التمثيل السياسي في العراق
هيئة التحرير
لم يعرف العراق على امتداد تاريخه الطويل أطراً قانونية تتمثل من خلالها الإرادة الشعبية بصورة نزيهة ودقيقة، بمعنى أن تعكس هذه الأطر التنوع العرقي والديني والاجتماعي والفكري القائم في البلد.
فقد أُختصرت الإرادة الشعبية في شخص الحاكم أو المؤسسة الحاكمة، وجرى استسهال تغييب هذه الإرادة أو تجاهلها لمصلحة توجهات النظام الحاكم وأهدافه. يتجلى هذا التغييب على نحو بارز في تاريخ الدولة العراقية الحديثة منذ العهد العثماني حتى نهاية نظام صدام حسين (على افتراض ان تؤدي التجربة الديموقراطية الناشئة بعد سقوط النظام إلى نهاية هذا التقليد السيء).

العهد العثماني
في أثناء الحكم العثماني الذي امتد لثلاثة قرون، كان اختيار الولاة الذي يحكمون ولايات العراق الثلاث، بغداد والموصل والبصرة، مرتبطاً برغبات القصر السلطاني والباب العالي في الأستانة، عاصمة الإمبراطورية العثمانية، والمعادلات والتنافسات السياسية هناك، أكثر من ارتباطه برغبات السكان المحليين في هذه الولايات.
لقد كان شائعاً في الأوساط السياسية العثمانية آنذاك اعتبارُ العراق بلداً صعباً لا يمكن لأي حاكم أن ينجح فيه، ولذلك أصبح منفى الساسة العثمانيين غير المرغوب فيهم في الأستانة من خلال تنصيبهم ولاة في العراق “الصعب” ، لابعاد “شرهم” المفترض عن عاصمة الإمبراطورية، كما حصل في تولية مدحت باشا، أهم الولاة الإصلاحيين العثمانيين وأعمقهم أثراً في البلد، في عام 1869.
كما كانت الولاية في العراق تُعطى ايضاً كمكافأة من السلطان أو الباب العالي لشخصيات سياسية غير مهمة في الأستانة لكنها قدمت خدمات معينة للسلطان او الباب العالي . وفي معظم الأحيان لم يكن هؤلاء حكاماً أكفاءً بل كانوا مهتمين بحيازة اكثر ما يمكن من الأموال قبل ان يتم خلعهم او نقلهم. في الواقع، لم ينل العراق الاهتمام الجدي من الأستانة إلا في حالات خوف الأخيرة من فقدانها السيطرة على ولايات البلد بسبب غزوات القبائل او المحاولات الايرانية لاجتياح بعض المناطق العراقية. فكانت الدولة العثمانية حينها تعين حاكماً قوياً، يكون عادة ذا خلفية عسكرية، للتعامل مع هذه الاخطار ودرئها. وقد تميز هؤلاء الحكام بصرامتهم وقسوتهم على السكان المحليين وفرضهم المزيد من الضرائب الثقيلة اصلاً لتمويل المجهود العسكري.
وجدت بعض أشكال الأطر التمثيلية العثمانية طريقها إلى العراق بعد وصول جمعية الاتحاد والترقي إلى الحكم في العام 1908، إذ تم إحياء البرلمان العثماني المعروف باسم “مجلس المبعوثين” والذي ألغاه السلطان عبد الحميد في العام 1876. وعلى هذا الاساس أختير وجهاء عراقيون لتمثيل الولايات الثلاث، علاوة على تخصيص مقاعد برلمانية لتمثيل اليهود والمسيحيين والصابئة. تجربة مجلس المبعوثين لم تدم طويلاً بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى وخسارة الدولة العثمانية ولاياتها العربية،ولم تغير تجربة مجلس المبعوثين كثيراً من طابع التغييب التمثيلي الذي ساد طوال فترة الحكم العثماني، فلم يكن هذا المجلس ذا صلاحيات حقيقية وفعالة على مستوى الولايات كما كان الكثير من الذين يُختارون لتمثيل العراقيين في هذا المجلس من الموالين للسلطة العثمانية أو لم يكونوا يحملون رؤية إصلاحية جادة يمكن أن تتحول إلى واقع.

العهد الملكي
حاول الحكم الملكي في العراق تطوير آليات ومؤسسات تمثيلية وبناء علاقات جديدة بين الحاكم والمحكوم تقوم على الشرعية الانتخابية التي يتم من خلالها تمثيل ألوان الطيف العراقي الواسع في مؤسسات الحكم والحياة السياسية على نحو عام. فتم إصدار دستور ذى أفكار تقدمية وتمثيلية في عام 1925 سمح بحرية التعبير والعمل السياسي ، ونص على إنشاء برلمان يُنتخب أحد مجلسيه (مجلس النواب) بالاقتراع السري المباشر، كما تم تخصيص مقاعد للأقليات الدينية في البلد.
وبرغم احتواء الدستور والقوانين على نصوص كثيرة تشجع التوجه التمثيلي، فقد كانت الممارسة على أرض الواقع شيئاً آخر، إذ بقيت الكثير من هذه النصوص حبراً على ورق. فعلى سبيل المثال، لم يكن البرلمان نفسه يعكس على نحو صادق التنوع العرقي والديني والفكري الاجتماعي في البلد، حيث سيطرت عليه مجموعة من الإقطاعيين والتجار والوجهاء والمقربين من القصر والحكومة.
ولم يكن الكثير من هؤلاء البرلمانيين يمثلون امتدادات شعبية حقيقية او واسعة بل كانوا يمثلون أنفسهم او الشرائح الاجتماعية أوالطبقية الصغيرة التي ينحدرون منها. جرى تكريس هذا الصنف من البرلمانيين في الحياة البرلمانية في العراق الملكي من خلال إعادة انتخابهم بوسائل غير ديموقراطية ومشبوهة كانت الحكومة تلجأ اليها لضمان وجود برلمان غير فعال لا يمارس دوراً رقابياً جاداً بحقها.
انطبق نفس الأمر على الحياة السياسية المعارضة، إذ احتكرت معظمها نفس طبقة الوجهاء والتجار والضباط والسياسيين القريبين من القصر، ولم تكن هذه المعارضة تشكل تهديداً جدياً للنظام الملكي كونها كانت تعارض من داخل النظام السياسي نفسه وليس من خارجه ولا تقدم رؤية إصلاحية جدية وعميقة.
أما الحركات السياسية التي كانت تعارض من خارج النظام السياسي والتي كانت لها امتدادات شعبية حقيقية كالحزب الشيوعي العراقي وبعض الحركات الكردية فكانت ممنوعةً قانوناً، وكانت تمارس نشاطاً سرياً وتتعرض للاضطهاد والقمع السياسي والأمني بلغ حد إعدام أعضائها.
ولذلك بقيت الامتدادات الشعبية التي تمثلها هذه الحركات غير مُستَوعبة او ممثلة في العملية السياسية، إضافة إلى ابتعاد الكثير من أفراد الشعب العاديين عن النشاط السياسي العلني بسبب التهميش وشيوع الفقر والجهل وغياب الأطر التمثيلية الفعالة.

ولم يختلف الأمر كثيراً في الجانب الإعلامي فكانت هناك صحفٌ كثيرة متنوعة بعضها يعكس نخبوية الطبقة السياسية العراقية المهيمنة حينذاك، فيما كان بعضها ألآخر على تماس أفضل بهموم الناس العاديين ومشكلاتهم، لكن سيف غلق الصحف واعتقال الصحافيين كان مشهراً دائماً وتم استخدامه في أحيان كثيرة عند خروج الصحيفة أو الصحافي عما هو مسموح به رسمياً.

العهد الجمهوري
الميزة الأهم في العهد الجمهوري فيما يتعلق بالتمثيل السياسي هي الانخراط الشعبي الواسع في هذه الساحة السياسية سواءٌ من خلال المشاركة بالتظاهرات او الجدل السياسي الدائر، اضافة إلى زيادة الانتساب إلى الأحزاب خصوصاً بعد تحقيق الحكم الجمهوري في سنواته الأولى بعض المكاسب المهمة التي مست حياة الناس العاديين وحسنَّتها.
لكن لم يجرِ استيعاب هذا الانخراط الشعبي الواسع من خلال اطر تمثيلية ديموقراطية تسمح بتمثيل الاراء المختلفة وتفاعلها على نحو صحي، وذلك لأسباب كثيرة يتداخل فيها ضعف القيم المدنية وغياب ثقافة الاختلاف والتسامح وشدة الاحتراب السياسي، إضافة إلى غياب رؤية سياسية واضحة وعملية لدفع البلد باتجاه تقليد المؤسسات التمثيلية الديموقراطية الفاعلة.
هذه الأسباب وغيرها ساعدت إلى حد كبير على هيمنة أسلوبي الانقلابات العسكرية والعنف السياسي ضد الخصوم كسبيل لحسم الخلافات السياسية. وفي خضم هذه الظروف المضطربة سجل حزب البعث صعوداً واضحاً في الحلبة السياسية بسبب نجاحه في استخدام هذين الاسلوبين، الأمر الذي قاده إلى السيطرة على السلطة في آخر المطاف.
في ظل الحكم البعثي الطويل منذ عام 1968 حتى سقوطه في عام 2003 ، غيّب النظام البعثي بقايا المؤسسات التمثيلية الموروثة من العهود السابقة لصالح مؤسسات الحزب الحاكم التي تلخصت مهمتها في إلغاء التنوع العرقي والديني والفكري والاجتماعي باسم العروبة والقومية، في مقابل تكريس فكر أحادي شمولي.
وقد ترجم الحكم البعثي خوفه من التنوع والتعددية من خلال تجييره مؤسسات الدولة والمجتمع المدني لإخفاء هذه التنوع والغائه إن أمكن.
لذلك لجأ البعثيون إلى وضع دستور وتأسيس برلمان وتكريس صحافة والسماح بحياة سياسية محدودة تروج جميعها للفكر الأحادي الشمولي ولاتعبر عن التنوع الكبير الموجود في العراق على مختلف الأصعدة. وقد جر ذلك على العراق والعراقيين طوال العقود الثلاثة الماضية كما هائلا من الويلات والدمار أديا إلى تشوه المجتمع وتحطيم الفرد.