يعتبر تمثيل المواطنين وإشراكهم في إدارة أجهزة الدولة المختلفة حجر الزاوية
في بناء أي نظام سياسي ديمقراطي. فالمواطنون في أي مجتمع لا يستطيعون إدارة
شئونهم العامة بأنفسهم مباشرة، ولذلك فهم ينيبون (و ينتخبون) أفرادا من
بينهم، للتفرغ، لأداء هذه المهمات. ويسمى الفرد من هؤلاء ممثل أو نائب لأنه
يمثل وينوب عن عدد من المواطنين. وبموجب الصلاحية الممنوحة له فإن النائب
يمثل المواطنين في نطاق القضايا والمصالح التي انتخب بموجبها. ويقوم بالبت
والتقرير فيها في ضوء ذلك.
لكنه لا يملك تفويضا مطلقا بالحديث باسم الناخبين. كما أنه من حق المواطنين
مراجعة أدائه في كل دورة انتخابية، وما ينجم عن ذلك من قرار التمديد له
أو العزوف عنه.
ويعتبر هذا هو أصل التمثيل في أي نظام ديمقراطي. وينطبق ذلك على رئيس الدولة
أو رئيس الحكومة (حسب النظام الانتخابي المعمول به)، والفرق أنه بينما نائب
البرلمان يمثل في المقام الأول مصالح دائرته الانتخابية، فإن رئيس الدولة
أو رئيس الحكومة يمثل مجموع المواطنين، الذين صوتوا له والذين صوتوا ضده.
وفي النظام الديمقراطي فإن الحكومة هي عبارة عن جهاز خدماتي، وظيفته تأمين
مصالح المواطنين والعمل على خدمتهم بالصورة المناسبة، وهو خاضع في النهاية
لرقابة ومحاسبة الهيئة التشريعية، أي من جانب النواب المنتخبين. وتوجد طائفة
واسعة من أدوات ووسائل الرقابة، داخل النظام السياسي وخارجه، تؤمن حقوق
المواطنين بصورة أمينة وصادقة وتحافظ على استقرار النظام السياسي.
وقد بحثنا هذه المسألة باستفاضة في العدد الثالث من سلسلة أوراق ديمقراطية. أما
العدد الحالي وهو الرابع، فنخصصه لمعالجة قضية التمثيل السياسي.
يحتوي هذا العدد على أربعة أقسام رئيسية وثلاثة أخرى فرعية. القسم الأول يبحث في
قضية التمثيل على صعيد العالم العربي عموما، والعراق بصورة خاصة. وهو يوضح كيف أن
المجتمعات العربية افتقدت لسنوات طويلة تمثيل المواطنين على نحو صحيح وحقيقي، سواء
كانوا أفرادا أو جماعات.
أما القسم الثاني، فيتطرق لمفهوم وأشكال التمثيل السياسي بصورة عامة، وعلى مستوى
الحكومة المركزية والحكومات المحلية بصورة خاصة.
كما يبحث التعقيدات المختلفة التي تحيط بهذه العملية، خاصة في المجتمعات العربية
والإسلامية، فهل يمكن على سبيل المثال للمرأة أن تمثل الرجل؟ أو غير المسلم أن يمثل
المسلم، أو غير العربي أن يمثل العربي؟
وتعتبر هذه وغيرها مشكلات تعاني منها العديد من المجتمعات المنقسمة إثنيا وقوميا
ودينيا. حيث تبرز صعوبات في تمثيل مختلف شرائح وفئات السكان، بما في ذلك الأقليات،
بصورة عادلة ومقنعة.
ويبحث القسم الثالث عملية الانتخابات بوصفها الآلية الأبرز للتمثيل السياسي. وفي
هذا القسم نعرض لمختلف أشكال الأنظمة الانتخابية، سواء أنظمة الأكثرية أو التمثيل
شبه النسبي أو التمثيل النسبي، مع تبيان مكامن الضعف والقوة في كل منها، كما نعرض
لتطبيقات من هذه الأنظمة في عدد من الدول.
أما القسم الرابع، فقد خصص للأحزاب السياسية، باعتبارها تمثل شكلا آخر من أشكال
التمثيل السياسي للمواطنين. إن الأحزاب تلعب دورا حاسما في الدول الديمقراطية، فهي
تؤطر المواطنين وتمثلهم على المستوى السياسي، كما تعمل على المحافظة على توازن النظام
السياسي بصورة عامة.
وكما في الأعداد السابقة، يحتوي هذا العدد أيضا على مساهمات لكتاب ومفكرين عراقيين،
يدلون بآرائهم في مسألة التمثيل السياسي، ويعرضون تجربتهم في ظل النظام الديكتاتوري
السابق، ورؤيتهم للبديل الديمقراطي الجديد.
ورغم أن مسألة التمثيل السياسي تبدو سهلة وفي متناول اليد من الناحية النظرية، بيد
أن الأمور، في الواقع العملي، ليست على هذه الدرجة من البساطة. فبسبب اختلاف المجتمعات
من الناحية الديمغرافية وتنوعها العرقي والديني والقومي، وتباين موقعها الجغرافي
وإرثها التاريخي والثقافي، فإنه لدى بحث مسألة التمثيل، يجب الأخذ في الاعتبار مجموعة
من المحددات :
- إن التقسيمات القومية أو الدينية أو الطائفية ليست معطيات حسابية، ولذلك لا تعكس
مختلف أشكال التمثيل السياسي هذه التقسيمات بدقة وصرامة، ولذلك هناك دوما، مجال
للإدعاءات بضعف أو زيادة تمثيل هذا الطرف أو ذاك.
- يلعب الإرث التاريخي أو الثقافي أحيانا دورا في منح بعض الطوائف أو القوميات نصيبا
أكبر نسبيا من حجمها في المجتمع. وإذ يمكن قبول ذلك في بداية التجربة الديمقراطية،
إلا أنه مع الوقت يتعين تصحيح هذا الأمر، وبالتراضي بين مختلف أطراف المجتمع.
- يشكل تمثيل النساء والأقليات الدينية أو القومية أو الثقافية الصغيرة هو الآخر
إحدى المعضلات التي تواجه المجتمعات المنقسمة، ولا سيما في منطقة الشرق الاوسط.
فالعادات والتقاليد والقيم المجتمعية السائدة تجعل من المتعذر تحقيق تمثيل حقيقي
ومستمر لهذه الفئات.
- تتأثر الأحزاب السياسية وكذلك باقي منظمات المجتمع بالانقسامات العرقية والدينية،
وبالتالي لا يجوز النظر دائما لهذه التشكيلات باعتبارها وعاء لتمثيل جميع المواطنين،
وإنما في الغالب أدوات سياسية لخدمة أهداف الطائفة أو القومية التي تمثلها.
- وأخيرا فإن ما ينتج غالبا عن الانتخابات في هذه المجتمعات هو نوع من المحاصصة
الطائفية أو القومية، وما لم يجر تطوير التشريعات ورفع مستوى الوعي الوطني، وإشاعة
التسامح وقبول الآخر، فإن هذه المحاصصة تصبح فخا يصعب مع الوقت الخروج منه.
وبالنسبة لبلد متعدد الاثنيات مثل العراق تعتبر مسألة التمثيل قضية معقدة. لذلك
لابد من تصميم نظام سياسي وانتخابي قادر على تلبية تطلعات السكان وخدمة مصالحهم
جميعا، فضلا عن مراعاة الحساسيات العرقية والقومية والدينية فيما بينهم.
فالذين عانوا من القمع والاضطهاد في ظل النظام السابق يريدون الانصاف في ظل النظام
الجديد، وهم يطالبون بضمانات بعدم اضطهادهم مرة أخرى. والذين استفادوا كثيرا أو
قليلا من النظام السابق لا يريدون أن يكونوا ضحايا النظام الجديد. وهناك شرائح لم
تستوعب بعد ما حدث منذ أبريل عام 2003، وهي تريد إعادة عجلة الأحداث بأية وسيلة
إلى الوراء.
ولذلك حينما يتعلق الأمر ببناء نظام سياسي عراقي جديد، من الطبيعي أن يتم أخذ جميع
هذه القضايا بعين الاعتبار، وبما يؤمّن خلق وئام مجتمعي محميّ بقوة القانون والدستور،
بعيدا عن عقلية الاستئثار والغلبة أو الاستسلام لغريزة الثأر والانتقام.
إن علينا أن لا نتوقع حدوث ذلك بين عشية وضحاها في العراق الذي يواجه من جهة حربا
يشنها الإرهابيون وبقايا النظام السابق، ومن جهة أخرى بنية تحتية مدمرة تحتاج إلى
عقود من الإصلاح وإعادة البناء. غير أن التحولات الكبرى في التاريخ، وما يجري في
العراق أحدها، كانت على الدوام مزيجا من هذا وذاك. مزيج من الألم والأمل ؛ ألم المخاض
العسير وأمل الحياة الجديدة.
.