من أجل استكمال الجوانب المتعلقة بتفاصيل الواقع العراقي ضمن مواد هذا العدد، طلبنا من عدد من المفكرين والكتاب وأساتذة الجامعات العراقيين، مدنا بتصوراتهم ووجهات نظرهم حول هذا الموضوع، سواء من خلال كتاباتهم المنشورة أو تعليقهم المباشر على مواد هذا العدد، فجاءت مساهماتهم على النحو التالي:

المؤسسات الاجتماعية و المجتمع المدني في العراق
د. فالح عبد الجبار
مدير معهد العراق للدراسات الإستراتيجية

ثمة فهم شائع وشائه للمجتمع المدني يقوم على حصره في “المنظمات الطوعية”، وهو فهم يضرب جذوره في المدرسة الأميركية التي ورثت هذه الرؤية عن أليكسي دي توكفيل صاحب كتاب “ الديمقراطية في أميركا”. والعالم العربي يتداول هذا الفهم دون أية مساءلة نقدية، ويفشل، بالتالي في إرساء قواعد للمجتمع المدني، متينة وفاعلة.
فهمنا للمجتمع المدني يعتمد على أربعة أركان، هي تباعا :
هو المجتمع التجاري، الذي يستقل فيه الاقتصاد أو إنتاج الثروة عن الدولة بوصفها جهازا للحكم، أي انفصال الاقتصاد عن السياسة (آدم سميث- ثروة الأمم)، غير أن هذا المجال الاجتماعي المستقل ليس جنة التصالح بل هو مجال مصالح متعارضة (هيجل – فلسفة الحق، ماركس – نقد فلسفة الحق).
المجتمع المدني يتمثل أيضا في المؤسسات الوسيطة التي تقف بين الفرد والدولة، وتتولى سلطات محدودة، تؤدي إلى نشر السلطة لا مركزتها، وإلى حماية الفرد من جبروت الدولة المركزية (مونتسكيو- روح الشرائع).
المجتمع المدني يتمثل أيضا في الاتحادات الاجتماعية الطوعية، غير القرابية. وإن نشوءها مرهون بوجود المؤسسات المذكورة في (1) و(2)، ولا يمكن لها أن تقوم في فراغ (إليكسيس دي توكفيل- الديمقراطية في أميركا).
أخيرا، هناك بعد رابع للمجتمع المدني هو نشوء مجال عام لتداول المعلومات غير المحتكرة سلعيا، تسمح بنشر آراء متعددة وتدقيقها، ونشر الشفافية (المدرسة الألمانية- أدورنو – هابرماس).

هذه أوجه مركبة، متداخلة للمجتمع المدني، نتخذها معيارا للقياس والتحليل والاستدلال.

الحقل الأول : المجتمع المدني في العراق

تطورت نبتات المجتمع المدني الحديث في العراق منذ إصلاحات مدحت باشا (1872)، وتواصلت في العهد الملكي (1921- 1958)، بوتيرة متسارعة. وكانت في الواقع عملية تحديث لمجتمع زراعي انتقل من أشكال التنظيم القرابية التقليدية، كالقبائل والعشائر، وبيوتات الأشراف والأعيان، والأصناف الحرفية، إلى مجتمع يعتمد معايير الثروة والتعليم الحديث، من دون أن يفقد ماضيه التقليدي بالمرة. فهو مجتمع انتقالي، تتجاور فيه الطبقات الحديثة، مع الفئات التقليدية، وتقع بين الاثنتين فئات وسيطة تحمل شيئا من هذا وذاك.
ترعرعت طبقة من التجار والصناعيين والمصرفيين والمقاولين في قطاع خاص، على أساس اقتصاد السوق، وباتت قوة مجتمعية يحسب لها حساب. كما نشأت قبلها طبقة قوية من كبار ملاك الأرض.
وأدت عمليات التحديث، أيضا، إلى نشوء طبقات وسطى تعتمد بالأساس التعليم الحديث، مثلما تعتمد على الملكية ورأس المال في جانب. وتبلورت طبقات عاملة في الصناعات الحديثة، وطبقة فلاحية معدمة في الأرياف.
بإزاء نشوء الثروة الاجتماعية كمجال مستقل نسبيا، نمت أيضا اتحادات وجمعيات وحركات اجتماعية، تعبر عن هذه المصالح، وتذود عنها، ضاغطة على المجال السياسي. وبموازاة ذلك أيضا، ازدهرت بشكل نسبي صحافة ومجال معلوماتي غير حكومي.
عملية التطور هذه انقطعت في حقبة الحكم العسكري “الثوري” (1958 – 1968)، وتشوهت تماما في حقبة الحكم الشمولي (1968 – 2003).

الحقل الثاني : تفكيك وابتلاع المجتمع المدني

جرى تفكيك المجتمع المدني بقواه ومنظماته تباعا، بدفع من ميول تنموية أو اشتراكية تتمركز حول الدولة كفاعل رئيسي في عملية التحديث.
فأولا جرى إضعاف مؤسسة الملكية الخاصة بتحولات ابتدأت بالإصلاحات الزراعية التي قوضت الملكية العقارية الكبيرة، ومرت بتأميمات الرأسمال الخاص (1959 و 1964 تباعا).
بموازاة ذلك، توسع دور الدولة كمالك ومنتج اقتصادي، تعويضا عن ضعف الرأسمال الأهلي، من جانب، ومسخا له من جانب آخر. وبذلك حُذفت قوة اجتماعية، هي نواة انفصال واستقلال المجال السياسي عن الاقتصادي.
الواقع أن زحف الدولة على مجالات المجتمع المدني، اتخذ أبعادا قصوى في العهد الشمولي (1968 – 2003). فهذه الدولة الشرهة، بسطت سيطرتها على الحياة الاقتصادية، مالكا ومنتجا. وكان نشوء الاقتصاد الأوامري أحد تجلياتها. وقد تحقق لها ذلك بفضل الفورة النفطية.
وعززت الريعية النفطية قدرة الدولة على امتلاك موارد هائلة مستقلة عن المجتمع، والقدرة على رشوة فئات اجتماعية واسعة، بل أمكن لها إعادة هيكلة طبقات رجال الأعمال المهمشة، وحذف عناصر منها على أساس ديني أو جهوي أو إثني. وتمكنت من خلق مزيج من رأسمالية قرابية (أقرباء النخب الحاكمة) ورأسمالية خاضعة، فقدت مبادراتها السياسية، واعتمدت على الدولة كزبون، ومانح للعقود.
وأمكن لهذه الدولة، بفضل ريوع النفط، من أن توسع الطبقات الوسطى المعتمدة على الراتب، وأن تحقق لها ازدهارا بينا، في جانب، وأن تخضع جل هذه الطبقات لأيديولوجيا الدولة.
وفي هذا المجال ابتلعت الدولة أو أزالت كل الاتحادات الطوعية للطبقات الوسطى والعاملة، وألحقتها بنظام الحزب الواحد.
أخيرا، هيمنت الدولة الشمولية على مجال إنتاج وتوزيع الثقافة، بما في ذلك وسائل المعلومات والتدخل حتى في لغة التخاطب والاتصال.
هذا الإفراغ المستمر لكل مؤسسات المجتمع المدني جرى في ظل نظام شمولي تندمج فيه السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في هيئة عليا (مجلس قيادة الثورة)، مما أسبغ على السلطة، في البدء، طابعا شديد التمركز، ثم أسبغ عليها طابعا فرديا

الحقل الثالث : الأزمة وعواقبها

لا نغالي إذا قلنا إن الريوع النفطية ساعدت في بناء وإرساء النموذج الشمولي، وأمدته بالوسائل اللازمة لانتصار الدولة على المجتمع المدني وتفكيكها إياه. غير أن الحرب العراقية – الإيرانية، أضعفت، بالتضافر مع انهيار أسعار النفط، هذه القدرات الهائلة للدولة الشمولية، فقلصت إمكاناتها على تمويل الضمان الاجتماعي والخدمات الاجتماعية، كما أرغمها على البدء بإصلاح إداري، ثم فك جزئي للاقتصاد الأوامري ولم تعد بقادرة على إدامة أجهزة عسكرية وأمنية ضخمة (جيش بنصف مليون، وأجهزة أمنية بنحو ربع مليون، وجهاز إداري يناهز المليون). إن الريعية النفطية قوة عاتية بمعنيين : ثروة مجتمعية قابلة للإسهام في التنمية، وقوة قمعية قادرة على بسط جبروت النخبة الحاكمة. وقد قامت فعلا بهذين الدورين معا.
غير أن الأزمة التي احتدمت في أعقاب الحرب العراقية - الإيرانية، ثم في أعقاب حرب الخليج (1990- 1991)، والحصار العاتي، أدت إلى نشوء وضع فريد : دولة شمولية ضعيفة، ومجتمع مدني منهك، بل ومحروم من مؤسساته.
في هذا الوضع من الفراغ النسبي، نمت شبكات القرابة، وأشكال التنظيم القبلي، لتسد محل مجتمع مدني مغيّب. وبرزت شبكات التضامن المحلي في صورة إعادة تنظيم للدين الشعبي حول الجوامع والشخصيات الدينية.
قامت هذه الشبكات، التي شجعتها الدولة، على ملء الفراغ وتقديم خدمات الأمن (الحماية الذاتية)، والقضاء القائم على الأعراف (بعد انهيار أجهزة القضاء والشرطة)، علاوة على التعاضد الاجتماعي (إسعاف الفقراء، الأيتام، العاطلين الخ..).
ارتبطت هذه المؤسسات التقليدية بإحياء القبائل، وهي جزئية تقوم على فكرة الانتساب بالدم (أيديولوجيا النسب) لا على فكرة المواطن، وبات شيخ القبيلة شخصية اجتماعية بارزة من جديد، بعد أن كاد النسيان يطويها في بلد كان يعدّ، منذ القرن التاسع عشر مقبرة القبائل.
وارتبطت المؤسسات التقليدية أيضا بالشيوخ الدينيين وأئمة الجوامع والمجتهدين (الشيعة)، وهي أيضا تقوم على الروابط المحلية، والدينية، وتقترن بنشر رؤى اجتماعية – سياسية ذات منحى أصولي في بعض الأحيان (كالوهابية والخمينية).
لم تعد الدولة الشمولية راعيا اجتماعيا بعد أن قامت بتأجير الخدمات الصحية والتعليمية، ولم تعد منتجا رئيسيا، لكنها بقيت محتفظة بأجهزة العنف المشروع، متقاسمة السلطة مع القوى ما قبل الحديثة التي أطلقتها.
لقد تحرر المجتمع، جزئيا، من سيطرة دولة ميّالة إلى الاحتكار المطلق، لكن أفراده بقوا بلا مؤسسة مدنية.
لقد نمت طبقة رجال أعمال عليا، نموا واضحا. فعدد أصحاب المليون ( ممن توفروا على إيراد يناهز المليون خاضع لضريبة الدخل) بلغ مثلا 54 في نهاية العهد الملكي، ليرتفع إلى نحو 800 عام 1980، وإلى نحو 3000 بنهاية الحرب العراقية – الإيرانية (1988).
غير أن هذه الطبقات بقيت مفككة قطاعيا، وبقيت منقسمة إلى جماعات قديمة وحديثة، ذات ارتباط قرابي بالنخب الحاكمة، أو ارتباط بأجهزة المخابرات ( ما يسمى برأسمالية العباءة والخنجر).
أما الطبقات الوسطى التي نمت من 28 % عام 1958 إلى 34% عام 1968، فقد بلغت 54% من سكان المدن (عام 1990). غير أن هذه الطبقات فقدت مكانتها، وانهارت أجزاؤها المعتمدة على الراتب انهيارا مدويا خلال عقد التسعينات، وباتت ركاما من فئات مهمشة.
ولعل طبقة المهمشين الحضر التي بلغت 8% في عز الفورة النفطية في السبعينات، قد توسعت الآن توسعا هائلا.
خرج المجتمع المدني من الحرب الأخيرة، إذا، فاقدا للمؤسسات والروابط الحديثة، فاقدا لثقافته الحضرية – العلمية، منغمسا في شبكة الروابط القبلية – الأسرية والدينية الأصولية، مشبعا بقيم العنف، بعد ثلاث حروب عاتية.
لا نغالي، إذا قلنا، إن بناء المجتمع المدني مجددا، سيبدأ مما يقرب من الصفر، في ظروف احتلال أجنبي لا يحظى بأي سند داخلي، بل تشتبك معه جل القوى المجتمعية في صراع سياسي مدني وسلمي لانتزاع الاستقلال الوطني.

أخيرا

إن المؤسسات التقليدية الحالية تقوم مقام مجتمع مدني مغيّب، وإن بقاءها أو تراجعها رهن بمدى النجاح في إرساء هياكل سلطة وطنية، وإعادة تأهيل مؤسسات المجتمع المدني، بأوجهها الأربعة : مؤسسة الملكية الخاصة المنفصلة عن الدولة، والمؤسسات الوسيطة والاتحادات الطوعية، ومجال المعلومات العام، المفتوح والشفاف.
ولن يتحقق مثل هذا البناء من دون قاعدته الأرأس : تحويل إنتاج الثروة إلى مجال اجتماعي مستقل عن الدولة، وبخاصة الريعية النفطية إلى ثروة بناء اجتماعي لا قوة قمع دولية.

المساءلة؟ أم عبادة الشخصية؟

نـزار حيدر
مدير مكتب الإعلام العراقي في واشنطن

إن المساءلة، هي حجر الزاوية في بناء النظام السياسي الصالح، لأن ترك المسئول يمارس السلطة بعيدا عن أعين الناس، ومن دون مساءلة أو رقيب، سيشجعه على إساءة التصرف بها، ما ينتهي في أغلب الأحيان إلى الفساد والطغيان. لا يمكن أن نتصور نظاما سياسيا صالحا، من دون مشاركة شعبية حقيقية، تتجلى في المراقبة والمساءلة، ولا يمكن أن نتصور مشاركة شعبية فاعلة، في ظل انتشار ظاهرة (عبادة الشخصية) في أي مجتمع ، فهذا المرض يعفي الحاكم او الزعيم من تحمل نتائج أخطاءه وتصرفاته المنحرفة مما ينمي عنده روح التعالي والاستبداد.
“عبادة الشخصية” مفهوم يشير الى تمجيد الحاكم بصورة مطلقة واضفاء صفات القداسة عليه من خلال اعتبار كل ما يقوم به صواباً لا يمكن تخطئته او الرد عليه. يضفي هذا المفهوم على شخصية الحاكم صفة المنقذ او المخلص الذي ينقذ شعبه من الجهل او الفقر او الاستعباد او الاعداء الخارجيين. وهكذا تؤسس “عبادة الشخصية” لمبدأ تفوق الحاكم وابويته مقابل دونية الشعب وقصوره بحيث يظهر هذا الاخير قاصراً كالطفل الذي لا يمكن ان ينمو بصورة صحيحة دون رعاية الحاكم وإرشاده. وتهدف “عبادة الشخصية” الى تكريس فكرة استحالة الاستغناء عن الحاكم “المعبود” وعدم جواز مراقبته ومساءلته. وهناك عوامل عديدة تساهم في شيوع “عبادة الشخصية” اهمها وجود اعلام وثقافة احاديين تمجدان شخص الحاكم، وضعف الوعي الديموقراطي وغياب المؤسسات الرقابية الجادة.
ايضاً، للتربية الحزبية الشمولية دورٌ كبيرٌ في استفحال مرض (عبادة الشخصية) اذ تكرس هذه التربية لدى الأعضاء الالتزام المطلق بنظرية (نفذ ولا تناقش)، وتعليمهم أن الزعيم شخصية متكاملة لا يمكن أن تخطىء وبالتالي فلا داعي لمراقبته أو مساءلته، خاصة في التنظيمات ذات القيادة (الدينية) أو (العشائرية)، أو تلك التي تستنسخ تجارب اليسار في المعسكر الشرقي المنهار. وهناك تناسبٌ عكسيٌ بين المساءلة والجهل، فكلما كانت نسبة الأمية والجهل عالية، كلما خبت فاعلية المساءلة، والعكس هو الصحيح، فالمجتمع الجاهل والأمي اكثر استعداداً لان ينظر بقدسية إلى الزعيم وتنزيهه عن الخطأ ما يؤدي إلى تخلي المواطن عن حقه في المساءلة.
أضف إلى ذلك، تلغي (عبادة الشخصية) كل محاولات صناعة الرأي العام التي تبذلها مؤسسات المجتمع المدني، والإعلام الحر، إذ أن كلمة واحدة من (معبود الجماهير، الزعيم الموهوب) قادرة على نسف تأثير مئات المقالات والحوارات، ولذلك، لا نجد في البلاد التي تبتلي شعوبها بهذا المرض، معنى للرأي العام، لان كلمة الزعيم تبقى هي العليا، لا يمكن صناعة رأي عام مستقل ازاءها.
يُعد مرض “عبادة الشخصية” أخطر عدو للمساءلة ولبناء نظام ديموقراطي حقيقي وتبتلى بهذا المرض عادة الشعوب التي ترزح تحت نير الأنظمة الشمولية كنظام صدام حسين، وهكذا لا بد من مواجهة هذا المرض ونسف كل مرتكزاته من خلال تشجيع التعددية في الرأي والسماح بتدفق المعلومات بحرية. كذلك لا بد من تكريس ثقافة المساءلة التي تقوم على اعتبار المساءلة واجباً دينياً ووطنياً يتوقف عليه صلاح النظام السياسي.
ليس مرض “عبادة الشخصية” حكراً على المجتمعات السياسية ومؤسسات الدولة فقط بل نراه ايضاً في المجتمعات الدينية، اذ يتضخم هذا المرض في هذه المجتمعات اكثر لأسباب كثيرة، منها، نوع الثقافة التي رسخها سلاطين المسلمين والتي تقول بأن الحاكم هو ظل الله في الأرض، فكيف يجوز إذن محاسبته ومساءلته؟ كما أن كل موظف يعينه السلطان هو ظل الله في الأرض بالنيابة أو بالواسطة. كما يحول اختلاط مفهومي التقديس والاحترام عند الناس دون مساءلة الحاكم، فبينما يعني التقديس طاعة السلطان على كل حال، فان الاحترام يعني تقدير علمه وعمله الصالح، دون أن يستتبع ذلك إتباعه بعيون مغمضة.
في الحقيقة تكشف قراءة واعية للتراث الاسلامي ان الاسلام الحقيقي وقف بحزم ضد عبادة الشخصية. فعندما وقف ذلك الأعرابي أمام رسول الله (ص) ليسأله عن دينه، ارتعبت فرائصه، ظنا منه أنه يتكلم مع حاكم جبارسيعاقبه إذا غضب عليه، فبادره الرسول (ص) مطمئنا بقوله؛ (ويحك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد). وينقل لنا التاريخ عدم تميز الرسول الكريم عن الناس قيد أنملة، ولذلك عندما كان يدخل عليه زعماء العشائر في مجلسه العام مع أصحابه، لم يكن بامكانهم تمييزه عنهم بلباسه أو بطريقة جلوسه، فكانوا يسألون (أيكم محمدا). وكان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يحرض الناس على مساءلته والنصيحة له، زارعا فيهم الجرأة على السلطان حتى لا يتردد الناس في مساءلة الحاكم، كما كان (عليه السلام) يعلم الولاة فن المكاشفة مع الناس، لحث الناس على المساءلة، فكان يرفض أن يدبر ولاته أمورهم بليل، ولم يقبل منهم التدليس وشجعهم على المبادرة بمكاشفة الناس وقبول مساءلتهم ، فكتب يقول إلى مالك الاشتر عندما ولاه مصر يحثه على المبادرة علناً إلى توضيح ظنون الناس السيئة به، حتى قبل مواجهتهم له، {وان ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك، وأعدل عنك ظنونهم باصحارك، فان في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقا برعيتك، واعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق}.
ان لاستغلال بعض (رجال الدين) طيبة وبساطة الناس وإيمانهم الكبير بالدين واحترامهم لعلمائه، دوراً في تكريس مرض عبادة الشخصية، الذي ينسف مبدأ المساءلة من جذوره. وإذا أردنا أن نحيي مبدأ المساءلة من جديد لندفع الناس إلى المشاركة الفعلية والحقيقية في الشأن السياسي العام، علينا أولا أن نصحح المفاهيم الخاطئة التي عشعشت في أذهانهم، وأولها (عبادة الشخصية) إذ يلزم أن يفهم الناس بأن ذلك ليس من الدين أبدا، والذي واجه ذلك أشد مواجهة، لأنه يعطل دور الإنسان ويحجر على عقله ويحوله إلى عبد ذليل يتبع الحاكم بلا بصيرة، كما أنه يرسم سقفا للناس، يخشون تجاوزه، فيظلون يعيشون تحته.
كما يلزم إحياء مبدأ المسؤولية ونسف الاتكالية والاعتماد على الآخر في إدارة البلاد، وترديد المقولة السيئة (ما لنا والدخول بين السلاطين) أو (ضعها برأس العالم، واخرج منها سالم)، وغيرها من الأمثلة التي تعبر عن واقع ثقافي سئ، والتذكير بأن الإنسان (كل إنسان) مسؤول عن كل ما يجري حوله، ليس في الآخرة فقط، وإنما في الدنيا كذلك، ولذلك جاء في الحديث الشريف (ملعون ملعون من بات شبعانا وجاره جائع) هذا يعني أن كل مواطن، وليس الحكومة فقط، مسؤول عن الحالة المعيشية للمواطنين الآخرين، الأقرب فالأقرب.
إن المسؤولية هي روح المشاركة، والمساءلة إطارها الصحيح ، ولذلك حث القران الكريم العباد على التحلي بروح المسؤولية، بقوله (إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسؤولا) وهذه الجوارح هي التي تشكل مركز ثقل الإنسان وما يمارسه في هذه الحياة الدنيا. كما أن لإعادة الاعتبار إلى مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ــ والذي يعني ممارسة المواطن حقه في الإشارة بإصبعه إلى أخطاء الحاكم ــ دوراً في بث مبدأ المساءلة في نفوس الناس، لأنه المبرر الحقيقي والصالح لدفع الناس إلى ذلك، ولأنه ليس في هذا العالم من يحرم تطبيقه عليه.

الإعلام العراقي بين نظامين

شكرية السراج
أستاذة إعلام في جامعة بغداد

من المعروف أن للإعلام دور كبير في عالمنا المعاصر بسبب التطور التقني لوسائل الاتصال وبسبب مكانة الثقافة والإعلام كوظائف تتصل بميادين متعددة من الحياة. وإلى جانب دورها التقليدي، فإن أجهزة الإعلام تؤدي مجموعة وظائف أساسية، ذات تأثيرات متنوعة، سواء على الفرد او الجماعة، ومنها وظيفة الإخبار والاستعلام والتعليم والترابط بين المجتمع والترفيه والرقابة والترويج فضلاً عن تكوين الآراء والاتجاهات.
إلا أن أيا من هذه لم تكن وظيفة الإعلام العراقي في ظل نظام صدام حسين، فقد كان إعلاما مركزيا موجها من قبل مكتب الثقافة والاعلام القومي لحزب البعث العربي الإشتراكي الذي كان يرئسه ويدير اجتماعتهِ صدام حسين، ومن خلاله تصدر التوجيهات والتعليمات إلى عموم أجهزة الثقافة والإعلام في العراق.
أما رؤساء تحرير الصحف اليومية الأربع الصادرة في العراق (الجمهورية،الثورة،العراق،القادسية) فقد كانوا أعضاء في ذلك المكتب بصورة معلنة. وكانت سياستهم تلخص في العبارة التالية : يمكنك أن تمسك بالقلم الذي يعجبك لكنك لن تكتب سوى ما نمليه عليك فقط .
وفي العموم كان عمل الإعلام العراقي يستند إلى الركائز الأساسية للفلسفة السياسية لحزب البعث الذي يقود السلطة في العراق ولا تنفصل هذه الاستراتيجية عن الخطة القومية الشاملة في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والحياة العامة للمواطنين.
وفي مثل هذا الوضع كان من الطبيعي أن يكون الإعلام العراقي إعلام تقليدي مليء بالعموميات، ذو أسلوب ثابت ولون واحد، رغم أنه يعمل في نسيج بيئة اجتماعية وحضارية متعددة الألوان والمستويات الثقافية ..
وقد حاول النظام أن يوحي للناس بأن الإعلام يقوم بدور رقابي على أعمال الحكومة من خلال شعارات حزبها الواحد (حزب البعث) المقولة الملونة المكتوبة بخط كبير وواضح على جدارية كل مؤسسة اعلامية (( أكتبوا بلا تردد أو خوف سواء كانت الدولة راضية أم غير راضية ))، أو من خلال تخصيص صفحات أو زوايا في الصحف اليومية المحلية، تحمل عنوان رقابة شعبية، إلا أن هذه كانت محاولات للتمويه، الهدف منها خدمة النظام السابق وإطالة أمد بقاءه.
أما التعامل مع الصحفيين ورجال الإعلام في ظل النظام المخلوع فقد كان يتم بطريقتين. الأولى ناعمة وودية وكانت مع الصحفيين المرضي عنهم، الذين ارتضوا أن يخونوا مبادئهم وقلمهم، وهؤلاء كانوا من خدم النظام والمقربين من السلطة، وأغلبهم لم يكونوا من الأسرة الصحفية بل مفروضين عليها. والطريقة الثانية هي القمع والملاحقة والسجن والتصفية، وكانت من نصيب الصحفيين الشرفاء أصحاب المبادىء. t
وعلى سبيل المزحة تم إجبارنا في انتخابات مجلس نقابة الصحفيين أن ننتخب عدي صدام حسين (صحفي القرن) أي قرن الحادي والعشرين وكنا نخاف أن لا نضع إشارة صح على الإسم لأن هناك من أشاع بيننا أن الخطوط ستحلل وسيعرفون من الذي لم ينتخب .. ومرةُ، تحدثت، أنا كاتبة المقال، في صمت لزميلتي كيف يمكن لعدي صدام حسين أن يرشح نفسه لمنصب نقيب الصحفيين والنظام الداخلي للنقابة ينص على أنه لا يجوز الترشح للنقيب إلا لمن تجاوزت مدة خدمته في العمل الصحفي عشر سنوات وهو ابن العام الماضي وبعيدا عن الاختصاص .. قالت بصمت موجع خائف: كيف تقولين ذلك، ألا تريدين العودة إلى بيتك اليوم .. أطفالك في انتظارك .
بعد زوال نظام صدام، تنسم الإعلام والإعلاميون نسيم الحرية، وراح المواطنون من مختلف الاتجاهات يصدرون وسائل الإعلام الخاصة بهم، من دون قيود. وبعدما كان الشعب العراقي تعود أن يرى طوال 35 عاما أربع صحف محلية يومية والأربع أشبه بصحيفة واحدة، هناك الآن أكثر من مئتي صحيفة ومجلة، بالإضافة إلى عدد كبير من الإذاعات والمحطات التلفزيونية.
ورغم السلبيات التي قد تصاحب مثل هذا الوضع، إلا أن الإعلام العراقي يسير في الطريق الصحيح ألا وهو طريق الحرية والديمقراطية والتي من مظاهرهِ الصحافة الحرة.
فالإعلام حاليا وبسبب الأوضاع الراهنة يركز على القضايا الأساسية التي تهم المجتمع وقد أخذ دوره بشكل كبير في مراقبة الحكومة والأجهزة التنفيذية حيث بدأت الصحف وبشكل واضح تنشر سلبيات الوزارة الفلانية والوزير الفلاني دون خوف وتشيد بالوزارة الفلانية وتعلن عن عدم نزاهة الوزير الفلاني. إن هذا لم يكن موجودا أو مألوفا في السابق .
إنني متفائلة جداً بمستقبل الإعلام في العراق وأجد أنه حقق الخطوة الأولى في طريق الصحافة الحرة، ألا وهي المشاركة الفعلية في الانتخابات السابقة ومن بعدها تأسيس الجمعية الوطنية ومن ثم التحليلات والتفسيرات والانتقادات حول كتابة الدستور في العراق.
وكي يواصل الإعلام نجاحه لا بد من الاعتماد على مبدأ توسيع الحريات في إطلاق المعلومات وتعميق الحوار الديمقراطي واشاعة النمو الإبداعي في التحليل والاستقصاء والتفسير واحترام تعددية الأفكار وتعددية الاجتهاد في المعالجات الصحفية والإذاعية مع ضرورة التفات وسائل الإعلام إلى تطوير إنتاجها من حيث المضمون والشكل .

Back to top