ساندرا داي اوكونور
.قاضية و عضو في المحكمة العليا للولايات المتحدة منذ عام 1981
كي يتمكن النظام الديمقراطي من تحقيق سيادة حكم القانون وتوفير البيئة المناسبة لقيام السلطة التشريعية وممثلي المجتمع المدني بمساءلة الحكومات، لا بد من ضمان وجود قضاء مستقل ونزيه، تستطيع مختلف الأطراف اللجوء إليه، لحل النزاعات فيما بينها، وهي مطمئنة، سواء كانت هذه الأطراف أفرادا أم أحزابا أم حكومات. ولكي يكون القضاء مستقلا ونزيها، لا يكفي أن ينص على ذلك الدستور، وإنما لا بد من توافر مجموعة من الشروط والإجراءت الضرورية لتحقيق ذلك. هذه الشروط والإجراءات هي موضوع مقال ساندرا داي اوكونور..

إن مبدأ ضرورة قيام نظام قضائي مستقل كشرط أساسي لتطبيق العدالة، منصوص عليه في جميع الدساتير العربية. فمثلاً تتضمن المادة 104 من دستور مملكة البحرين نصا يقول “إن شرف القضاء ونزاهة وعدم تحيز القضاة يُشكّل أساس الحكم والضمانة للحقوق والحريات. ولا يجوز أن تتجاوز أي سلطة الحكم الذي يصدره قاضٍ، ولا يجوز، تحت أي ظرف التدخل في مجرى العدالة. ويضمن القانون استقلال النظام القضائي”... وتنص المادة 65 من الدستور المصري على أن: “استقلال وحصانة القضاء ضمانتان أساسيتان لحماية الحقوق والحريات.” وتعلن المادة 97 من الدستور الأردني أن: “القضاة مستقلون ولا يخضعون في ممارسة وظائفهم القضائية إلى أي سلطة غير سلطة القانون.”
كما نرى هذه الأفكار الممتازة ذاتها مجسدة في مبادئ بنغالور الستة التي تنظم السلوك القضائي، والتي تمّ تطويرها بإشراف الأمم المتحدة لتعزيز إمكانيات تقوية نزاهة النظام القضائي. يقول المبدأ الأول: “ان الاستقلال القضائي شرط مسبق لحكم القانون وضمانة أساسية لمحاكمة عادلة. لذلك على القاضي ان يدعم ويكون مثلاً أعلى للاستقلال القضائي في كل من وجهتيه الفردية والمؤسساتية على حد سواء.”
وافق إعلان القاهرة حول استقلال القضاء، الذي تمت صياغته خلال المؤتمر الثاني للعدالة العربية المنعقد في شباط/فبراير 2003، على أن “النظام القضائي المستقل يُشكّل الدعامة الرئيسية لدعم الحريات المدنية، وحقوق الإنسان، وعمليات التطوير الشاملة، والإصلاحات في أنظمة التجارة والاستثمار، والتعاون الاقتصادي الإقليمي والدولي، وبناء المؤسسات الديموقراطية.”
يُشكّل هذا المبدأ الأساس للنظام القضائي في الولايات المتحدة، وقد أنشأ الدستور الأميركي نظاماً قضائياً فيدرالياً مستقلاً من خلال فصل وظيفة سن القوانين التي تؤديها الهيئة التشريعية عن دور تطبيق القوانين الذي تقوم به الهيئة القضائية. وقد أثبت هذا الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية أنه أساسي للحفاظ على حكم القانون. فعندما تقوم هيئات حكومية منفصلة بدوري المُشرّع والقاضي يتقلص خطر السلوك الاستبدادي للحكومة بدرجة كبيرة. وعندما تكون سلطة تشريع القوانين مفصولة عن سلطة تفسير وتطبيق هذه القوانين يتعزز أساس حكم القانون.
والحال أن أي نظام قضائي مستقل يفرض على القضاة أنفسهم أن يكونوا مستقلين في ممارسة سلطاتهم، وأن يكون النظام القضائي ككل مستقلاً، وأن تتم حماية نطاق سلطته من التأثيرات، الظاهرة أو المستترة التي تمارسها هيئات حكومية أخرى.

اختيار القضاة
إذا بحثنا في مسألة استقلال القضاة كأفراد، تظهر أمامنا طريقتان لضمان ذلك الاستقلال: الأولى، حماية القضاة من التهديد بالانتقام، وذلك حتى لا يؤثر الخوف في عملية اتخاذ قراراتهم. والثانية، في ان تقوم طريقة اختيار القضاة، وعملية تحديد المبادئ الأخلاقية المفروضة عليهم، على أساس منهجية تقلل إلى الحد الأدنى من خطر الفساد والتأثيرات الخارجية.
في دول مثل الولايات المتحدة، تتحقق الحماية من الانتقام بصورة أولية من خلال المحافظة على مناصب ورواتب القضاة بمنأى عن نطاق تأثيرات القوى الخارجية عليها. وينص الدستور الأميركي على ان القضاة الفيدراليين يحتفظون بمناصبهم “أثناء سلوكهم الجيد.” ويُفهم من هذا على انه يعني مدى الحياة، في غياب حالات سوء السلوك الفادح. كما يضمن الدستور أيضاً عدم جواز تخفيض رواتب القضاة الفيدراليين خلال إشغالهم لمراكزهم. وتؤمن هذه الأحكام عدم خشية القضاة من فرض تطبيق القانون حسبما يرونه مناسباً، كما تحرر ضمانة الراتب والمركزالقضاة بحيث يتمكنوا من ممارسة أفضل الأحكام التي يستطيعونها عند تطبيقهم القانون بإنصاف ودون تحيز تجاه مختلف الفرقاء.
يجب أيضاً اتخاذ خطوات لتأمين ممارسة القضاة لسلطاتهم دون تحيز، بعيدا عن المصالح الذاتية أو التأثيرات الخارجية. فعلى القضاة عدم التأثّر والانحياز لصالح أحد المتنازعين أو ضده، كما يجب أن لا تكون لهم مصلحة شخصية في النتيجة النهائية لأي قضية معينة. فالقضاة لن يكسبوا أبداً احترام وثقة المواطنين اذا ما خضعوا للتأثيرات والأهواء.
إن كل قرار يتخذه قاضٍ لمصلحته الشخصية، أو لكسب حظوة، من شـأنه أن يشوّه سمعة حكم القانون. من هنا يجب أن تدار عملية انتقاء القضاة وتحديد المبادئ الأخلاقية التي تقود سلوكهم بحيث تضع هذه الاعتبارات في مقدمة الاهتمام.
إن من الطبيعي ان يُشكّل انتقاء القضاة استناداً إلى جدارة المرشحين- فقط - المفتاح اللازم لتأمين عمل القاضي دون تحيّز. ولذلك فقد أوصى إعلان بيروت الصادر عن المؤتمر العربي الأول للعدالة بان “يكون اختيار القضاة متحرراً من التمييز على أساس العرق، واللون، والجنس، والدين، واللغة، والأصل القومي، والمركز الاجتماعي، ومكان الولادة، والملكية، والانتماء السياسي، أو أي اعتبار آخر”.
وبكلام آخر فإنه عند اختيار القضاة، يجب اتباع مبدأ تساوي الفرص لضمان التقييم الموضوعي لجميع المتقدمين لإشغال منصب قضائي. علاوة على ذلك، يوصي الإعلان المذكور “بعدم السماح لأي تمييز بين الرجال والنساء من حيث تولي المسؤولية القضائية”.
ان مراعاة هذه التوصيات لن يخدم فحسب الحاجة لاختيار كل مرشح استناداً إلى عامل الجدارة، بل أيضاً سوف يخفف من أي انحياز قد ينجم في حال كان القضاة فيه ينتمون إلى ذات التوجه.

التحرر من الضغوط

ان الالتزام بمبادئ استقلال القضاء لا يخلو من صعوبات، فعند تعيين قاض جديد، يجب توافر شروط دقيقة، تضمن الاستقلالية من الضغوط السياسية والتحرر من أي شائبة تخص المصالح الشخصية.
إن الحماية من التأثيرات التي تمارسها هيئات حكومية أو حتى هيئات قضائية أخرى، تستلزم وجود حماية تتمثل في محافظة القاضي على منصبه مدى الحياة، وحماية الراتب، وتأمين درجة كبيرة من الحماية من التأديب. وبالتأكيد، إذا فشل قاضٍ في الالتزام بأبسط متطلبات وظيفته، كأخذ الرشاوى مثلاً، يمكن عندئذ تبرير صرفه من الخدمة، ولكن عند عدم حصول هذه الأعمال، يكون التأديب صعباً.
كما يجب وضع قيود محددة على سلوك القضاة، مثل منعهم من إصدار حكم في قضية لهم فيها مصلحة شخصية. فالإحساس بوجود فساد، أو انحياز، قد يضر بثقة المجتمع في نظامه القانوني واحترامه لحكم القانون. كما يتوجب على القضاة الابتعاد عن أي سلوك غير لائق، وأيضاً تجنب الظهور بأي مظهر غير لائق؛ إذا أريد المحافظة على ثقة الناس بالنظام القضائي.
لقد حث إعلان القاهرة الحكومات في المنطقة العربية على “تبني قوانين أخلاقية مهنية منسجمة مع المهمة النبيلة للنظام القضائي.” وهناك طريقة بسيطة وجذابة لتحقيق ذلك تتمثل بتبني مبادئ بانغالور التي تشكل مجموعة مدروسة من المعايير الأخلاقية. نظمت هذه المبادئ حول ست قيم أساسية هي: الاستقلال، عدم التحيز، النزاهة، اللياقة في السلوك والمظهر، المساواة، والكفاءة. وتوفر التعليمات المحددة والمفصلة محتوى عملياً لكل واحدة من هذه القيم.
واعتقد بان هذه المبادئ، حيثما يتم تبنيها، سوف تلعب دوراً فعالاً بقدر فعالية قوانين السلوك المختلفة في الولايات المتحدة.
لقد تحدثنا حتى الآن عن الآليات التي تؤمن تمكين القضاة كأفراد من تنفيذ عملهم متحررين من التأثيرات الخارجية، ولكن قيام نظام قضائي مستقل يتطلب أيضاً الحماية من التأثير الأكثر منهجية الصادر عن الفروع الأخرى لنظام الحكم.

الاستقلال المالي

إن تأمين التمويل اللازم للنظام القضائي يشكل وجهاً أساسياً لهذا الاستقلال المؤسساتي. تماماً كما ان الحماية التي يؤمنها الراتب ضرورية لضمان استقلال القضاة الفرديين فبإمكان المسائل الإجمالية للتمويل ان تؤثر في عمل النظام القضائي ككل. ويوصي إعلان بيروت بأن على الدولة ان تؤمن ميزانية مستقلة للنظام القضائي تشمل كافة فروعه ومؤسساته. ويجب تضمين هذه الميزانية كبند من بنود الموازنة العامة للدولة على أن يتم تحديدها بناءً على توصية المجالس القضائية العليا العاملة داخل هيئات النظام القضائي.
لقد حث إعلان القاهرة الحكومات على “ضمان الاستقلال المالي لهيئات النظام القضائي”، “ فتأمين التمويل الكافي ودون شروط، استناداً إلى التوصيات التي وردت في الإعلانات الآنفة الذكر، يُعتبر خطوة حاسمة في إبعاد النظام القضائي عن التأثيرات غير السليمة.”
يُشكّل التفاعل بين المسئولين التنفيذيين والنظام القضائي مسألة أكثر تعقيداً. في الولايات المتحدة نبدي اهتماماً أكبر بتوفير استقلال النظام القضائي عن الهيئات الحكومية، ونترك أمر عدم قيام القضاة بأعمال تنتقص من استقلالهم الذاتي - مثل الانصياع للتحيزات الشخصية أو للتأثيرات المفسدة - للمبادئ الأخلاقية الذاتية الموجودة في الجسم القضائي. وبالطبع فان قيام ظروف مختلفة قد تستوجب تحقيق توازن مختلف بين الأمرين. لكن يجب التنبيه دائماً إلى ضمان عدم الإساءة لسمعة استقلالية القضاة من خلال اتخاذ إجراءات تحت ستار تأديب القضاة المخالفين.
ان استقلال النظام القضائي ليس هدفا نهائيا بحد ذاته، بل وسيلة لتأسيس نواة حكم القانون، بغية إعطاء الثقة للمواطنين بان القوانين سوف تطبق بإنصاف ومساواة، وليس هناك من مجال يتعرض فيه هذا الأمر للاختبار، مثل حماية النظام القضائي لحقوق الإنسان.
يسمح استقلال النظام القضائي للقضاة باتخاذ قرارات غير شعبية، كما يسمح أيضاً باتخاذ قرارات قد تكون مضادة لمصالح فروع السلطات الحكومية الأخرى. ففي بعض الأحيان يسرع الرؤساء، والوزراء، وأعضاء المجالس التشريعية لإيجاد حلول مناسبة للمقتضيات اليومية. ويحتل النظام القضائي المستقل موقعاً فريداً لتقييم تأثيرات تلك الحلول على الحقوق والحريات، وعليه يجب العمل لضمان عدم تخريب هذه القيم. ان الاستقلال هو ينبوع الشجاعة المطلوبة لخدمة وظيفة حكم القانون هذه.
إن كل دولة تضع طابعها المميز على النظام القانوني الذي تُقيمه، لكن بعض المبادئ تتجاوز الاختلافات القومية. فأهمية وجود نظام قضائي قوي ومستقل يُشكّل أحد هذه المبادئ. وفي حين أنه من السهل الموافقة ببساطة على ان استقلال النظام القضائي أساسي من اجل دعم حكم القانون، فإن التحدي الأكبر يتمثل في وضع هذه المبادئ في حيّز التنفيذ.

Back to top