سفيتلانا تساليك
مديرة برنامج مراقبة الدخل، التابع لمعهد المجتمع المفتوح ومقره نيويورك. وهي خبيرة في مجال تطوير أنظمة الشفافية والمساءلة في إدارة المصادر النفطية في الدول النامية.

كيف يمكن أن تساعد اللامركزية في تعميق وتعزيز الديموقراطية في الدول كبيرة الحجم ؟
في الفقرات التالية سنعرض عددا من المقترحات حول كيفية قيام الحكومات المحلية بتحسين الممارسات الديمقراطية .
إن الحكومات المحلية الساعية لتحقيق اهداف معينة، والتي تحمل الصفة التمثيلية، تؤسس للديمقراطية عبر خمس وسائل تتسم بالاتساع والتداخل في الوقت نفسه :
أولا : مساعدة المواطنين على تطوير القيم والمهارات اللازمة للممارسات الديموقراطية.
ثانيا : زيادة حالات المساءلة والاستجابة للمصالح والاهتمامات المحلية.
ثالثا : توفير قنوات اضافية لوصول الجماعات المهمشة الى السلطة، وتحسين الصفة التمثيلية للديمقراطية.
رابعا : تعزيز مستوى الرقابة والتوازن.
خامسا : توفير الفرص لأحزاب وفصائل المعارضة في المركز لممارسة مستوى ًمعين من السلطة السياسية .
وتعزز كل واحدة من هذه الوظائف مشروعية استقرار الديموقراطية.

وفيما يلي سننظر إلى الإسهامات الممكنة لهذه الوسائل في زيادة النشاط الديموقراطي :

-1 تنمية المواطن

يثمن المؤيدون للحكومة المحلية الديموقراطية قيمتها بسبب توافر الامكانات التربوية فيها. فالمشاركة في أعمال حكومة محلية ديموقراطية تُعد قوة تربوية عظيمة لأنها تعلم المواطنين النظر الى ابعد من مصالحهم الآنية ، وإدراك حاجات الآخرين ، والقبول بقرارات لم يكونوا ليقبلوا بها في السابق . وتعتبر عدم المشاركة السياسية من القضايا الخطرة لا بسبب كونها تُبعد المواطنين عن عملية صنع القرارات فحسب، وإنما أيضا بسبب احتمالات تفسيرها كرفض للنظام الديموقراطي في حالة اتخاذ قرارات لا تلقى القبول .
وبالنسبة للديمقراطيات الجديدة التي تمر بتغييرات اجتماعية واقتصادية واسعة، فإن إشراك المواطنين في الحكومة المحلية قد يضع حدا لتحول عدم الرضى الشائع والمتعلق بالسياسات الجديدة الى رفض للعملية الديموقراطية برمتها . وتتزايد احتمالات قبول المواطنين العاديين بالسياسات التي تلحق الاذى بمصالحهم الآنية إن تمكنوا من تفهم القرارات التي قادت الى هذه الخيارات السياسية وشاركوا في الجهود الرامية لتنفيذها على المستوى المحلي . فإشراك المواطنين بشكل فعال في العملية الديموقراطية سواء من خلال السياسات الانتخابية أومن خلال المجتمع المدني ، يزيد من احتمالات خلق “ ثقافة مدنية “ تقوم على التحمل والثقة والمعاملة بالمثل والتعاون .

-2 المساءلة والاستجابة

يرى المؤيدون للحكومة المحلية الديموقراطية أن بإمكانها تعزيز شرعية الحكومة المركزية عن طريق زيادة استجابتها لحاجات المواطنين. وهي “ لاتزيد عن كونها جزءا صغيرا من العمل العام الذي يمكن تنفيذه بصورة جيدة من قبل السلطات المركزية . ومن المفضل الاستناد الى المصالح والمعارف المحلية لتوفير خدمات فعالة على المستوى المحلي .”
ويتعين على الحكومة التي ترغب في الاستجابة لمصالح الناس إدراك المشكلات المختلفة التي تواجهها المجتمعات المحلية . و يصح هذا على وجه الخصوص في العالم النامي ، حيث تسببت الهجرة الى المدن في اكتظاظ الاخيرة ونضوب القرى من سكانها . لكن الشكوك تدور حول مدى امتلاك الحكومة للقدرة اوالمصلحة في إخضاع الادارات المحلية للرقابة التي يتوقعها مواطنو كل مجتمع .

-3 الصفة التمثيلية

تسمح الانتخابات المحلية للحكومة بالحصول على تمثيل أوسع بمعنى أنها تعكس الاختلاف والتنوع للسكان . وبإمكان أفراد الأقليات - الذين لايتمتعون بفرصة الحصول على اصوات كافية في مناطق المركز - الفوز في الانتخابات التي تجري على المستوى المحلي حيث تتركز هذه الاقليات . ويعطي الحصول على السلطة المحلية في المجتمعات التي تعاني من صراعات اثنية –تلك الجماعات الاثنية ضمانات بكونها مُمثلة ، وإيجاد كوابح ضد انتهاك حقوقها ومصالحها من قبل زعماء الاكثرية .
كما يتيح هذا للافراد الذين لديهم خلفيات مهنية وتربوية عادية فرصة اوسع لتسلم وظائف على المستوى المحلي . وترى جماعات تهتم بهذا الموضوع في جنوب افريقيا ان المواطنين يرغبون في انتخاب موظفين للحكومة المحلية من بين الناس الاعتياديين ، أي “ الناس الذين يعرفونهم “ ، والذين هم على معرفة بالمشكلات المحلية ويمكن الوصول اليهم . وتمثل كلفة الترشيح للحصول على منصب في الحكومة المركزية عن طريق الدوائر الانتخابية الكبيرة عائقا آخر بالنسبة لقضية توافر الصفة التمثيلية في الفائزين بالمقاعد النيابية.

-4 الرقابة والتوازن

يمكن للحكومة المحلية توفير فرص تعزز الديموقراطية عن طريق تطوير الكفاءات المدنية وتوليد رضى ً اكبر عند المواطنين عن السلطات المنتخبة . واضافة الى هذه الاسهامات المهمة ، فإن الحكومة المحلية يمكنها ايضا التعامل بوصفها حاجزاهيكليا في وجه العودة الى الحكم التسلطي على مستوى المركز . وفي مقدور” الروح المحلية للديموقراطية “ فرض قيود على الاغلبية حتى إن كانت تلك الاغلبية طاغية . وتقوم المجالس البلدية وهيئات المدن والمقاطعات بوظيفة المراقبة. وإذا ما تم تمرير قانون جائر تبقى الحرية مصونة من خلال وسائل تنفيذ القوانين ، لأن الغالبية لايمكنها الدخول في التفاصيل أومايمكن ان يُطلق عليه بيروقراطية الطغيان الاداري . وتجد السلطة المحلية مكانا مرموقا في نظام ٍ يقوم على الرقابة والتوازن فيما يتعلق بممارسة السلطة . لذا فأن دساتير ايطاليا والبرتغال واسبانيا وبلجيكا والدول الاتحادية في اوروبا نصت على ضمانات دستورية للحكومات المحلية .وفي كل من كوريا و تايوان يُنظر الى تفويض السلطات للمجالس البلدية وحكومات الاقاليم بأعتباره عنصرا اساسيا في تعميق الديموقراطية وفي الحد من سلطات الجهات التنفيذية القوية والادارات المركزية .


-5 الموافقة المشروطة

تُعد عملية تطوير الموافقة المشروطة من الخطوات الحاسمة نحو تكريس الاتجاهات الديموقراطية . وتحدث هذه الموافقة عندما تقبل الجهة الخاسرة في الانتخابات بالنتائج شريطة عدم قيام الجهة الفائزة باستغلال تلك الخسارة لتغيير قواعد اللعبة وإبقاء المعارضة خارج السلطة على الدوام . لكن كيف يمكن للمعارضة الوثوق بمحافظة الجهة الفائزة على كلمتها ؟
حين تُنتخب الحكومات المحلية بصورة ديموقراطية ( وينطبق هذا على الحكومات الاقليمية او المركزية ) وحين تُمنح سلطات حقيقية ، تتوافر الفرصة لاحزاب المعارضة للفوز بسلطات ٍ سياسية وبالتالي اكتساب نوع من التأثير المباشر في النظام السياسي القائم . وقد يساعد حصول احزاب المعارضة على وظائف في الحكومات المحلية على تطمينهم بأنهم ليسوا مبُعدين على الدوام عن سلطة المركز ، أو أنهم ليسوا مبعدين عن جميع السلطات ذات الاهمية في النظام . ففي نظام الهند القائم على الفيدرالية ،على سبيل المثال ، اقنع توافر الكثير من الفرص للحصول على سلطات الاحزاب والسياسيين بالانشغال بالانتخابات حتى في حال خسارتهم في بعض الميادين . وفي انظمة اتحادية اخرى مثل بوتسوانا ، مثلت سيطرة حزب المعارضة على بعض مجالس الحكومات المحلية ( المهمة بالنسبة لتنمية المجتمع ) مصدرا مهما من مصادر الحيوية السياسية ، وقللت من تأثيرات هيمنة الحزب الواحد ، وعززت من شرعية النظام القائم .

تحديات اللامركزية بالنسبة للديموقراطيات الجديدة

يتعين على الديموقراطيات النامية الانتباه إلى عدة تحديات من أجل إنشاء حكومات محلية تتصف بالفاعلية والديموقراطية . والتحديات هي :
- القدرة الضعيفة للدولة.
- القدرة المالية للحكومات المحلية.
- إيجاد الحجم المناسب للحكومة المحلية.
- التغلب على حالة عدم مبالاة المواطنين وعلى التركة التي خلفها الحكم التسلطي.

القدرة الضعيفة للدولة

يتنافس القادة القبليون والزعماء والأمراء وأصحاب السلطة مع الدولة لتحديد الفرص الاجتماعية ، والاقتصادية، وتوزيع الامتيازات ، وفرض النظام . وقدرة الدولة بالغة الضعف في العديد من البلدان التي لاتصل فيها السلطة الحكومية الفاعلة الى ابعد من العاصمة .
ويتردد قادة الحكومة المركزية في ظروف من هذا النوع في تفويض السلطات السياسية الرسمية خوفا عليها من الانحلال. وهناك ايضا مشكلة الحوافز : إذ لايوجد سياسي يفضل التخلي طوعا عن السلطات التي يتمتع بها.
ويتطلب تعزيز الديموقراطية توافرهيكلية شرعية للدولة تكون قابلة للاستخدام وتتصف بالفعالية . ويكمن جزء من التحدي في تعزيز قدرة الدولة على جمع الضرائب وتوفير الخدمات الاجتماعية ، وتنظيم النزاعات، والحفاظ على البيئة ، وتشجيع الاستثمارات، وتطوير وادارة الاقتصاد في مرحلة العولمة، اضافة الى الحفاظ على حكم القانون الذي يفرض النظام ويحمي حقوق الانسان. وكما هو الحال مع الحكومة المركزية هناك ضغوط كبيرة على الحكومات المحلية لأيجاد الموارد المالية اللازمة لجذب كوادر من ذوي المقدرة والتأهيل وتطوير قابلياتهم والحفاظ عليهم .

القدرة المالية

يُعد توفر التمويل المناسب للحكومة المحلية، سواء عن طريق مواردها الذاتية او من الموازنة المركزية ، من أكثر العوامل أهمية لنجاحها. و إعطاء وظائف جديدة للحكومة المحلية من دون توفير الموارد اوالسلطات اللازمة للحصول على موارد لتنفيذ هذه الخدمات يحول قضية اللامركزية الى قضية لامعنى لها، وربما تشكل خطرا على الديموقراطية.
ومشكلة الحكومة المحلية ذات الموارد الضئيلة على وجه الخصوص مشكلة ملحّة في الديموقراطيات الناشئة. وتستطيع السلطات المحلية الحصول على موارد اضافية عن طريق زيادة الرسوم المفروضة على خدمات معينة مثل ايجارات السكن والمياه والتدفئة والنظافة العامة والصرف الصحي وجمع القمامة واجور النقل .
ويتوجب ملاحظة أن أيا من هذه الجهود المتعلقة بتوفير موارد محلية يتطلب تقوية هياكل الدولة على المستوى المحلي . لكن من غير المحتمل فرض ضرائب من هذا النوع طالما تتوقع الحكومة المحلية والناس قيام الحكومة المركزية ، إن عاجلا او آجلا ، بإنقاذهم من مصاعبهم المالية .

الحجم والسلطة

يُعد توفر التمويل المناسب للحكومة المحلية، سواء عن طريق مواردها الذاتية او من الموازنة المركزية ، من أكثر العوامل أهمية لنجاحها. و إعطاء وظائف جديدة للحكومة المحلية من دون توفير الموارد اوالسلطات اللازمة للحصول على موارد لتنفيذ هذه الخدمات يحول قضية اللامركزية الى قضية لامعنى لها، وربما تشكل خطرا على الديموقراطية.
ومشكلة الحكومة المحلية ذات الموارد الضئيلة على وجه الخصوص مشكلة ملحّة في الديموقراطيات الناشئة. وتستطيع السلطات المحلية الحصول على موارد اضافية عن طريق زيادة الرسوم المفروضة على خدمات معينة مثل ايجارات السكن والمياه والتدفئة والنظافة العامة والصرف الصحي وجمع القمامة واجور النقل .
ويتوجب ملاحظة أن أيا من هذه الجهود المتعلقة بتوفير موارد محلية يتطلب تقوية هياكل الدولة على المستوى المحلي . لكن من غير المحتمل فرض ضرائب من هذا النوع طالما تتوقع الحكومة المحلية والناس قيام الحكومة المركزية ، إن عاجلا او آجلا ، بإنقاذهم من مصاعبهم المالية .

الارث التسلطي ولامبالاة المواطنين

تخلق الحكومة المحلية الديموقراطية الفرص للمواطنين للتأثير على صناعة القرار السياسي . لكن توفيرالفرص للمشاركة لاتعني حصول مشاركة أكبر . وتدفع حالة اللامبالاة التي يبديها الناس بالحياة السياسية المحلية الى تلاشي الديموقراطيات المستقرة والجديدة على حد سواء . كما أن تشكيل المؤسسات الرسمية للحكومات المحلية الديموقراطية لايضمن اتصاف الكوادر المنتخبة بالانفتاح والاستجابة لحاجات الناس ، ولايضمن ايضا اغتنام المواطنين الفرصة للمشاركة السياسية.
لايمكن للحكومات المحلية أوالاقليمية السير في طريق الديمقراطية مالم تكن هي ديمقراطية . وليس في مقدورالحكومات الاستجابة لحاجات المواطنين، وامتلاك الصفة التمثيلية، والخضوع للمساءلة ، إلا اذا تم تفويض السلطات السياسية المتعلقة ببعض القضايا والوظائف الحكومية لمستويات ادارية أدنى تكون منتخبة بصورة ديموقراطية . وقد نجحت التنمية المستديمة للمجتمع المدني ، ومستويات التعليم ، والمدخولات ، والوعي المديني في العديد من البلدان ، في خلق انساق ملائمة لكي تقوم الحكومة المحلية والاقليمية بوظائفها بصورة اكثر فاعلية وديموقراطية .
وبالتدريج سيجري تطوير الأسس الضرورية من أجل ديموقراطية ليبرالية أكثرعمقا واتساعا .

Back to top