حكم القانون.. والرقابة والتوازن

هيئة التحرير

تحمل الأنظمة الديمقراطية في جوهرها آليات الرقابة المتبادلة بين السلطات المختلفة بشكل يضمن التوازن بين السلطات الرئيسية بحيث لا تطغى سلطة على أخرى. ويوضح الدستور والقانون طبيعة هذا التوازن بين السلطات بحيث لا يكون هناك أي مجال لظهور الطغيان أو الاستبداد أو اتخاذ القرارات الفردية.
وحكم القانون يعني أنه ليس هناك فرد أو رئيس أو مواطن عادي فوق القانون حيث أن الحكومة نفسها خاضعة لقيود القانون. ويجب أن تعبر القوانين عن إردة الشعب وليس عن نزوات وأهواء الحكام والمسئولين العسكريين أو الزعماء الدينيين.
وحكم القانون يحمي الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية الأساسية، ويذكرنا بأن الاستبداد والخروج عن القانون ليس لهما مكان في المجتمع الديمقراطي، كما أن القانون لم يعد كما كان في الماضي يمثل إرادة الحاكم لأن الحاكم نفسه لا بد أن يخضع للقانون الذي يسنه الشعب.
أما الرقابة والتوازن فتقومان على مبدأ الفصل بين السلطات الرئيسية الثلاث في أي نظام ديمقراطي وهي السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية. وينبع هذا الفصل من فلسفة بارون مونتيسكيو التي تضمنت تقسيم السلطلة إلى الثلاثة الفروع الرئيسية المذكورة بحيث يتولى كل فرع سلطات محددة لا يتعداها إلى غيرها.
وبموجب هذه الفلسفة فإن مهمة السلطة التشريعية هي صياغة القوانين، في حين أن مهمة السلطة التنفيذيه هي تنفيذ القوانين بينما يوكل إلى السلطة القضائية تفسير القوانين.
وأما التوازن فيقوم على مواد دستورية تختلف من نظام ديمقراطي على آخر، ولكنها في مجملها تخلق نوعا من الرقابة والتوازن المتبادل بحيث تستطيع السلطة التنفيذية أن تقترح القوانين دون أن تجيزها، كما أنها تستطيع أن تلجأ لحق الإعتراض على قوانين معينة قد تتخذها السلطة التشريعية لأن حق التوقيع النهائي على أي قانون عادة ما يكون بيد رئيس السلطة التنفيذية سواء كان رئيس جمهورية أو رئيس وزراء.
وبالمقابل فإن السلطة التشريعة الممثلة في البرلمان أو أحد فرعيه تستطيع أن تعترض على قرارات السلطة التنفيذية وتبطلها كما تستطيع بموجب نصوص دستورية معينة أن تعترض أو تبطل أو تجيز تعيينات السلطة التنفيذية لمسئولين في المناصب العليا.
أما السلطة القضائية فإن بإمكانها أن تقضي بعدم دستورية أي قرار تتخذه السلطة التنفيذية أو عدم دستورية أي تشريع قد يصدره البرلمان إذا ما تعارض ذلك مع الدستور. ولكن السلطة القضائية نفسها المتمثلة في المحاكم وعلى رأسها المحكمة العليا في أي نظام ديمقراطي فإن تعيين أعضائها غالبا ما يكون بيد السلطة التنفيذية وبالتالي فإن هناك توازن متبادل إذ أن السلطة التنفيذية تعين القضاة وفي ذات الوقت لا تستطيع أن تعزلهم، فهم بمنأى عن العزل الا بحكم قضائي صادر عن السلطة القضائية نفسها. وهكذا تعمل كل سلطة كأنها رقيب على السلطة الأخرى وعلى ما تتخذه من قرارات.
وأقرب مثال على التوازن القائم بين السلطات الثلاث هو النظام الأميركي القائم على دستور يعزز الرقابة والتوازن، والذي يمثل فيه رئيس الجمهورية رأس السلطة التنفيذية ويحاسب على أعماله بعكس ما يجري في الأنظمة الشمولية أو اللاديمقراطية، كما أن السلطة التشريعية يمثلها الكونغرس بمجلسيه مجلس الشيوخ ومجلس النواب، أما السلطة القضائية فتمثلها المحاكم وعلى رأسها المحكمة العليا.

ورئيس الولايات المتحدة من مسؤولياته تعيين أعضاء المحكمة العليا عندما يشغر أي مقعد من مقاعدهم، وبالتالي فإن له سلطة عليهم في حين أنه لا يستطيع أن يعزلهم، بينما يستطيعون هم أن يحكموا ببطلان أي قرار يكون قد اتخذه بما يخالف الدستور. أما الكونغرس فإن لديه سلطة صرف الأموال بحيث يتحكم في عمل الرئيس ومن يليه في السلطة التنفيذيه، فالرئيس قد يكون بإمكانه على سبيل المثال إعلان حرب ولكن الحرب لن يمولها سوى الكونغرس وإذا رفض الكونغرس تمويل الحرب فإن قرار الرئيس كأنه لم يكن. ومن جانب آخر فإن الرئيس يعين كبار المسؤولين والمعاونين، ولكن الكونغرس ممثلا في مجلس الشيوخ هو الذي يجيز التعيين فإذا لم يقتنع بمؤهلات أي شخص يعينه الرئيس فمن حق مجلس الشيوخ أن يرفض التعيين. ومن جهة أخرى فإن قرارت الكونغرس لا يمكن أن تصبح قوانين إلا إذا أصدرها الرئيس ومهر توقيعه النهائي عليها وبالتالي فإن بإمكان الرئيس أن يستخدم حق النقض الفيتو ضد قوانين الكونغرس التي لا يراها مناسبة للبلاد، ومن هنا يمكن فهم مدلول الرقابة والتوازن في الأنظمة الديمقراطية.
أي أن كل سلطة من السلطات الثلاث لها سلطات محدودة لا تتعداها ولا تتطغى على بقية السلطات، بل إن كل فرع من فروع السلطات الثلاث يتحكم بجزء من سلطات الفرعين الآخرين، وهذا يضمن وجود توازن بين الفروع الثلاثة للدولة، ويمنع أي فرع من الحصول على سلطات ضخمة يصعب السيطرة عليها أو كبح جماحها.
وللمزيد من إيضاح الرقابة والتوازن في النظام الأميركي يمكن الاستدلال بما يلي:

الكونغرس مهمته أن يجيز القوانين بعد التصويت عليها
الرئيس قد يعترض على بعض القوانين ولكن الكونغرس يستطيع أن يعلن إصدارها بأغلبية الثلثين.
الرئيس يمكن أن يوافق على قانون ما ....والمحكمة العليا لها حق إعلان عدم دستوريته.
الرئيس له حق تعيين القضاة والمسؤولين الحكوميين الكبار. ومجلس الشيوخ من حقه تثبيتهم في تلك المناصب أو رفضهم.
القضاة يعيينون في مناصبهم مدى الحياة .. ولكن بالإمكان إحالتهم للمحاكمة وعزل أي منهم إذا ما أدين.

وما ورد في الجدول أعلاه ليس سوى أمثلة لواقع الحال في الولايات المتحدة، ولكن الرقابة والتوازن بين السلطات لهما أنماط كثيرة، لا مجال لتفصيلها في مثل هذا الكتيب الصغير، ولكن يمكن إيراد أمثلة تاريخية تثبت أن التوازن والرقابة نظام تمت تجربته فعلا في الواقع السياسي الأميركي:
بعد الحرب الأهلية أعترض الرئيس أندرو جونسون على أكثر من 20 مشروع قانون.
بعد الحرب الأهلية أصدر الكونغرس 20 قانون بأغلبية الثلثين، رغم اعتراض الرئيس.
في عام 1987 رشح الرئيس رونالد ريغان القاضي روبرت بورك لعضوية المحكمة العليا ورفض مجلس الشيوخ تثبيته.
في عامي 1935 و 1936 قضت المحكمة العليا ببطلان قانونين صدرا في عهد الرئيس روزفلت.
في عام 1918 رفض الكونغرس المصادقة على معاهدة سلام تنهي الحرب العالمية الأولى شارك في إنجازها الرئيس ويلسون.
ولا تقتصر الرقابة والتوازن على السلطات الثلاث بل إن الأنظمة الديمقراطية معروفة بأن وكالاتها المتعددة ووزاراتها تراقب بعضها بعضا، كما أن المسؤولين داخل المؤسسة الواحدة يراقبون قرارات بعضهم البعض، ولا يخشى أحد على حياته فيما لو كشف خللا هنا أو مخالفة هناك، ولهذا فإن معدل الفساد والأخطاء يكون أقل في الأنظمة الديمقراطية بالمقارنة مع الأنظمة الشمولية.
ولكن الرقابة والتوازن لا تعمل في الأنظمة الديمقراطية بمعزل عن آليات أخرى، بل هناك من الأسس والأعراف التي تمضي عليها الأنظمة الديمقراطية تعزز فلسفة الرقابة والتوازن ولا يمكن أن يستمر النظام في جو صحي بدونها ولعل من أهم هذ الأسس، الشفافية واستقلالية القضاء والصحافة الحرة وغيرها.

الشــفافيـة

الشفافية ظاهرة تشير الى تقاسم المعلومات والتصرف بطريقة مكشوفة. فهي تتيح لمن لهم مصلحة في شأن ما أن يجمعوا معلومات حول هذا الشأن قد يكون لها دور حاسم في الكشف عن المساوئ وفي حماية مصالحهم. وتمتلك الأنظمة ذات الشفافية إجراءات واضحة لكيفية صنع القرار على الصعيد العام، كما تمتلك قنوات اتصال مفتوحة بين أصحاب المصلحة والمسؤولين، وتضع سلسلة واسعة من المعلومات في متناول الجمهور.
تقوم الشفافية على التدفق الحر للمعلومات. وهي تتيح للمعنيين بمصالح ما أن يطلعوا مباشرة على العمليات والمؤسسات والمعلومات المرتبطة بهذه المصالح، وتوفر لهم معلومات كافية تساعدهم على فهمها ومراقبتها. وتزيد سهولة الوصول الى المعلومات درجة الشفافية. ولكي تكون المؤسسات المستجيبة لحاجات الناس ولمشاغلهم منصفة، عليها أن تكون شفافة وأن تعمل وفقا لسيادة القانون. فإصلاح مؤسسات الدولة وجعلها أكثر كفاءة ومساءلة وشفافية ركن أساسي من أركان الحكم الصالح. وتعتمد شفافية الجهاز البيروقراطي اعتمادا كبيرا على توفر المعلومات وصحتها. ويتطلب النقاش النشط - حول قضايا السياسات العامة - من الحكومات توفير البيانات المتعلقة بالحسابات القومية وميزان المدفوعات والعمالة، وتكلفة المعيشة. وترتبط نوعية عملية صنع القرار والمخاطر والتكاليف المترتبة عليها بطبيعة المعلومات التي يتم تزويدها لصناع القرار. فمن الواضح أن الحكومة مصدر رئيسي للمعلومات ومستخدم رئيسي لها في آن واحد. فسياسات الحكومات عرضة للتأثر بمعلومات ذات نوعية رديئة بنفس القدر الذي تشكل فيه المعلومات المتعلقة بالاقتصاد وبأوضاع السوق عنصرا أساسيا لقدرة القطاع الخاص على إجراء حسابات صحيحة.
والشفافية عنصر رئيس من عناصر المساءلة، ويترتب عليها جعل جميع الحسابات العامة والتقارير والمعلومات والسجلات متاحة للفحص العمومي الدقيق. فالشفافية تقي من الاخطاء الحكومية، ومن ارتكاب أخطاء في تقدير الموارد، ومن الفساد. وتستطيع وسائل الاعلام إحداث قدر كبير من التأثير في هذا الميدان.

Back to top