هيئة التحرير
تتلخص مهمة الاعلام في النظام الديموقراطي بتقديم المعلومات الصحيحة للمواطنين.
ويعد الحصول على المعلومات الصحيحة امراً اساسياً في ديمومة اي نظام ديموقراطي
وذلك للسببين التاليين. اولاً، يساعد حصول المواطنين على معلومات صحيحة
على اتخاذهم قرارات واعية ومسؤولة بشأن مستقبل بلدهم والطريقة التي يريدون
ان يُحكموا من خلالها، بدلاً من اتخاذ قرارات خاطئة ومستندة على معلومات
مغلوطة تضر في اخر المطاف بمصلحة البلد وبهم كمواطنين.
ثانياً، يؤدي الاعلام من خلال تقديمه معلومات صحيحة وظيفة رقابية مهمة تعرف بخدمة
الصالح العام. وتعني خدمة الصالح العام كشف أية ممارسات خاطئة أوغير قانونية أو
فاسدة تمارسها مؤسسات الحكومة أو المجتمع المدني أو أي مؤسسة أخرى في المجتمع وتؤثر
سلباً على الصالح العام من خلال لفت الاعلام الانتباه لهذه الممارسات بغية تصحيحها،
واذا تطلبت الحاجة معاقبة المسؤولين عنها.
إن إحدى فوائد هذا الوظيفة الرقابية للإعلام هي مساعدة الحكومة والقوى السياسية
الاخرى في البلد على تحقيق فهم أفضل لمشاكل المجتمع يصب في تطوير ادائها السياسي
والاداري. ويُعد هذا الدور الرقابي الذي يمارسه الاعلام المسئول السبب وراء تسمية
الاعلام بالسلطة الرابعة وهي سلطة معنوية غير رسمية تاتي بعد السلطات الثلاث الرسمية
المتمثلة بالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
قضاء مستقل
السؤال المهم اذن هو كيف يمكن تطوير اعلام حر لا يتحول الى اداة دعائية
بيد الدولة ويروج قيماً دكتاتورية ويستسهل قلب الحقائق لتناسب مقاس
النظام الحاكم؟ لا شك ان هذا سؤال مهم ومعقد ويحتاج للاجابة عليه فهم
تداخل العوامل والامكانات التي يؤدي تظافرها الى صنع اعلام حر ومسؤول
ومتوازن.
لعل من اهم هذه العوامل هو وجود اطار قانوني واضح يسمح بتعدد المنافذ الاعلامية
في البلد واختلاف الاراء والتفسيرات التي تنقلها هذه المنافذ. وللتاكيد على اهمية
حرية الاعلام كمبدا قانوني غير قابل للتشكيك، عادة ما تتضّمن دساتير الدول الديموقراطية
العريقة مواداً تؤكد على حرية الاعلام. لكن وجود نص قانوني في الدستور يكفل حرية
التعبير عن الرأي لا يعني بالضرورة ان هناك اعلام حر في البلد او ان بامكان المواطنين
التعبير عن ارائهم بحرية.
تقتضي حماية حرية الاعلام وجود نظام قضائي مستقل يقف بوجه الخروقات التي قد تمارسها
الحكومة او الجمعيات او الافراد وتنتقص من خلالها من حرية الاعلام المنصوص عليها
دستورياً ، لكن غير المكفولة تنفيذياً في بعض الاحيان.
يمكن ان تكون هذه الخروقات لحرية الاعلام عبارة عن اجراءات معينة حكومية او حزبية
او فردية او نصوص قانونية يشرعها البرلمان. عند ذلك تكون مهمة السلطة القضائية
بصفتها المسؤولة عن تطبيق القوانين وتفسيرالدستور وحمايته الوقوف بوجه هذه الخروقات.
ففي معظم الاحيان يعني غياب قضاء مستقل وقوي غياباً مماثلاً في الحريات الاعلامية
والتعبير عن الرأي والاختلاف. وعلاوة على الحماية القانونية الضرورية للحفاظ على
حق الاعلام في التعبير عن الاراء المختلفة، لا بد ايضاً من وجود قوانين تكفل حق
وسائل الاعلام في الوصول الى مصادر المعلومات ذات الطبيعة العامة من خلال مصادرها
الموثوقة كالاجتماعات العامة والوثائق الرسمية التي لا يؤدي الاطلاع عليها الى
تعريض امن البلد او الاشخاص الى الخطر. إن حجب المعلومات ذات الطبيعة العامة عن
الاعلام يؤدي إلى تعطيل دوره كناقل للمعلومات وكرقيب على اداء الحكومة.
ثقافة ديمقراطية
اضافة الى الحماية القانونية الفاعلة، يحتاج الاعلام الحر الى وجود
ثقافة ديموقراطية عامة تحتضنه وتدعمه. تتمثل هذه الثقافة بقبول شعبي
ورسمي بمشروعية الاختلاف في الرأي والتنوع الفكري والاقرار ان دور الاعلام
الحر هو اظهارهذا الاختلاف والتنوع في تغطيته للاخبار والتفسيرات التي
يقدمها لها.
ينشأ هذا القبول الشعبي والرسمي من تأصيل مباديء التعددية في الانظمة
التعليمية والانتخابية والقانونية ومختلف مجالات الحياة العامة . كما
ان هناك دوراً بارزاً ينبغي على منظمات المجتمع المدني من احزاب وحركات
سياسية وجمعيات مهنية وانسانية ودينية ان تلعبه في الدفاع عن حرية الاعلام
وتأصيل مفاهيم التعددية في الحياة العامة ، حتى وان اختلفت بعض هذه
المؤسسات مع تعامل الاعلام مع قضية ما تحتل اهمية معينة لدى هذه المؤسسات
.
في الحقيقة تُظهر التجارب التاريخية في الانظمة الديموقراطية ان حرية
وسائل الاعلام امتداد لحرية التعبير الجماعية وبالعكس ، وهي بهذا المعنى
احدى الاسس المهمة للديموقراطية. وعلى هذا النحو يعًد اي تراجع في الحريات
الاعلامية تراجعاً عاماً في الممارسة الديموقراطية على مستوى المجتمع
ككل. كما يدفع وجود ثقافة ديموقراطية شعبية حقيقية وسائل الاعلام الى
الارتقاء بمستوى ادائها في عكس التنوع الاجتماعي والسياسي والفكري الموجود
على ارض الواقع. وهكذا تساهم هذه الثقافة الديموقراطية في ممارسة نوع
من انواع التطوير والرقابة الصحية على الاعلام نفسه.
من جانبه يحتاج الاعلام ان يعكس التنوع السياسي والاجتماعي في داخل
المجتمع. يحدث هذا من خلال تطوير الاعلام الحر لتنوع الاصوات والتوجهات
داخله كي يستطيع المواطنون الاطلاع على طيف متنوع وكبير من الاراء والتحليلات.
ويعني هذا اولاً ابتعاد الاعلام عن سيطرة او اشراف الحكومة او الجماعات
ذات المصالح الخاصة من اجل ان يصبح اعلاماً مفتوحاً يعبرعن تنوع الاراء
والتوجهات الموجودة في المجتمع وليس فقط آراء الحكومة او الجماعات المتنفذة.
القيم المهنية
ثمة عامل ثالث ذو أهمية كبيرة في بناء اعلام حر يتعلق باداء العاملين
في وسائل الاعلام انفسهم والتزامهم القيم المهنية والديموقراطية في
تغطياتهم الاعلامية وابتعادهم عن النفس الانفعالي او التشهيري ذات التاثيرالسلبي
على رسالة الاعلام الحر . بمعنى آخر يحتاج الاعلام ان يكون مسئولاً
وبناءاً ومحايداً من اجل ان يؤدي وظيفته على الوجه الاكمل. وفي احيان
كثيرة يكون العاملون في مجال الاعلام مؤمنين بمباديء الديموقراطية والتعددية
والنزاهة والحياد الاعلاميين لكنهم لا يمتلكون المهارات اللازمة لتمثل
هذه القيم وتفعيلها في عملهم الاعلامي.
تظهر هذه المشكلة على نحو اكثر الحاحاً في الدول التي تعيش مرحلة التحول
الى النظام الديموقراطي او ما يعرف بالديموقراطيات الناشئة التي يُعد
العراق واحداً منها ، اذ يعيش تجربة هذا التحول الان دون ان يمتلك الكثير
من الاعلاميين العراقيين المهارات المطلوبة للمساعدة في دفع هذا التحول
وجعله سلساً وقليل المصاعب.
إن من أهم المهارات التي يحتاجها الاعلاميون المهنيون هي التمييز بين
الخبر والرأي ، فعادة ما ينقل الخبر حادثة او معلومة ما ومهمة الاعلامي
هي ان ينقل هذه المعلومة او الحادثة كما هي وباقصى درجات الحيادية وعدم
تضمين رأيه الشخصي بالحدث او المعلومة في صياغة الخبر. اما الرأي فيشير
عادة الى الموقف الشخصي الذي يشعره الاعلامي او شخص ما تجاه الحدث او
المعلومة.
إن من المهم الإبقاء على التمييز بين الخبر والرأي وعدم المزج بين الاثنين
على نحو يؤدي الى تسييس فهم المواطنين لما يجري حولهم. اضافة الى ذلك،
يجب على الاعلاميين كسب ثقة الجمهور من خلال توفير معلومات موثقة وصادقة
وتحليلات ذات صدقية تستند على هذا النوع من المعلومات. وبهذا الصدد،
ينبغي لأاجهزة الاعلام والاعلاميين العاملين فيها ان لا يكونوا خاضعين
لـتأثير الرأي العام بحيث يكون ما يقدمونه من مادةً مرتبطاً بما يرغب
الجمهور بالاطلاع عليه فقط بغض النظر عن صدقه وواقعيته. ان مهمة الاعلام
الحر والنزيه والمؤثر هي السعي وراء الحقيقة وتقديمها الى الجمهور حتى
وان كانت هذه الحقيقة جارحة او مؤلمة او لا تتفق مع قناعات شرائح معينة
من جمهور المتلقين.
الاستقلالية المالية
اما العامل الرابع والاخير فيرتبط بتحقيق الاستقلالية المالية لوسائل
الاعلام ، فبدون هذه الاستقلالية تعرض وسائل الاعلام حياديتها الى الخطر.
وغالباً ما يكون تحقيق الإستقلالية المالية امراً صعباً اذ تدفع الضغوط
المالية الكثير من المؤسسات الصحفية الى احضان المنقذين الذين يؤمّنون
سيولتها المالية لكنهم يأخذون بالمقابل ثمناً باهظاً من استقلاليتها
ويفقدونها حياديتها.
يحدث هذا الأمر كثيراً في الديموقراطيات الناشئة حيث تكون وسائل الاعلام
عرضة لهيمنة مؤسسات سياسية او إقتصادية تقوم بتمويلها مقابل توظيف هذا
الوسائل كوحدات للدعاية لها أكثر منها كوسائل اعلام مستقلة ومحايدة
كما هو الحال في روسيا بعد سقوط الشيوعية وصربيا.
في الحقيقة ليس هناك حل سهل وناجع لهذه المشكلة، لكن هناك عدد من الاجراءات
يمكن ان تشكل بمجموعها حلاً ناجعاً او على الاقل تخفف من وطأة المشكلة
الى حد كبير.
إحدى هذه الاجراءات هي تخصيص الحكومات بموجب قوانين يشرعها البرلمان
منحاً ومساعدات مالية لوسائل الإعلام المستقلة. قد لا تكون هذه المساعدات
والمنح كبيرةً من الناحية المالية، إلا انها قد تكون كافية لتمكين وسائل
الاعلام هذه من الوقوف على رجليها ومنافسة وسائل الاعلام غيرالمستقلة
التي تتلقى دعماً من مؤسسات سياسية او اقتصادية.
وهناك سبيل مساعد اخر هو حملات التبرع الشعبية التي تنظمها وسائل الاعلام
المحتاجه وتستطيع من خلال الحصول على مساعدات غير مشروطة من جمهورها
والمتعاطفين معها.
وتتبع الكثير من وسائل الاعلام المستقلة في الديموقراطيات الغربية كفرنسا
وبريطانيا واميركا هذا السبيل لتوفير دعم مادي اضافي لها. اخيراً هناك
السبل التجارية التقليدية المتمثلة بنشر الاعلانات التجارية التي يمكن
ان تدر ريعاً لا بأس به على وسائل الاعلام التي تنشرها..
Back to top |