عرف العرب والمسلمون
في تاريخهم مبدأ “من أين لك هذا؟” وكان يقصد به مساءلة الولاة الذين
كان يعينهم الخليفة على الأمصار والأقاليم، ويعمدون خلال فترة توليهم
مناصبهم لاستغلال سلطتهم في الإثراء وجمع الأموال بطريقة غير مشروعة.
ورغم أن هذا المبدأ طبق لفترة قصيرة (ضمن فترة الخلافة الراشدة)، إلا
أنه كان أول مفهوم عربي وإسلامي يجسد فكرة المساءلة على صعيد المسؤولية
السياسية.
بالطبع لم يتم تطوير هذه الفكرة عبر التاريخ العربي الإسلامي الممتد لقرابة
14 قرنا، ولا يذكر لنا المؤرخون نماذج كثيرة طبق فيها مبدأ “من أين لك
هذا؟”، والسبب يعود في جانبه الأكبر إلى سيادة نمط الحكم الوراثي (الحكم
القائم على القوة والقهر، أو فيما يعرف بالملك العضوض) وتركز السلطتين
الدينية والزمنية في يدي شخص واحد أو مجموعة صغيرة من الأشخاص. الأمر
الذي جعل فكرة المساءلة والمحاسبة غير ممكنة من الناحية العملية، فضلا
عن عواقب المعارضة وما تمثله من مخاطر على أصحابها.
بيد أن المجتمعات العربية اليوم وإزاء واقع الفساد وغياب الحريات وتراجع
التنمية وزيادة حالات الفقر (كما تعكسها على الأقل تقارير التنمية الإنسانية
التي تصدرها الأمم المتحدة) بحاجة إلى تفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟” في
علاقتها مع حكوماتها، وتوسيعه كي يشمل جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية. كما تحتاج إلى الاستعانة بالتجارب الحية لعدد كبير من دول
العالم، التي طورت آليات الرقابة والمحاسبة سواء على مستوى الحكومة المركزية
أو الحكومات المحلية.
فالحكومات، والسلطات التنفيذية بعامة، من السهل أن تتحول إلى أنظمة استبدادية
وقمعية تتلاعب بمصائر شعوبها، وتبدد ثرواتها، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة
والفصل الواضح للسلطات. وعملية منع ذلك تتم بوسيلتين، الأولى من داخل
مؤسسات النظام السياسي نفسه، من خلال البرلمان والأحزاب والقضاء المستقل
ووضع الجهاز العسكري تحت السيطرة المدنية. والثانية من جانب المجتمع ومؤسساته
المختلفة، كوسائل الإعلام والمؤسسات غير الحكومية مثل النقابات والاتحادات
المهنية وجماعات أصحاب المصالح وغيرها.
أما كيف يمكن القيام بعملية الرقابة والمساءلة، فهذا ما يبحثه هذا العدد
وهو الثالث من أوراق ديمقراطية، والمخصص لمساءلة الحكومات.
ينقسم العدد إلى أربعة محاور، يعالج المحور الأول تجربة المساءلة وإقامة
حكم القانون في العالم العربي عموما، وفي ظل الحكومات العراقية المتعاقبة
منذ تأسيس الدولة عام 1921 خصوصا. ويعالج المحور الثاني أهم المفاهيم
المتعلقة بالمساءلة مثل الرقابة والتوازن بين السلطات، والشفافية واستقلال
القضاء، ودور الفيدرالية والحكومات المحلية، بالإضاقة إلى السيطرة المدنية
على القوات المسلحة.
أما المحور الثالث فيتناول دور مؤسسات المجتمع المدني في عملية الرقابة
على أداء السلطة التنفيذية، وكيفية قيام هذه المؤسسات بدورها، والشروط
الضرورية لعملها.
والمحور الرابع عبارة عن نماذج تطبيقية لآليات إجراء محاسبة علنية للمسؤولين
الحكوميين في عدد من دول العالم.
وكما في العددين اللذين سبقاه فإن هذا العدد يسعى هو الآخر إلى تقديم
مجموعة من الأفكار والخبرات والتجارب العالمية في مجال المساءلة، ووضعها
رهن تصرف العراقيين للاستفادة منها في عملية بناء الديمقراطية.
لكن بالنظر إلى حداثة التجرية العراقية، وكون البلاد قد خرجت للتو من
تحت نظام حكم ديكتاتوري ودموي استمر لقرابة أربعة عقود فإنه من غير المنطقي
توقع أن يتم تطبيق آليات المساءلة والرقابة في العراق كما هو الحال في
الديمقراطيات العريقة. فإضافة إلى حداثة التجربة، يوجد واقع اجتماعي عراقي
يتسم بالكثير من التعقيدات، وهو قادر في أحيان كثيرة أن يفرض منطقه وحساباته
الخاصة على السياسيين، مثلما على الناس العاديين. وبالتالي ربما يتطلب
الأمر مرور بعض الوقت، ريثما يتم ترسيخ مبادىء النظام الديمقراطي الجديد.
لكن المهم أن ثمة شعورعراقي عام تعكسه المناقشات داخل البرلمان وخارجه،
يؤكد على ضرورة الاستفادة من دروس الماضي، سواء تعلق الأمر بطبيعة نظام
الحكم أو بالسلطات الأخرى في المجتمع. وهناك إصرار على ضرورة تضمين مبدأ
المساءلة في الدستورالعراقي الجديد، وضمن القوانين المنبثقة عنه.
لقد عرف العراقيون من خلال تجربتهم الذاتية، أن ترك القوات المسلحة بأيدي
العسكريين قد يؤدي إلى الانقلابات العسكرية، وأن عدم وجود رقابة على أداء
السلطة التنفيذية ومحاسبتها يغريها بإساءة استخدام نفوذها ومن ثم التغول
على المجتمع، وأن عدم الاصرار على استقلال القضاء قد ينجم عنه أحكام اعتباطية
تصيب الجمبع بالضرر، وأن التهاون في حماية الحقوق الفردية والإنسانية
للمواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية أو الدينية أو الطائفية أو
القومية من شأنه أن يهدد حقوق الجميع.
ولذلك فإن ثمة أمل في أن المخاض العسير الذي يمر به العراق حاليا، قد
يكون القابلة لمجتمع جديد يوفر الأمن والحرية والعيش الكريم لمواطنيه
ويكون نموذجا قابلللاحتذاء من قبل شعوب دول الجوار
Back to top. |