد إلى الأطاحة بثلاثة من رؤساء الدول
على الأقل (العينة رقم 1).
ولم تقتصر التقارير والتحريات الصحفية على فساد رؤساء الدول فحسب، بل
طالت أيضا وزراء ونواب في البرلمان (إنظر العينة رقم 2) حيث أدت هذه
التقارير في نهاية المطاف إلى فقدان هؤلاء لوظائفهم.
العينة رقم 2: سياسيون أخرون:
كولومبيا
في كولومبيا قدم وزيران استقالتيهما في منتصف 1977 بعد نشر صحيفة أسبوعية
محادثة تليفونية سجلت سراً تفاصيل مناقشتهما لخطة الرئيس في ذلك الوقت
إرنيستو سامبر، لمنح أصدقائه عقود إدارة نصف عدد المحطات الإذاعية
الحكومية في البلاد.
كما لقيت أخبار أخرى نشرت عن علاقات وصلات تربط بين سامبر نفسه وعصابات
المخدرات اهتماماً دولياً. وبالرغم من أن الرئيس الكولومبي اجتاز بنجاح
محاولات عزله من منصبه وأكمل فترة رئاسته إلا أن التحقيقات والتقارير
الصحفية أدت إلى استقالة وزير دفاعه واعتقاله، كما يسود اعتقاد بأن
هذه التقارير كلفته باهظاً من حيث الدعم السياسي المحلي والدولي.
الولايات المتحدة ...حالة دان روستنكاوسكي:
وكمثال آخر، فقد النائب دان روستنكاوسكي وظيفته كعضو في مجلس النواب
الأميركي بعد أن نشرت صحيفة شيكاجو صن تايمز جملة من التحريات والتحقيقات
عنه خلال فترة سنتين ونصف. وقد بينت هذه التحقيقات كيف استطاع روستنكاوسكي
من خلال موقعه كرئيس للجنة الوسائل والطرق، الواسعة النفوذ، الاستيلاء
على مئات آلاف الدولارات دون وجه حق من مصادر تمويل حملته الانتخابية
ومخصصات الكونجرس. وقد ساعدت تلك التقارير في إدانة روستنكاوسكي في
مايو عام 1994 كما أدت إلى هزيمته في الانتخابات في نوفمبر عام 1994.
وقد أقر روستنكاوسكي بذنبه في تهم الفساد الموجهة له في ابريل 9 عام
1996 م..
العينة رقم 3: مساهمة المؤسسات الدولية في الفساد
كينيا: فضيحة عام 1996م
سلطت صحافة كينيا المستقلة الأضواء على صفقة أدوية للملاريا لصالح وزارة
الصحة ممثلة بوزيرها دونالد كيموتاي. وقد نشرت الصحافة بأن هذه الأدوية
سيتم شراؤها من شركة أجنبية بثمن أكبر بكثير من سعرها في السوق المحلية.
وقد تفجرت هذه الفضيحة أثناء زيارة فريق صندوق النقد الدولي في نيروبي.
وقد مارس ذلك الفريق ضغطاً على الحكومة لكي تتخذ إجراءاًما بشأن هذه
القضية. و تبعاً لذلك تم نقل كيموتاي إلى موقع آخر كرئيس لشركة تنمية
التجارة و الصناعة. و لم يتم طرده من العمل إلا بعد إصرار صندوق النقد
الدولي.
دفع الجهات الرسمية إلى إجراء التحقيقات و التحريات
البيروقراطيين و المسؤولين الحكوميين من مناصبهم فإنها في بعض الأحيان
تضع البذور الأولى التي تدفع الجهات الرسمية إلى أن تبدأ تحقيقات رسميه
خاصة بها.
كما تلعب التقارير التي يرفعها الصحفيون أحيانآ دوراٌ حيويآ في تعزيزفعالية الأجهزة
المضادة للفساد. إن مجرد كتابة التقارير المنتظمة و المفصلة عن عمل و نتائج التحريات
التي تقوم بها تلك الأجهزة يعزز الرقابة الشعبية عليها ومن ثم يحمي استقلاليتها
من تأثير مراكز النفوذ و المصالح الخاصة ضمن تركيبة السلطة و التي عادة ماتكون
في موقع يؤهلها للتدخل في عمل تلك الأجهزة.
العينة رقم 4: وسائل الأعلام كرادع يضمن نزاهة أجهزة محاربة الفساد
في الدولة.
مدينة ديترويت
وكمثال على كيفية تأثير وسائل الإعلام على سير أجهزة مكافحة الفساد
في الدولة وضمان نزاهتها (وهي في هذه الحالة السلطة القضائية) نستشهد
بحدث جرى في مدينة ديترويت الأميركية عام 1981 م. فقد أجرت محطة راديو
محلية تحقيقات عن الفساد والانحرافات في المحكمة الخاصة بحالات الإفلاس،
مما أدى إلى تنحية عدد من القضاة والمحامين وبعض المسؤولين، كما أجريت
تغييرات في طريقة استلام القضاة للحالات القضائية. وأدت تلك التقارير
في الوقت نفسه إلى بدء تحقيقات أخرى من قبل مكتب التحقيقات الفدرالية
وتكوين لجنة محلفين فدرالية.
قضاة بلدية مونتريال
وكمثال آخر، أقل دراماتيكية، نورد مثال قيام صحيفة مونتريال جازيت بنشر
تقارير عن أخلاقيات وسلوكيات العمل لدى قضاة محكمة بلدية محلية، بعد
تسببهم في تأخير إصدار أحكام في عدد من القضايا وإضافة أعباء على
مجمل النظام القضائي. وقد أدت تلك التقارير إلى اهتمام وزير العدل
في الولاية، الأمر الذي دفعه إلى تعيين رئيس جديد للمحكمة وإعطائه
صلاحيات اتخاذ إجراءات ضد القضاة بما يضمن سرعة التعامل مع القضايا
وإصدار الأحكام فيها. وكما نرى فقد أدت تقاريرالصحيفة إلى تعزيز محاسبة
السلطة القضائية وبالتالي إلى زيادة فعاليتها وكفاءتها كأداة لمحاربة
الفساد، بالإضافة إلى محاربة أشكال أخرى من الانحرافات
التأثير على الرأي العام لجعله أكثر عداءاً للفساد في الجهاز الحكومي.
وحتى عندما لاتؤدي التقارير الصحفية عن الفساد الصارخ والسلوكيات التي
تثير التساؤلات من قبل الشخصيات الحكومية والعامة مباشرة، إلى عقوبات
مثل الإدانة القضائية والتقديم للمحاكمة أو العزل من الوظيفة، فإن هذه
التقارير تساعد على تشكيل الرأي العام وزيادة عدائه للفساد مما يؤدي
إلى نتائج مثل الهزائم الإنتخابية للمتورطين في أنشطة الفساد من السياسيين
أوهزيمة حكومة بأكملها (إنظر العينة رقم 5).
الضغط نحو تغيير القوانين والأنظمة التي تخلق مناخاً مناسباً وراعياً
للفساد.
العينة رقم 5: التأثير على الرأي العام
الفساد في كندا
أدت تقارير نشرت عن السلوكيات المثيرة للشكوك الأخلاقية والقانونية
لدى أعضاء في حكومة رئيس الوزراء الكندي السابق برايان ملروني من
جانب الحزب التقدمي المحافظ إلى مثول عدد منهم أمام المحاكم بتهم
الفساد. كما أدت تلك التقارير أيضاً إلى الهزيمة الانتخابية غير المتوقعة
لذلك الحزب تحت قيادة خليفة ملروني السيدة كيم كامبل عام 1993م. ففي
تلك السنة وجدت السيدة كامبل نفسها تترأس حزباً فقد موقعه في مجلس
العموم الكندي وتحول من حزب حاكم يحتل الأغلبية المطلقة من المقاعد
في مجلس العموم إلى حزب أقلية يحتل مجرد مقعدين في البرلمان.
إيطاليا
وسنجد تغييراً أكبر وأوسع صدى للخريطة السياسية في إيطاليا عقب تهم
ودعاوى بالفساد والرشاوي في سنة 1992م. ولم تؤد ما عرف بفضيحة” تانجنتو
بولي” إلى إصلاحات انتخابية وقضائية فقط وإنما كانت بداية لاستنكار
وسخط شعبي واسع ضد الأحزاب السياسية السائدة في ذلك الوقت، وخصوصاً
الأحزاب المسيحية الديمقراطية والاشتراكية والتي هيمنت على الساحة
السياسية في حكومات الائتلاف التي تلت الحرب العالمية الثانية. وقد
أدت مشاعر الغضب لدى الناخبين إلى إسقاط السياسيين المخضرمين في الانتخابات
التي أجريت على المستوى القومي. وكان من شأن التغطية الإعلامية الواسعة
للفضائح، أن قادت إلى إعادة تشكيل وصياغة الثقافة السياسية الإيطالية
Back to top |