إن الرقابة والتوازن بين السلطات ومساءلة الحكومات هي من المفاهيم
التي دخلت حديثا إلى قاموس التداول السياسي العربي، لكنها قلما وجدت
طريقها إلى أنظمة الحكم في البلدان العربية. ورغم أن دساتير هذه البلدان
تشير بوضوح إلى الفصل بين السلطات، وتبين مكانة كل سلطة ومجال عملها،
كما تؤكد على استقلالية القضاء ونزاهته، إلا أن الواقع العملي يقول
كلاما مغايرا.
فالنظام العربي السائد يقوم في الغالب على حصر السلطات في يد شخص واحد
(غالبا الملك أو الأمير أو الرئيس) أو مجموعة محدودة من الأشخاص ( الحزب
الحاكم أو الدائرة الضيقة المحيطة برأس الحكم).
وحتى في الحالات التي يسمح فيها بوجود مجالس تشريعية منتخبة، وجماعات
معارضة، فإن قدرة هذه المجالس أو تلك الجماعات على القيام بدورها الرقابي
يظل محدودا، بسبب هيمنة الحكومة على مصادر الثروة والسلطة في البلاد،
فضلا عن سيطرتها غير المحدودة على أجهزة الإعلام والجيش والشرطة وقوى
الأمن.
بالطبع يوجد اختلاف بين الدول العربية في نوعية الحكم، فبعضها وراثي
وبعضها حمهوري، كما يوجد اختلاف في درجات تطبيق الديمقراطية، فهناك
دول تجري فيها انتخابات منتظمة للمجالس التشريعية والبلدية، يمكن وصفها
بالنزاهة مثل الكويت ولبنان والبحرين والأردن والمغرب (رغم الشكاوى
من قوانين الانتخاب والتوزيع غير العادل للدوائر الانتخابية) ودول أخرى
يشك في نزاهة انتخاباتها مثل مصر واليمن وتونس والجزائر. وفي حين أن
هناك دول عربية تجري فيها انتخابات صورية مثل سوريا والسودان والعراق
(في عهد النظام السابق)، فإن هناك دول عربية لا تعرف الانتخابات مثل
ليبيا والسعودية وقطر والإمارات.
وبين الدول العربية يوجد اختلاف أيضا في درحات الحرية، فبعضها يسمح
بتشكيل أحزاب وإنشاء صحف حزبية ومستقلة، في حين لا يسمح بعضها الآخر
مطلقا بذلك. وبالنسبة للمجالس التشريعية، فإن بعض الدول لديها مجلس
واحد منتخب، وبعضها السلطة التشريعية فيها مقسمة بين مجلسين أحدهما
منتخب والآخر معين.
لكن الملاحظ أنه مهما كان نوع أو شكل الانتخابات التي تجري في البدان
العربية فإن موازين السلطة والقوة فيها تظل ثابتة لمصلحة النظام الحاكم،
ولم يحدث في أي بلد عربي، على الأقل خلال العقود الأربعة الماضية، أن
تمكن البرلمان من إسقاط حكومة أو أجبر رأس الحكم على الاستقالة.
بل على العكس ثمة أمثلة كثيرة، تم فيها حل البرلمان بسبب إصرار النواب
على التحقيق في ملفات اعتبرتها الحكومة حساسة أو مهددة لسلطتها.
في العرض التالي نبحث تجرية العراق، منذ تأسيس الدولة في العشرينات،
وحتى سقوط نظام صدام حسين في 2003، في مجال الرقابة والمسائلة على أداء
السلطة السياسية، سواء في العهد الملكي أو الجمهوري.
تأسيس الدولة العراقية الحديثة
منذ نهاية الحكم العباسي وسقوط بغداد عام 1258 حتى عام 1920 لم تتألف
حكومة عراقية في بغداد. فقد انشأ البريطانيون عند دخولهم بغداد في آذار
عام 1917 إدارة عسكرية تولت شؤون البلد. عينت هذه الإدارة حكاماً عسكريين
بريطانيين في المحافظات العراقية التسع التي كانت تسمى ألوية حينذاك.
ولمواجهة ثورة العشرين التي اندلعت في الثلاثين من حزيران 1920 في الفرات
الأوسط وامتدادها إلى محافظات أخرى سارعت بريطانيا إلى إعلان تأسيس
أول حكومة عراقية تلبيةً لأحد مطالب الثورة. تأسست هذه الحكومة في تشرين
الثاني من العام نفسه برئاسة نقيب أشراف بغداد عبد الرحمن الكيلاني
الذي كان يُلقب بالنقيب ايضاً وضمت تسعة وزراء بحقائب وزارية فعلية
واثنا عشر وزيراً بدون حقائب وزارية. عُين لكل وزير ذي حقيبة وزارية
مستشارٌ بريطاني تلخصت مهمته في تقديم الاستشارات والتوصيات اللازمة
للوزير الذي لم يكن، من الناحية النظرية على الاقل، ملزماً بقبولها.
وكان للمندوب السامي البريطاني آنذاك السير بيرسي كوكس حق الفيتو على
جميع قرارات الحكومة واستمرت الحال هكذا الى ان نال العراق استقلاله
الرسمي ودخل عصبة الامم في عام 1933 ليصبح لبريطانيا سفير في العراق
بعد الغاء منصب المندوب السامي.
كانت المهمة الرئيسية لأول حكومة عراقية تهيئة البلاد للانتقال من الحكم البريطاني
العسكري المباشر الى نظام دستوري ملكي عراقي تحت زعامة فيصل بن الحسين بحسب الرغبات
البريطانية والكثير من الشخصيات السياسية العراقية. وصل فيصل بن الحسين الى العراق
في ايار عام 1921 بدعوة من الحكومة العراقية وحظي باستقبال شعبي ورسمي حافل ليتم
تتويجه ملكاً في آب من العام نفسه. استندت الشرعية الشعبية لحكم فيصل على استفتاء
عام لم يكن تمثيلياً تماماً عُرف باسم استفتاء المضابط. قام هذا الاستفتاء على
اجتماع الوجهاء والرؤساء في كل مدينة عراقية حيث يُلقى فيه خطاب يدعو الى انتخاب
فيصل ملكاً وبعد النقاش تُقدم مضبطة للحاضرين لتوقيعها تأييداً لتنصيب فيصل ثم
ترسل هذه المضابط الى بغداد. ارسلت ثمانية من الوية العراق التسعة مضابط تأييد
لانتخاب فيصل باستثناء لواء المنتفك (محافظة ذي قار حالياً) الذي لم يرسل اية
مضابط.
العهد الملكي
عرف العراق في تاريخه الحديث خمسة دساتير صدرت في الاعوام 1925 و 1958
و1963 و1964 و 1968. لعل دستور عام 1925 الملكي هو الاهم بين الدساتير
العراقية لانه الوحيد الذي صدر من خلال جمعية منتخبة ديموقراطيا ولجدية
الكثير من مبادئه اضافة الى كونه الاطول عمراً من الدساتير الاخرى اذ
بقي دستوراً للبلاد حتى عام 1958 رغم تعليق العمل به في عام 1954 اثر
اعلان حالة الطوارىء في البلاد في عهد حكومة نوري السعيد. ولد هذا الدستور
من خلال المجلس التأسيسي الذي جرى اختياره عن طريق اول انتخابات حقيقية
في العراق في عام 1923 . كانت احدى مهام المجلس التأسيسي صوغ ما سمي
بالقانون الأساسي العراقي او الدستور. انتهى المجلس التأسيسي من صوغ
هذا القانون في عام 1925 ليصبح دستور الدولة العراقية حتى نهاية العهد
الملكي . لم يجر استفتاء شعبي على هذا الدستور ودخل حيز التنفيذ بموجب
ارادة ملكية في نفس عام صدوره.
لا بد هنا من وقفة صغيرة لفهم بعض مضامين هذا الدستور. نص هذا الدستور على ان
السلطة التشريعية تنحصر فى مجلس الامة بالتعاون مع الملك موضحاً ان مجلس الامة
يتكون من مجلسين: الاعيان والنواب. يتكون مجلس الاعيان من عشرين عضواً يعينهم
الملك فيما يُنتخب اعضاء مجلس النواب بالاقتراع السري المباشر بنسبة عضو واحد
ممثلاً لكل اربعين الفاً من السكان الذكور. اعطى هذا الدستور قوة متساوية لكلا
المجلسين المؤلفين للبرلمان رغم ان احدهما غير منتخب. يقوم مجلس الامة باصدار
القوانين لكنها لا تصبح نافذة دون موافقة الملك ، كما أنه بامكان هذا الأخير رفض
القوانين التي يصدرها المجلس ، ولم تكن هناك أية آلية قانونية تسمح للمجلس بتجاوز
معارضة الملك لأي من قوانينه. ونص هذا الدستور ايضاً على انشاء محكمة عليا مهمتها
ضمان عدم تعارض القوانين التي يصدرها مجلس الأمة مع احكام الدستور. واخيراً، منح
هذا الدستور الملك الصلاحية الكاملة لحل مجلس الامة و الحكومة وعزل القضاة وحكام
الالوية وتعيينهم.
قد يكون من الصحيح القول ان الدستور العراقي لعام 1925 يُعد افضل واهم دستور عرفه
العراق في تاريخه مقارنة بالدساتير الاربعة التي تلته والتي كانت كلها مؤقتة ولم
تكتبها مجالس منتخبة ديموقراطياً. رغم ذلك لم يخلو هذا الدستور من العيوب الفادحة
العديدة التي تركت اثرها السلبي على الحياة السياسية في العراق وحالت دون ظهور
دولة المؤسسات فيه. كان التفاهم بين الملك فيصل والانكليز والكثير من الشخصيات
السياسية العراقية هي ان يكون نظام الحكم في العراق ملكياً دستورياً بمعنى ان
الملك يملك ولا يحكم بل يمثل راس الدول ورمزها دون ممارسة الكثير من السلطات الفعلية.
لكن الدستور اعطى الملك صلاحيات واسعة تفوق تلك الممنوحة للسلطات التشريعية والتنفيذية
والقضائية مجتمعةً. ساعد تركيز الكثير من الصلاحيات الدستورية في شخص الملك على
ان تتمحور الحياة السياسية حوله وطبعت صفات الملك الشخصية الحياة السياسية بطابعها
الخاص، فعندما يكون الملك حكيماً وصبوراً كما كان شأن فيصل، يظهر اثر هذا على
البلد في شكل استقرار سياسي وبناء مضطرد لمؤسسات الدولة وهو ما كان عليه الامر
عموماً في عهد فيصل حتى وفاته عام 1934 . لكن عندما تولى الملك غازي الشاب الحكم
بعد والده فيصل، كان لاندفاعه وقلة معرفته السياسية اثارٌ سلبية على البلد الذي
لم يشهد في عهده استقراراً. ولعل اهم انعكاسات عدم الاستقرار هذه هو حصول اول
انقلاب عسكري في العراق والعالم العربي في عام 1936.
يتمثل الخلل الاخر في الدستور الملكي في فشله فى تأصيل الفصل بين السلطات الثلاث
. فصحيح ان الدستورأسس لمبدأ الفصل نظرياً لكن الواقع كان يشير الى ان هذا الفصل
لم يكن حقيقياً او عميقاً او ثابتاً ، كما لم يكن من الممكن البناء عليه لترسيخ
تقاليد سياسية ومؤسساتية صحية ، فلم يقترح الدستور آليات واضحة وفعالة لضمان الفصل
بين السلطات.
لعل الخلل الاكبر الذي رافق تطبيق الدستور الملكي هو عدم التقيد باحكامه ، فقد
اعطى هذا الدستور السلطة التشريعية (مجلس الامة) حق الاشراف على السلطة التنفيذية
(الحكومة) من خلال المصادقة على تشكيلة الحكومة ومراقبة ادائها ومحاسبتها وحجب
الثقة عنها واقالتها اذا تطلب الامر. لكن واقع الحال كان غير ذلك فقد كانت الحكومة
اقوى من البرلمان بكثير اذ لم يكن اعضاؤها يخضعون للرقابة البرلمانية كما لم يستخدم
البرلمان على نحو جدي سلطاته بشأن حجب الثقة عن الحكومة ومراقبة ادائها، بل كانت
الحكومة تقوم بحل البرلمان وتصدر قوانين خارجه. في الحقيقة كان معظم اعضاء البرلمان
يعتمدون على سلطة الحكومة وجهازها الاداري الممتد في مختلف انحاء البلد لضمان
اعادة انتخابهم. كما ان العديد من بنود الدستور بقيت دون تطبيق او كانت تُطبق
اعتباطاً فرغم ان الدستور كفل حق العمل السياسي الحزبي وحرية الاعلام، كثيراً
ما كان يجري اغلاق الصحف وتقييد عمل الاحزاب او حتى منعها الى ان تم حظر الحياة
الحزبية وحل البرلمان بصورة نهائية في عام 1954 نتيجةً للصراعات السياسية الحادة
وقتذاك.
الدساتير الجمهورية
اذا كان النظام الملكي قد قبل بشكل من اشكال تعدد السلطات والفصل بينها
وان بشكل نظري، فان العهد الجمهوري ألغى هذا الفصل قولا وعملاً. فقد
نص دستور 1958 المؤقت على وجود ثلاثة مجالس هي مجلس السيادة ومجلس الرئاسة
ومجلس الوزراء وكان الدور الرئيس لهذا المجلس الاخير الذي ترأسه عبد
الكريم قاسم نفسه أن جمع هذا المجلس بين يديه السلطتين التشريعية والتنفيذية
فيما ظل دور المجلسين الآخرين محدوداً، ان لم يكن صورياً. ألغي هذا
الدستور على اثر الانقلاب البعثي الاول في عام 1963 ليحل محله دستور
جديد جعل السلطتين التشريعية والتنفيذية في يد ما عُرف حينه باسم المجلس
الوطني لقيادة الثورة الذي كان معظم اعضائه يمثلون القيادة القطرية
لحزب البعث في العراق. كان هذا المجلس ايضاً يُشرف على السلطة القضائية
وله حق تعيين منتسبيها وفصلهم. لم يستمر دستور 1963 اكثر من سنة اذ
سرعان ما استبدله دستور 1964 بعد ان اطاح عبد السلام عارف بالحكم البعثي
الاول في انقلاب عسكري .
نص الدستور الذي اصدره عبد السلام عارف على ان العراق جمهورية ديموقراطية
اشتراكية هدفها تحقيق الوحدة العربية. كما اشار الدستور بشكل غامض وملتبس
الى نوع من انواع فصل السلطات الثلاث من خلال انتخاب مجلس أمة بحلول
نيسان 1968 يقوم بتشريع القوانين ، الا ان هذا المجلس لم يرَ النور،اذ
كان مجلس الوزراء الذي يعينه رئيس الجمهورية هو الذي يقوم بتشريع القوانين
وتنفيذها، رغم ان الدستور نص على ضرورة تعيين مجلس تشريعي يتولى تشريع
القوانين الى ان يتم انتخاب مجلس الامة بالاقتراع الشعبي السري.
لكن واقع الحال لم يكن كذلك فقد كان رئيس الجمهورية هو صاحب السلطة
الحقيقية يحكم من خلال مراسيم جمهورية لها قوة القانون ولم يكن يخضع
لاي مساءلة جدية باستثناء بعض ما كان يُطرح في مجلس الدفاع الأعلى الذي
كان هيئة عسكرية يعينها ويترأسها القائد العام للقوات المسلحة الذي
هو رئيس الجمهورية نفسه.
انتهى دستور 1964 عندما اسقط البعثيون حكومة عبد الرحمن عارف في انقلاب
عسكري ليصدروا دستوراً موقتاً اخر في عام 1968 . لم يختلف هذا الدستور
كثيراً عن الدساتير الجمهورية التي سبقته من ناحية تركيزه السلطات في
يد هيئة واحدة وعدم تأسيس آليات رقابة ومسائلة فعالة. فقد اعتبر الدستور
المؤقت لعام 1968 مجلس قيادة الثورة - وهو هيئة حزبية بعثية تأسست بعد
الانقلاب مباشرةً - اعلى سلطة تشريعية في البلاد، فيما اعتبر مجلس الوزراء
الذي كان الكثير من اعضائه في مجلس قيادة الثورة ايضاً السلطة التنفيذية
، وكان يرأس المجلسين رئيس الجمهورية. كما تم تسييس القضاء وإلحاقه
بالسلطة التنفيذية. في عام 1980 جرت اول انتخابات لما عُرف باسم “المجلس
الوطني” الذي نص الدستور المؤقت على تأسيسه دون ان يبين صلاحياته التي
حددها فيما بعد مجلس قيادة الثورة بقوانين جعلت دور هذا المجلس شكلياً.
لم يكن المجلس الوطني مستقلاً او ذا سلطات حقيقية اذ كان دوره استشارياً
ولم تكن قراراته ملزمة الا اذا وافق عليها مجلس قيادة الثورة الذي له
سلطة حل المجلس الوطني.
احتوت جميع الدساتير العراقية نصوصاً تؤكد على مباديء حقوق الانسان
وحرية الاعلام والعمل الحزبي واستقلال القضاء، لكن لم تتضمن هذه الدساتير
آليات لضمان تطبيق هذه المباديء ومنع التعدى عليها، كما ان الممارسة
السياسية العراقية لم تستطع هي الاخرى ان تُخرج هذه النصوص الى حيز
التطبيق ، لذلك بقيت هذه المباديء حبراً على ورق. ولذلك كان التعدى
على هذه المبادىء القاعدة وليس الاستثناء في عمل الحكومات العراقية
المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة .
العمل السياسي النخبوي
في عامي 1922 و 1923 اصدرت الحكومة العراقية قوانين تسمح بتاسيس الاحزاب
السياسية واصدار الصحف والمجلات ، وذلك قبل انتخاب اول برلمان عراقي
في 1924 ،وقبل ان يرى الدستور الملكي النور في عام 1925. اكد الدستور
عند صدوره الحقوق التي كرستها هذه القوانين.
وهكذا تأسست الكثير من الاحزاب والجمعيات كجمعية النهضة والحزب الوطني
والحزب الدستوري وجماعة الاهالي وغيرها.
لكن في العهد الملكي لم تكن هذه الاحزاب والجمعيات فاعلة ، بمعنى عدم
وجود امتدادات شعبية حقيقية وواسعة لها في اوساط المجتمع . في الحقيقة،
كان العمل السياسي في العهد الملكي نخبوياً بمعنى انه كان حكراً على
طبقة سياسية معينة من الناس يتحدر اعضاؤها عادةً من العائلات المعروفة
والغنية ، أو ينتمون الى الاقطاع ورؤساء القبائل والعشائر والضباط الكبار.
وكانت هذه الطبقة نفسها مهيمنة في العهد العثماني لتواصل هيمنتها في
العهد الملكي ايضا.
كان اعضاء هذه الطبقة يهيمنون على الحياة السياسية سواءٌ من خلال الحكومة
او خلال المعارضة لها عن طريق العمل الحزبي. ادت نخبوية السياسة وانحصار
ممارستها بمجموعة معينة من الناس الى انفصال الناس العاديين عن الحياة
السياسية ووجود فجوة واضحة بين الطبقة السياسية وافراد الشعب.
كانت حلقة الاتصال المباشر الاهم بين الناس والساسة هي الانتخابات البرلمانية
التي لم تكن دائماً نزيهة، اذ كانت الدولة توظف جهازها الاداري للترويج
لمرشحين معينين تفضلهم الحكومة واحياناً كان يتم تزوير الانتخابات لمصلحة
هؤلاء المرشحين. كما ان ارتفاع نسبة الامية بين الناس وضعف الوعي السياسي
وسيادة الاعتبارات العشائرية والقبلية في اختيار النواب اضافة الى ضعف
الحملات الانتخابية واحيانا انعدامها واحساس الناس بعدم قدرة نوابهم
المنتخبين على تحسين اوضاعهم الحياتية، كل هذه وغيرها من العوامل المرتبطة
بها ادت الى ضعف الصلة بين الناس وممثليهم المفترضين في البرلمان.
ازداد هذا الانفصال حدة في السنوات الاخيرة من حياة الملكية خصوصاً
مع تعليق العمل بالدستور واعلان الاحكام العرفية في 1954. في الحقيقة
ان غياب الاستقرار السياسي في معظم العهد الملكي مرتبطُ بعوامل عديدة
ومتداخلة اهمهما ضعف المؤسسات التمثيلية والقيم المدنية ودخول الجيش
في حلبة السياسةعلى نحو مضطرد ، وازدياد حدة الاحترابات السياسية والفكرية
خصوصاً في الاربعينيات والخمسينيات. بهذا الصدد، يمكن القول ان السنوات
الاربع الاخيرة من حياة العهد المكي شهدت طلاقاً نهائياً بين الناس
والملكية الامر الذي مهد للاطاحة بهذه الاخيرة في انقلاب عسكري. عندما
حدث هذا الانقلاب في 14 تموز 1958، لم تجد هذه الاخيرة الكثيرين للدفاع
عنها او للتأسف عليها بل بالعكس ظهر التفاف شعبي واسع حول الانقلابيين
الذين وضعوا رصاصة الرحمة في جسد الملكية المتداعي اصلاً ووعدوا بتحسين
اوضاع الناس.
مرحلة الانحدار
قد تكون الظاهرة الاهم في العهد الجمهوري، وعلى الاخص في سنواته العشر
الاولى، هي تراجع النخبوية السياسية التي ميزت العهد الملكي وهيمنة
الطابع الشعبوي في الممارسة السياسية، اذ دخلت الحلبة السياسية قطاعات
شعبية وسياسية واسعة من الطبقة الوسطى كانت مهمشة في العهد الملكي كالنقابات
والجمعيات والحركات السياسية غير النخبوية اي “الجماهيرية”. كما سادت
اللغةَ السياسية في هذه الحقبة شعاراتٌ ذات طابع ايديولوجي حاد او مثالي
مفرط مثل الغاء الفقر وتحقيق الاشتراكية وانجازالوحدة العربية وهزيمة
الامبريالية وغيرها من الشعارات التي تستند الى مظلوميات شعبية بعضها
حقيقي وبعضها الاخر مفتعل. باختصار، كانت هناك طاقة سياسية وشعبية هائلة
في بدايات العهد الجمهوري لكن لم يجرِ تأسيس اطار قانوني وتمثيلي فعال
يتم من خلاله استيعاب هذه الطاقة وتنظيمها وتشذيبها ، فالتقليد المؤسساتي
والقانوني الذي بدأه العهد الملكي، برغم كل عيوب هذا التقليد، تراجع
الى حد كبير في العهد الجمهوري حتى درجة الاختفاء احياناً. وهكذا حل
مفهوم الشرعية الثورية محل مفهوم الشرعية القانونية اذ غابت الحياة
البرلمانية كما اتخذت الصراعات السياسية والفكرية طابعاً ايديولوجياً
ودموياً حاداً ليس فقط بين الحكومة وخصومها السياسيين بل بين الحركات
السياسية المتنافسة ايضاً. انعكس كل هذا في ظاهرة الاضطراب السياسي
التي طبعت العهد الجمهوري وكثرة الانقلابات العسكرية الناجحة والفاشلة
في خلال السنوات العشر الاولى.
كان وصول حزب البعث للحكم في المرة الثانية عبر انقلاب عسكري في عام 1968 بداية
النهاية لهذا الاضطراب السياسي لمصلحة تقليد اخر اكثر سوءاً واشد ضرراً هو تقليد
حكم الحزب الواحد وما رافقه من سيادة مفهوم القبضة الحديدية وغياب التداول السلمي
للسلطة واختصار الحياة السياسية بفكر الحزب “القائد”. كما جرى ايضاً تسييس كل
المنظمات والجمعيات الشعبية والمهنية (مثل المنظمات النسوية والطلابية ونقابات
العمال وسواها) والحاقها بمؤسسات الحزب الحاكم او تسييسها لمصلحته. يمكن القول
ان العهد البعثي الثاني كان الأسوأ في تاريخ العراق الحديث لغياب الاطر التمثيلية
والسياسية المتنوعة ، كما كان هذا العهد هو الاقسى في تكميم الافواه المعارضة
وسلب حرية الصحافة ومنع تأسيس الأحزاب وتغييب الحياة السياسية والبرلمانية المتنوعة
والمؤثرة.
Back to top |