التمثيل السياسي
يعتبر التمثيل السياسي من المفاهيم الرئيسية في النظام الديمقراطي، فإذا
كانت الديمقراطية تعني حكم الشعب، فإن هذا الشعب لا يمكنه أن يحكم نفسه
بنفسه، وإنما لا بد له من ممثلين ينوبون عنه في سن القوانين ومراقبة تنفيذها
والبت في الأمور المصيرية، فضلا عن الإشراف على أداء الحكومة وضمان المحافظة
على حقوق جميع المواطنين.
هناك ثلاثة أنواع معروفة من التمثيل. النوع الأول، هو التمثيل الكمي أو
الإحصائي، وفيه أن عينة عشوائية من الأشخاص يمكن اتخاذها كمعيار لتمثيل
محموعة أكبر من البشر. وهو المبدأ الذي تقوم عليه استطلاعات الرأي. فعندما
تقول الاستطلاعات إن 90% من الشعب يؤيدون الرئيس، فإنها لم تعتمد على 90%
من أفراد الشعب، وإنما اعتمدت على مجموعة صغيرة بالإمكان من الناحية العملية
الإحصائية القول إنها تمثل الشعب.
النوع الثاني من التمثيل، هو التمثيل الحصري والمتعلق بمهمة يقوم بها وكيل
أو وفد معين. فالوكيل أو الوفد يعمل على حماية مصالح وتطوير مشاريع الطرف
الأكبر الذي وكله أو أوفده. المحامي قد يمثل المتهم، الوكيل قد يمثل الشركة،
السفير يمثل بلاده لدى الآخرين، المتحدث الرسمي باسم جماعة كذلك يدخل ضمن
هذا التصنيف.
النوع الثالث هو التمثيل السياسي، أي التحدث باسم المجموعة التي انتخبت
الفرد أو الحزب. بمعنى أن الشخص المنتخب حصل على ثقة الناخبين الذين يعطونه
الصلاحية لممارسة العمل السياسي في القضايا اليومية والحياتية. وبما أن
هذه القضايا تتعلق بالكثير من عوامل العمل السياسي الميداني، فإن جهود الناخبين
الذين أعطوا ثقتهم لذلك الشخص يتوقعون منه أن يباشر نشاطه السياسي معتمدا
على مبادئ وميثاق طرحه للجمهور.
التمثيل السياسي في هذه الحالة، أمر يختلف عن الحالات الأخرى. في هذه الحالة
يتم انتخاب شخص ما، أو حزب ما ليمارس النشاط السياسي نيابة عن الجمهور /
الدائرة الانتخابية التي أوصلته لذلك المنصب السياسي. والانتخاب هنا يختلف
عن التوكيل، لأن الشخص المنتخب يمارس أعماله في مجال سياسي واسع يحتاج للكثير
من الاعتماد على التمحيص واتخاذ المواقف تجاه الأحداث والقضايا المطروحة
خلال الفترة الانتخابية. والشخص المنتخب يطرح نفسه للدائرة الانتخابية كل
عدة سنوات لكي يحصل على أصوات الناخبين وثقتهم به. والشخص في هذه الحالة
يستخدم اجتهاده وفهمه للمصلحة العامة، أو لما يحقق مصالح الدائرة الانتخابية
التي أوصلته لمنصبه. ولذا فإنه في هذه الحالة أكثر قدرة على اتخاذ القرارات
من النوع الثاني الذي تم التطرق إليه، أي نوع الوكيل أو الموفد. فالوكيل
والسفير والوفد لا يستطيع التحدث في أي أمر، إلا إذا كانت لديه رخصة مسبقة
ومحددة. أما الممثل السياسي في النوع الثالث فإن له الحق أن يمارس نشاطه
بحرية أوسع، ومن ثم يخضع للانتخابات الدورية.
الانتخابات، بأشكالها المختلفة، تسعى لإيجاد التمثيل السياسي من النوع الثالث.
والمقصود من هذه الانتخابات هي أن “الصلاحية” و”السلطة” التي يمتلكها الممثل
السياسي مستمدة مباشرة من الشعب، أو المجموعة الناخبة.
تمثيل الهويات والأثنيات المتباينة
هيئة التحرير
هل يمكن للمرأة أن تمثل الرجل أو غير المسلم أن يمثل المسلم أو غير العربي
أن يمثل العربي في أي عملية تمثيل سياسي، كالانتخابات مثلا، في أي دولة
عربية؟
يبدوا مثل هذا السؤال افتراضيا إلى حد كبير، بالنظر إلى أن العرب والمسلمين
يشكلون في العالم العربي ما نسبته 80 بالمائة من السكان، في حين أن مشاركة
المرأة في العمل السياسي تظل محدودة بفعل العديد من العوامل المجتمعية والثقافية
والدينية.
لكن أهمية السؤال لا تكمن في الجانب الإحصائي، أي في الأرقام، وإنما في
جوهرها السياسي وعلاقتها بالعملية الديمقراطية.
فالعملية الديمقراطية ليست مجرد تطويرالعلاقات القبلية والمجتمعية بل لتمنع
التميز بين الناس على أساس النسب والانتماء العائلي والديني والقومي.
إن الديمقراطية في جانب كبير منها تأكيد لمفهوم المواطنة القائم على المساواة
بين الجنسين وبين أتباع الديانات والطوائف والقوميات والأعراق المختلفة
،المساواة في المشاركة السياسية، في الترشيح والانتخاب وحرية الوصول للمناصب
التنفيذية والتشريعية والقضائية.
ولما كانت الديمقراطية تحمل في طياتها معنى المواطنة والمساواة، فإنها تفترض
أن المشاركين فيها يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات، سواء كانوا ذكورا أو
إناثا، عربا أو غير عرب، مسلمين أو غير مسلمين.
ومن هنا فإن أي انتخابات حقيقية وصحيحة، لا بد أن تعكس قدرا معقولا من التمثيل
المجتمعي يتناسب مع كافة الأطياف المكونة له.
فحين تشارك النساء والرجال في العملية الديمقراطية، انتخابا وترشيحا، ولا
يكون هناك أي مقعد (أو مقاعد محدودة جدا) للنساء في المجلس التشريعي المنتخب،
فهذا يعني وجود خلل في العملية الديمقراطية. وبالمثل فإنه حين لا تتمكن
أي من الأقليات الدينية أو القومية، من إيصال ممثليها للمجلس، فإن الأمر
ينطوي على مفارقة غير طبيعية.
هل توجد موانع تحول دون تمثيل النساء للرجال أو تمثيل غير العرب والمسلمين
للعرب والمسلمين،ِ في المجتمعات العربية؟
نعم، هذا صحيح، فالفكرة السائدة في العديد من البلدان العربية هي أن النساء
لا يزلن يعتمدن على الرجال، سواء تعلق الأمر بمسائل المعيشة أو بالقضايا
السياسية، فِالرجال هم الذين يتصدرون لحلها. وفي العديد من البلدان العربية
التي تجري فيها انتخابات، كانت النساء تصوتن للمرشح الذي يحدده الزوج أو
الأخ أو الأب.
بل أن قطاعات لا بأس بها من النساء وقفن أحيانا ضد منح المرأة حقي التصويت
والترشيح للانتخابات، كما جرى في الكويت قبل أن يصوت مجلس الأمة على منحها
هذا الحق في عام 2005.
صحيح أن بعض النساء استطعن الوصول إلى قبة بعض البرلمانات العربية، لكن
ذلك كان بفضل جهود الأحزاب أو الجماعات المنضوين تحت لوائها، وليس بفضل
جهودهن الخاصة.
ويبدو الأمر أكثر سوءا في حالة الأقليات غير العربية أو غير المسلمة، وسواء
تعلق الأمر بالمسيحيين أو اليهود أو اليزيديين أو الصابئة أو الإسماعيليين
أو غيرهم، فإنه إضافة إلى الموانع الدينية أو المجتمعية، لا تتضمن الدساتير
العربية أية حقوق واضحة ومحددة لهم. وإنما تكتفي بالحديث عن مفاهيم عامة
حول الوطنية والأمة والأسرة الواحدة وما شابه.
وباستثناء الدول العربية، التي توجد بها أقليات دينية أو قومية كبيرة وراسخة الجذور،
لها حصة في النظام السياسي، (مثل لبنان والكويت ومصر) فإن التمثيل السياسي لباقي
الأقليات يظل خاضعا لظروف وأهواء الأغلبية المسيطرة.
في عام 2005 كانت هناك أكثر من 18 دولة عربية تجري فيها، بانتظام أو بصورة متقطعة،
انتخابات تشريعية أو محلية.
وإذ يعتبر ذلك تقدما ملحوظا بالنظر إلى الوضع الذي كانت عليه قبل عقدين من الزمن
فقط، حيث كانت الانتخابات غير معمول بها في معظم الدول العربية، فإن هذه الانتخابات
لم تعكس، باستثناء حالات قليلة، أي نصيب معقول للنساء أو للأقليات.
وتسود في بعض المجتمعات العربية مدارس فقهية إسلامية ذات تفسير ضيق للدين، تعتبر
منصب النائب في البرلمان نوعا من أنواع الولاية العامة، حيث لا يجوز أن يمنح للمرأة،
أو غير المسلم. حيث يتعين على غير المسلم إذا أراد أن يشغل مقعدا في البرلمان،
أن يترشح عن دائرة يغلب عليها أتباع دينه.
وحتى في الحالات التي ينجح فيها بعض غير المسلمين في الوصول إلى قبة البرلمان،
فإنهم لا يستطيعون الحديث باسم أديانهم أوطوائفهم، حيث أن غالبية الدساتير العربية
تنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس
للتشريع. وبالتالي لا يمكن سن تشريع أو قانون لا يتوافق مع أحكام الشريعة.
ورغم أن بعض التقدم تحقق في ميدان تمثيل المرأة في البرلمانات العربية، خاصة في
السنوات الأخيرة ( 35 نائبة في المغرب و21 نائبة تونس، و6 في الأردن وفي البحرين
أربع عضوات في مجلس الشورى المعين، واثنتين في سلطنة عمان)، إلا أن تقرير التنمية
البشرية العربي لعام 2002 يظهر أن المنطقة العربية جاءت في المرتبة قبل الأخيرة
في مجال تمكين المرأة، ولا يليها سوى شبه الصحراء الأفريقية.
والحال أن الإجابة على الأسئلة التي طرحت في بداية هذا الموضوع لا تزال عموما
سلبية، فلا يمكن الإدعاء بأن المرأة العربية تمثل الرجل العربي سياسيا، أو أن
غير المسلم يمثل المسلم.