مايكل أف. كايرو
أستاذ في جامعة ويسوكونسين، ستيفنس بوينت، و مختص في قضايا السياسية
الخارجية الأميركية.
من غير المألوف في الدول النامية، ومن بينها الدول العربية أن تناط
مهمة الإشراف على القوات المسلحة لشخصية مدنية. فالجيوش في هذه الدول
تتجاوز عادة مهمتها الأصلية وهي حماية البلاد من التدخل الخارجي، إلى
لعب دور مؤثر وأحيانا حاسم في الحياة السياسية الداخلية. وفي بعض بلدان
العالم الثالث يعتبر الجيش وقادته هم الحاكمون الفعليون، في حين يعتبرون
في بعضها الآخر، أحد المراكز المهمة في السلطة وأكثرها نفوذا.
وقد أدى هذا الاقحام الشديد للحيش إلى إفساد الحياة السياسية في هذه
البلدان، و قمع اتجاهات التطور الديمقراطي والحر فيها، كما أدى إلى
عسكرة الحياة الاجتماعية. ولذلك فإن من بين أولى المهام أمام الديمقراطيات
الناشئة هي إعادة الجيش إلى ثكناته وإبعاده عن التدخل في السياسة الداخلية،
وأفضل وسيلة لتحقيق ذلك هي وضعه تحت إشراف مدني، وجعل الموافقة على
موازنته بيد الجهاز التشريعي، وكذلك قرارات إعلان الحرب.
في المقالة التالية يعرض “مايكل أف. كايرو” الأستاذ في جامعة ويسكونسين،
ستيفنس بوينت، والمختص في قضايا السياسة الخارجية الأميركية، بعض ملامح
التجربة الأميركية في مجال الإشراف المدني على القوات المسلحة.
عندما أنشأ المؤسسون الأميركيون الأوائل الحكومة القومية الجديدة،
أدركو أهمية إقامة حكومة يمكنها حماية البلاد بشكل كافٍ. كما أدركوا
أن قيام سياسة عسكرية وخارجية فعالة وموحدة يتطلب وجود قيادة تنفيذية
قوية للقوات العسكرية. وفي الوقت ذاته، أدرك المؤسسون أنه ما لم تتم
السيطرة على القوات العسكرية بشكل كافٍ فمن المحتمل أن تستخدم هذه القوات
للاستيلاء على الحكم ولتهديد النظام الديمقراطي.
لقد كانت لدى المؤسسين خشية حقيقية من سوء استخدام القوة العسكرية،
وهو قلق نابع من إمكانية تحول السلطة التنفيذية القوية، مع مرور الزمن،
لتصبح سلطة ديكتاتورية، ولذلك اعتقدوا أن من الضروري أن ينص الدستور
الجديد على خضوع القوات العسكرية إلى السلطة المدنية بهدف حماية الديموقراطية.
وفي حين اعترف المؤسسون بأهمية وجود جيش دائم لتأمين حماية الوطن والدفاع
عنه فإنهم آمنوا بوجوب التزام الحذر الشديد بغية المحافظة على الحرية
ومنع حصول حالات إساءة استعمال للسلطة.
لهذا السبب، عهد الدستور مسؤولية تكوين الجيش والمحافظة عليه، إلى الكونغرس،
بغية عدم منح الرئاسة سلطات زائدة عن الحد. كما أعطيت إلى الكونغرس،
وليس إلى السلطة التنفيذية، سلطة الإعلان الرسمي للحرب لمنع السلطة
التنفيذية من اتخاذ قرارات متهورة لا يمكن الرجوع عنها. لكن، في الوقت
نفسه، عيّن الدستور رئيس البلاد قائداً عاماً للجيش والبحرية وقوات
الميليشيا في الولايات، وبذلك منح مركز الرئاسة سلطة كافية لمواجهة
الهجمات الأجنبية والدفاع عن الدولة الناشئة.
وكما كان الأمر بالنسبة لمبادئ عديدة في الدستور، فإن طبيعية السيطرة
المدنية لم تُحدد بصورة واضحة هي الأخرى. إن السيطرة المدنية على القوات
العسكرية في عام 1789 كانت تختلف كثيراً عن تلك السيطرة التي تمارس
اليوم. فالمؤسسون الأوائل لم يتصوروا أبدا نشوء طبقة عسكرية مهنية،
ولذلك، لم يكن ممكناً لهم التنبؤ بطبيعة السيطرة المدنية التي تمارس
الآن. وبالتالي، تطورت السيطرة المدنية على القوات العسكرية في الولايات
المتحدة كمسألة عُرف وتقليد، وبالاستناد أيضا إلى الشرعية الدستورية.
أربع فرضيات
في بدايات الحكم الجمهوري، كَيّفت أربع فرضيات منطقية أساسية طريقة
نظر معظم الأميركيين لمسألة السيطرة المدنية على القوات العسكرية. أولاً،
اعتُبرت القوات العسكرية الكبيرة العدد تهديداً للحرية، وهو ميراث من
التاريخ البريطاني ومن الاحتلال العسكري خلال الفترة الاستعمارية. ثانياً،
اعتُبرت القوات العسكرية الكبيرة العدد بأنها تشكل تهديدا للديمقراطية
الأميركية. ارتبط هذا المفهوم بالمفهوم المثالي للمواطن الجندي، وبالمخاوف
من تأسيس طبقة عسكرية ارستقراطية أو استبدادية. ثالثاً، اعتُبرت القوات
العسكرية الكبيرة العدد بأنها تهدد الازدهار الاقتصادي. فقد كان إبقاء
جيوش دائمة كبيرة العدد عبأً هائلاً على الاقتصاد الناشىء لدولة جديدة.
أخيراً، اعتبرت القوات العسكرية الكبيرة العدد بأنها تهدد السلام، حيث
وافق المؤسسون على الطرح الليبرالي القائل إن سباقات التسلح قادت إلى
الحروب. من هنا برزت فكرة السيطرة المدنية على القوات العسكرية من مجموعة
من الظروف التاريخية وترسخت مع مرور الزمن في الفكر السياسي الأميركي
من خلال التقليد، والعرف، والمعتقد.
وطوال القرن العشرين تعززت السيطرة المدنية على القوات العسكرية بوجه
عام، سواء أكان ذلك من جانب الرئيس أو الكونغرس، وترّسخت رسمياً في
الإدارات الأميركية والمجتمع الأميركي، كما سرّعت القوة المتزايدة للأسلحة
المتقدمة هذا الاتجاه.
قرن جديد
ومع دخول الولايات المتحدة القرن الجديد، لم تكن المشكلة الرئيسية
هي تجاهل القوات العسكرية المحترفة أو معارضتها بأي طريقة من الطرق
للسيطرة المدنية. بل في عدم امتلاك القادة المدنيين الخبرة الفنية،
التي تمكّنهم من التعامل مع المشاكل المعقدة والخطيرة للقرن الواحد
والعشرين. وبات التحدي يتمّثل في وجوب أن تعمل القيادة المدنية بفعالية
مع الضباط المحترفين لضمان حصول الرئيس وموظفيه على المعلومات التقنية
المطلوبة لاتخاذ القرار الصحيح.
أما القادة العسكريين فلم يعد يطلب رأيهم حول متى وأين يجب أن تشن الحرب،
وإنما الإجابة عن سؤال: كيف يمكن استخدام القوات العسكرية بأقصى فعالية
في وقت محدّد ولغرض استراتيجي معيّن؟
في العام 1983، لم يسأل رونالد ريغان قيادة القوات العسكرية عما إذا
كان من الضروري إنزال القوات المسلحة الأميركية في غرينادا لتأمين استقرار
وضع مهدد، بل كيف يجب تأدية هذه المهمة. كما لم يسأل الرئيسان بوش أو
كلينتون القادة العسكريين عما إذا كان من الضروري طرد العراق من الكويت،
أو حماية الألبان في كوسوفو من القوات الصربية. لقد طلبا فقط معرفة
كيفية تحقيق هذين الهدفين بسرعة وبأقل قدر من الضحايا. وهكذا يتم الجمع
بين العرف، والتقاليد، والشرعية للتثبيت المتين للسيطرة المدنية على
القوات العسكرية في السياسية الأميركية والمجتمع الأميركي.
دروس ثمينة
إن التجربة الأميركية قد توفر دروساً ثمينة إلى الدول التي تواجه تحديات
ديمقراطية ناشئة. ربما تكون اكثر هذه التحديات وضوحاً هو خطر استيلاء
القادة العسكريين على السلطة. هناك اثنان من المبادئ المهمة اللذان
يستطيعان تعزيز السيطرة المدنية. الأول، من الأفضل لديمقراطية ناشئة
حديثاً أن تقوم بتثبيت أسس دستورية متينة كقاعدة للسيطرة المدنية على
القوات العسكرية. رغم بعض الالتباسات، يُقّسم الدستور الأميركي السلطة
العسكرية بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وهو تقسيم يهدف إلى
الحيلولة دون إساءة استعمال السلطة. وأيضا، يُثّبت الدستور بوضوح الرئيس،
القائد المدني المنتخب شعبياً، كقائد عام للقوات المسلحة. والعنصر الحاسم
هنا هو أن سلطات الرئيس مقررة ومحددة ككل، وان الكونغرس، والمحاكم الأميركية،
والهيئة الانتخابية، يملكون سلطة كبيرة في تحديد سلطاته. وهكذا لا تؤدي
قيادة الرئيس للقوات العسكرية إلى قيادته لقطاعات أخرى. وقد تم الحصول
على تأييد السلطة المدنية الأولّية للرئيس عبر تاريخ البلاد. شغل أربعة
رؤساء فقط، هم واشنطن، وجاكسون، وغرانت، وايزنهاور، مراكز مهمة في القوات
المسلحة قبل أن يصبحوا رؤساء. أدرك كل منهم ضرورة إبقاء الوظائف العسكرية
والسياسية منفصلة ومتميزة. طبّق الجنرال دوايت ايزنهاور هذا المبدأ
عندما كان قائداً للقوات الحليفة في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية
لدرجة انه امتنع عن الادلاء بصوته في الانتخابات الأميركية.
أما المبدأ الرئيس الثاني فيتطلب أن تقوم القوات العسكرية بدور إداري،
وليس بدور صنع السياسة. إن رفض ايزنهاور الإدلاء بصوته عندما كان في
الجيش يُجسد اعتقاد الرؤساء بعدم جواز تأثّر القرارات العسكرية بالقرارات
السياسية. يجب عدم إشراك القادة العسكريين في عملية صنع القرار السياسي.
بدلاً من ذلك، يجب أن يقدموا المشورة حول أساليب استخدام القوات العسكرية
لتحقيق أهداف صانعي السياسة، وحول احتمالات نجاح العمل العسكري. أما
تقرير ما إذا كان من الضروري سلوك الخيار العسكري، أم لا، فيجب أن يترك
للسياسيين.
هذا المبدأ الثاني هو اكثر صعوبة بكثير في التحقيق من الحمايات الدستورية.
في حين يكون إنشاء دستور مكتوب يحدد التقسيم الصحيح للسلطة بين القادة
العسكريين والسياسيين خطوة ممتازة أولى، يتمثل التحدي باقناع القوات
العسكرية بأن دورهم هو دور تابع. ان ثقافة تمجيد القوات العسكرية تشكل
في أحيان كثيرة العقبة الأولى أمام السيطرة المدنية على القوات العسكرية.
أن تغيير هذه الثقافة مهمة صعبة، لكنها ضرورية، اذا كان المطلوب وضع
القوات العسكرية تحت السيطرة المدنية. سوف يتطلب هذا التغيير الكثير
من الوقت والتعليم. يجب استبدال القادة المخضرمين الذين لا يثقون بالقادة
المدنيين بقادة جدد يرغبون بالعمل مع ولمصلحة القيادة المدنية. من الواضح
انه، اذا كانت القيادة المدنية منتخبة شعبياً فان شرعيتها في أنظار
الشعب تساعدها في السيطرة على القوات العسكرية.
إنها مهمة صعبة، ولكنها ليست اصعب من مهمة تأسيس حكومة ديمقراطية سليمة.
في النهاية، يجب أن يتم التأكيد بوضوح بأن القوات العسكرية التي تعتبر
ذاتها كعنصر واحد فقط في مجتمع ديمقراطي سوف تكون أكثر قوة، وليس اضعف،
وستنعكس أعمالها على إرادة الشعب السيادية الذي تخدمه.
Back to top |