لاري دايموند
محرر مشارك “لصحيفة الديمقراطية” وهو مدير مشارك “للمنتدى الدولي للدراسات الديمقراطية
وكبير الباحثين في “مؤسسة هوفر”.
بات من الواضح الآن أنه لفهم التطورات الديمقراطية حول العالم ينبغي
على المرء أن يدرس المجتمع المدني. ففي كوريا الجنوبية وتايوان وبولونيا
وتشيكوسلوفاكيا وجنوب إفريقيا وبنين (على سبيل المثال)، كانت التعبئة
الشديدة للمجتمع المدني مصدراً أساسياً للضغط باتجاه حدوث التغيير الديمقراطي.
وقد تحدى المواطنون أنظمة الحكم في هذه البلدان، لا كأفراد وحسب، بل
كأعضاء في الحركات الطلابية والكنائس والروابط المهنية والجماعات النسائية
والنقابات ومنظمات حقوق الانسان وجماعات المنتجين والصحافة والجمعيات
المدنية وما شابه.
إن فهم دور المجتمع المدني في بناء الديمقراطية يحتاج أولا إلى تحديد
ما هو المجتمع المدني، وما هي مؤسساته، وما الفرق بينه وبين المجتمع.
ثم بعد ذلك علينا :
أن نفهم السبل المختلفة التي يستطيع المجتمع المدني بواسطتها خدمة الديمقراطية
وما يشتمل عليه من توترات وتناقضات.
أن نفكر في سمات المجتمع المدني التي يرجح أن تخدم تنمية الديمقراطية
وتعزيزها.
أن نكوّن صورة أكثر واقعية عن حدود المساهمة الممكنة للمجتمع المدني
في العملية الديمقراطية، ومن ثم الأهمية التي يتعين على الديمقراطيين
أن يولوها لبناء المجتمع المدني من بين التحديات العديدة التي تواجه
تعزيز الديمقراطية.
ما هو المجتمع المدني؟
النظرة إلى المجتمع المدني هي أنه مجال الحياة الاجتماعية المنظمة الذي
يتميز بالطوعية والعمل الذاتي والاستقلالية عن الدولة وهو محكوم بمجموعة
من القوانين والقواعد المشتركة. ويتميز المجتمع المدني عن “المجتمع”
عموماً بأنه يشمل المواطنين الذين يتصرفون بطريقة جماعية في مجال
التعبير عن أهدافهم المشتركة ورفع مطالبهم إلى الدولة ومساءلة مسؤوليها.
إن المجتمع المدني هو كيان وسيط ما بين القطاع الخاص والدولة. لذا،
فهو يستثني الحياة الفردية والعائلية والنشاط الجماعي الذي لا يعمل
إلا لذاته والمشاريع التي تتوخى الربح لشركات الأعمال التجارية والجهود
السياسية التي تبذل للسيطرة على الحكم.
وهكذا لا يقتصر المجتمع المدني على الحد من سلطة الدولة فقط بل يعطي
مشروعية لهذه السلطة عندما تكون قائمة على أساس حكم القانون.
يضم المجتمع المدني عدداً كبيراً من المنظمات الرسمية وغير الرسمية.
وهذه تشتمل على:
جماعات اقتصادية (اتحادات وشبكات منتجة وتجارية)؛
جماعات ثقافية (مؤسسات واتحادات دينية وإثنية ومجتمعية وغيرها تدافع
عن الحقوق والقيم والمعتقدات والرموز الجماعية)؛
جماعات إعلامية؛
جماعات قائمة على أساس المصالح (مصممة للدفاع عن المصالح الوظيفية والمادية
المشتركة)؛
جماعات تنموية (منظمات تجمع الموارد الفردية لتحسين البنى التحتية والمؤسسات
ونوعية الحياة في المجتمع)؛
جماعات الدفاع عن القضايا (حركات لحماية البيئة من التلوث وحقوق المرأة
وإصلاح الأراضي وحماية المستهلك)؛
جماعات أهلية (تسعى إلى تحسين النظام السياسي وجعله أكثر ديمقراطية
من خلال مراقبة الحقوق المدنية وتوعية الناخبين وتعبئتهم وجهود محاربة
الفساد وهكذا).
إضافةً إلى ذلك، يضم المجتمع المدني ما يمكن تسميته “الساحة الايديولوجية”،
والتي لا تشمل الإعلام المستقل فحسب، بل أيضاً المؤسسات المرتبطة بمجال
الثقافة المستقلة والجامعات التي تُعنى بالشأن الفكري ومراكز البحوث
ودور النشر والمسارح وشركات إنتاج الأفلام والشبكات الفنية.
في ضوء ما تقدّم، من الواضح أن المجتمع المدني ليس مجرد فئة هامشية،
كما أنه ليس كل شيء غير الدولة أو النظام السياسي الرسمي.
وعدا عن كونها طوعية ومستقلة ذاتياً ومتقيدة بالقواعد والأنظمة، فإن
منظمات المجتمع المدني متميزة عن الفئات الاجتماعية الأخرى من عدة نواحٍ.
أولاً، إن المجتمع المدني معني بالأهداف العامة لا الخاصة.
ثانياً، المجتمع المدني مرتبط بشكل أو بآخر بالدولة، ولكنه لا يرمي الى اكتساب
سلطة رسمية أو احتلال منصب في الدولة، فمنظمات المجتمع المدني تسعى الى الحصول
من الدولة على تنازلات ومكاسب، كما تسعى إلى إحداث تغييرً في السياسات، وإجراء
الإصلاحات وتعزيز المساءلة.
إن منظمات المجتمع الأهلي والحركات الاجتماعية التي تحاول تغيير طبيعة الدولة
يمكن أن تظل متمتعة بالأهلية كجزء من المجتمع المدني، إذا كانت جهودها تنبع من
الحرص على الصالح العام لا من الرغبة في الاستئثار بالسلطة لصالح الجماعة ذاتها.
لذا، فإن الحركات السلمية التي تسعى إلى التحول الديمقراطي تنشأ عادةً من رحم
المجتمع المدني.
الوظائف الديمقراطية للمجتمع المدني
إن أول وأهم وظيفة ديمقراطية للمجتمع المدني هي مراقبة أداء السلطة
والعمل على تحويل الأنظمة الشمولية الى دول ديمقراطية. إن تعبئة المجتمع
المدني تعد وسيلة رئيسية لكشف إساءات الأنظمة غير الديمقراطية وتقويض
شرعيتها. كذلك، يعتبر المجتمع المدني أداة فعالة لاحتواء سلطة الحكومات
الديمقراطية وضبط إساءاتها المحتملة وانتهاكها للقانون وإخضاعها للمحاسبة
العامة.
والواقع أن وجود مجتمع مدني نابض بالحياة أمر أساسي، لتعزيز الديمقراطية
والحفاظ عليها.
إن الأنظمة الديمقراطية الجديدة التي تأتي في أعقاب حكم تعسفي واستئثاري
تفتقر الى الوسائل القانونية والإدارية التي تمكنها من احتواء الفساد
منذ البداية. وفي حال عدم وجود صحافة قوية وجريئة وجماعات أهلية تضغط
باتجاه إصلاح المؤسسات، فإنه يمكن للفساد أن يزدهر.
ثانياً، إن وجود مؤسسات المجتمع المدني من شأنه أن يكمل دور الأحزاب
في تشجيع المشاركة السياسية وزيادة الفعالية والمهارة السياسية لدى
المواطنين وتعزيز الالتزام بالمواطنية الديمقراطية وحقوقها.
ثالثاً، يمكن للمجتمع المدني أن يكون مجالاً حاسماً لتنمية المزايا
الديمقراطية الأخرى، كالتسامح والاعتدال والتساهل واحترام وجهات النظر
المخالفة. إن هذه القيم والمعايير تصبح أكثر استقراراً إذا جاءت وليدة
التجربة. ومن شأن المشاركة التنظيمية في المجتمع المدني أن توفر ممارسة
هامة في هذا المجال. علاوةً على ذلك، فإن العديد من المنظمات الأهلية
(مثل منظمة كونشينسيا Conciencia، وهي شبكة من المنظمات النسائية بدأت
في الأرجنتين وامتدت الى 14 بلداً آخر في أميركا اللاتينية) تعمل مباشرةً
في المدارس وبين مجموعات المواطنين البالغين لتطويرالثقافة الديمقراطية
عبر برامج منوعة من أجل تحقيق تفاهم أفضل ضمن المجموعة الواحدة والتشجيع
على إجراء نقاش ديمقراطي بين وجهات النظر المتنافسة وتبيان السبيل الذي
يمكن للناس من خلاله أن يتعاونوا لحل المشاكل التي تواجه مجتمعاتهم
المحلية.
رابعاً، الطريقة التي يمكن للمجتمع المدني بواسطتها خدمة الديمقراطية
هي خلق قنوات غير سياسية للمجاهرة بالمصالح وتمثيلها.
هذه الوظيفة لها أهمية خاصة فيما يتعلق بتمكين الجماعات المهمشة عادةً
كالنساء والأقليات والاثنيات المختلفة من المشاركة في السلطة بعد حرمانها
الطويل من ذلك.
إن المجتمع المدني يوفر بوجه خاص أساساً متيناً للديمقراطية عندما يخلق
فرص المشاركة والتأثير على كافة مستويات إدارة شؤون الحكم تتجاوزالمستوى
المحلي ، لأن الجماعات المهمشة تاريخياً تستطيع في العادة أن تؤثر محليا،
في السياسة العامة وأن تخلق شعورا بالفعالية والمهارات السياسية.
خامساً، إن المجتمع المدني الشديد التعددية يميل الى توليد سلسلة من
المصالح التي تتقاطع مع النزاع السياسي وبالتالي تخفف من وطأته.
مع قيام منظمات مجتمعية جديدة تستند إلى أساس طبقي وحركات تهتم بالقضايا
العامة، ترتسم دوائر انتخابية جديدة تشق طريقها عبر الانقسامات الاقليمية
والدينية والاثنية. وفي إطاحتها بالدكتاتوريات الشمولية وتعبئة المجتمعات
وراء الديمقراطية يمكن لهذه التشكيلات أن تخلق نوعاً جديداً من المواطنية
يتخطى الانقسامات التاريخية ويحول دون نشوء اتجاهات انعزالية أومنغلقة.
وبمقدار ما تكون للأفراد مصالح متعددة وينضمون الى مجموعة واسعة من
المنظمات لتحقيق هذه المصالح، فإنهم يلتقون موضوعيا، مع أنواع مختلفة
من الناس من ذوي المصالح السياسية المتنافرة. وهذا من شأنه أن يخفف
من التشدد في الآراء الخاصة لكل جماعة ويخلق نظرة سياسية أرحب، وبالتالي،
يشجع التساهل تجاه الفروقات ويخلق استعدادا أكبر للتسوية والتساهل.
المهمة السادسة للمجتمع المدني هي إعداد وتدريب قادة سياسيين جدد.
يمكن لجماعات المصالح والحركات الاجتماعية وفعاليات المجتمع المختلفة
أن تقوم بتدريب وإعداد مجموعة أكثر تنوعا وأغنى تمثيلا من القادة
السياسيين الجدد، على نحو قد لا تتمكن الأحزاب السياسية من القيام
به.
ونظراً للسيطرة التقليدية للرجال على مقاليد الحكم، يعتبر المجتمع المدني قاعدة
هامة بصورة خاصة لتدريب النساء (وأفراد الجماعات المهمشة الأخرى) ودفعها إلى مراكز
القرار السياسي. وحيثما تصبح الأحزاب غير قادرة على رفد الحياة السياسية بقادة
جدد، فإن هذا الدور الذي يلعبه المجتمع المدني يمكن أن يكون حاسماً في إحياء الديمقراطية
وتجديد مشروعيتها.
سابعاً، الدور الرقابي للمنظمات الأهلية في عملية بناء الديمقراطية.
لعبت جهود مراقبة الانتخابات التي قادتها المنظمات الأهلية في العديد
من البلدان، دوراً حاسماً في منع الغش والتلاعب وتعزيز ثقة الناخبين،
وتأكيد شرعية النتيجة أو في بعض الحالات (كما حدث في الفلبين في عام
1986 وبنما في عام 1989) تسجيل فوز للمعارضة رغم التلاعب الحكومي.
وتعمل مؤسسات الديمقراطية ومعاهد البحوث في عدد من البلدان لإصلاح
النظام الانتخابي، وطبع الأحزاب السياسية بطابع الديمقراطية، وجعل
الحكومة لا مركزية ومفتوحة أمام الجميع، وتعزيز القضاء ومساءلة الحكومة.
وحتى بعد الفترة الانتقالية، تستمر منظمات حقوق الانسان في لعب دور
حيوي في متابعة الاصلاح القضائي والقانوني وتحسين أحوال السجون وتوفير
احترام أكبر لحريات الفرد وحقوق الأقليات.
ثامناً، وجود مجتمع مدني نشط يساهم في نشر المعلومات، مما يساعد المواطنين
في المتابعة الجماعية لمصالحهم وقيمهم والدفاع عنها.
يمكن للمنظمات المستقلة أن توفر للمواطنين معلومات عن نشاطات الحكومة،
مغايرة للرواية الرسمية. ويعتبر هذا أسلوباً حيوياً تنتهجه منظمات حقوق
الانسان؛ فهي بمناقضتها للرواية الرسمية تجعل من الصعب التغطية على
أعمال القمع وإساءة استعمال السلطة.
أما الدور التاسع الذي يمكن للمجتمع المدني أن يلعبه فهو نشر معلومات
وأفكار جديدة ضرورية لتحقيق الاصلاح الاقتصادي.
إن الاصلاح الاقتصادي الناجح يتطلب دعم القوى السياسية المتحالفة، في
المجتمع وفي القضاء. هذه التحالفات لا تأتي عفوية بل ينبغي أن تصنع
صنعاً. ففي آسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية بدأ اللاعبون الجدد
في المجتمع المدني- مثل مؤسسات بحوث السياسات الاقتصادية وغرف التجارة
والصحافيون والمعلقون ومنتجو البرامج التلفزيونية- بالتغلب على الحواجز
التي تقف في وجه الاعلام والتنظيم وتعبئة الجهود لدعم السياسات الاصلاحية.
أخيراً، فإن وجود مجتمع مدني نشط من شأنه أن يشجع احترام المواطن للدولة
والتعاطي الايجابي معها، وذلك عبر تعزيز قيم المساءلة والتفاعل والتجاوب،
ومن ثم يحمي شرعية النظام السياسي. وفي النهاية، من شأن ذلك أن يحسن
من قدرة الدولة على الحكم وعلى نيل ثقة مواطنيها. علاوةً على ذلك، فإن
قيام شراكة غنية بين المواطن والدولة يعطي نتائج إيجابية أكثر بكثير
من تركيز الطلبات على الدولة، كما أنه يضاعف من قدرة الجماعات على تحسين
وضعها والتخفيف من اعتمادها على الدولة. وهكذا يمكن لجهود التنمية الفعلية
أن تخفف من عبء التوقعات والآمال المنتظرة من الدولة، وبالتالي التخفيف
من المخاطر السياسية، خاصةً على الصعيد الوطني.
سمات المجتمع المدني الديمقراطي
لا تملك كل المجتمعات المدنية ومنظمات المجتمع المدني الإمكانيات نفسها
للقيام بمهام بناء الديمقراطية التي أشرنا اليها أعلاه. إن قدرتها على
القيام بذلك تتوقف على عدة سمات ترتبط ببنيتها الداخلية وطبيعتها.
إحدى هذه السمات لها علاقة بأهداف وأساليب الجماعات في المجتمع المدني.
إن فرص إنشاء مجتمع ديمقراطي مستقر تتحسن بدرجة كبيرة إذا كان المجتمع
المدني لا يضم جماعات مصالح متطرفة، أو جماعات ذات أهداف وأساليب غير
ديمقراطية. فبمقدار ما تسعى فئة ما الى التغلب على الدولة أو على فئات
منافسة أخرى، أو ترفض حكم القانون وسلطة الدولة الديمقراطية، فإنها
لا تشكل أبداً عنصراً من عناصر المجتمع المدني، بل ربما تلحق الكثير
من الأذى بالتطلعات الديمقراطية. إذ قد يدفع ذلك الدولة إلى انتهاج
سياسة قمع شامل وعشوائي، وإضعاف العناصر الأكثر ديمقراطية في المجتمع
المدني أودفعها نحو التطرف.
السمة الثانية الهامة من سمات المجتمع المدني هي عملية التنظيم. وكما
هو الحال مع الأحزاب السياسية، فإن وجود جماعات للمصالح منضوية في إطار
مؤسسات، يساهم في استقرار النظام الديمقراطي وقدرته على ممارسة الحكم.
فإذا كانت هذه المنظمة أو تلك تتوقع أن تواصل العمل في المجتمع بصورة
مستمرة، فإن على قادتها أن يكونوا على استعداد للمساءلة والتجاوب مع
ناخبيهم.
ثالثاً، إن الطبيعة الديمقراطية الداخلية للمجتمع المدني نفسه تؤثر
في سلوك أعضائه. فإذا أرادت الجماعات والمنظمات التي يتكون منها المجتمع
المدني أن تتصرف “كمدارس حرة وكبيرة” للديمقراطية، فعليها أن تتصرف
ديمقراطياً في سلوكها الداخلي لاتخاذ القرارات واختيار القيادات. إن
الإيمان بالمبادىء الدستورية، والتمثيل، والشفافية، والمساءلة وتداول
المناصب بين القادة المنتخبين ضمن هذه المؤسسات سيعزز إلى حد كبير قدرتها
على غرس هذه القيم والممارسات الديمقراطية في نفوس أعضائها.
رابعاً، كلما زادت تعددية المجتمع المدني دون أن ينقسم كلما استفادت
الديمقراطية. إن وجود درجة معينة من التعددية أمر ضروري، تحديداً، للمجتمع
المدني. فالتعددية تساعد الجماعات في المجتمع على البقاء وتشجعها على
التوحد والتعاون والتفاوض مع بعضها البعض.
بعض الاستثناءات الهامة
عدا عن لائحة المهام الديمقراطية للمجتمع المدني التي أشرنا اليها
أعلاه، ينبغي إضافة بعض التحذيرات الهامة:
أولاً، لا تستطيع المؤسسات وهيئات الإعلام ممارسة دورها في بناء الديمقراطية
إلا إذا كان لديها، على الأقل، شيء من الاستقلال الذاتي عن الدولة في
تمويلها ونشاطها ووضعها القانوني.
ثانياً، ضرورة وجود حدود للاستقلال الذاتي: فالدولة نفسها يجب أن تتمتع
باستقلال ذاتي كافٍ، وشرعية، وقدرة، ودعم يمكنها من التوسط بين مختلف
جماعات المصالح، والموازنة بين مطالب مختلف الجماعات. وهذه معضلة كبيرة،
بوجه خاص، في الأنظمة الديمقراطية الجديدة التي تسعى إلى القيام بإصلاحات
اقتصادية مطلوبة في ظل معارضة شديدة من جانب النقابات، والمتقاعدين،
والبورجوازية المحمية من الدولة. ولهذا السبب، ينبغي أن تكون القوى
المناهضة في المجتمع المدني مثقفة ومعبأة بصورة جيدة.
هذه الجزئية تشير إلى استثناء رئيس ثالث: إن المجتمع المدني يجب أن
يكون مستقلاً ذاتياً عن الدولة ولكن ليس بعيداً عنها. إن عليه أن يكون
رقيباً على سلطة الدولة وفي الوقت نفسه محترماً لها.
الاستثناء الرابع يتعلق بدور السياسة. إن جماعات المصالح لا تشكل بديلاً
للأحزاب السياسية التي تمتلك قاعدة عريضة ومتينة نسبياً من الدعم الشعبي،
ذلك لأن جماعات المصالح لا يمكنها تجميع المصالح عبر الفئات الاجتماعية
وفي المسائل السياسية مثلما تفعل الأحزاب السياسية.
النتيجة
بوسع المجتمع المدني، بل يتعين عليه عادةًَ، أن يلعب دوراً بارزاً
في بناء الديمقراطية وتعزيزها. وكلما كان المجتمع المدني أكثر فاعلية
وتعددية وتكيفاً وديمقراطية، وكلما استطاع أن يوازن بشكل أفضل بين التوترات
في علاقاته مع الدولة، وبين الاستقلال الذاتي والتعاون والثقة والحزم
والكياسة، كلما لاح فجر الديمقراطية وطال أمدها.
Back to top |