هيئة التحرير *
تلعب الانتخابات دورا محوريا في تعزيز المشاركة والمساءلة والشفافية. والانتخابات
التي تجري بانتظام قد تكون الوسيلة الرئيسية لإشراك قطاع كبير من المجتمع وتفاعله
مع الحكومة. ويصح هذا بوجه خاص على الدول ذات العدد الكبير من السكان حيث لا
يمكن من الناحية اللوجيستية وجود تفاعل مباشر بين القادة والمواطنين. وبالإضافة
إلى ذلك، قد تشكل الانتخابات آلية للمساءلة ما يضمن تجاوب تصرفات الحكومة مع
رغبات المحكومين. كما أن الحملات الانتخابية العلنية قادرة على إظهار شفافية
أكبر في سياسات الحكومة وممارساتها.
الأنظمة الانتخابية
يعد اختيار النظام الانتخابي واحدا من أهم القرارات الخاصة بالمؤسسات في الدول
الديمقراطية، ورغم ذلك فنادرا ما يتم هذا الاختيار بطريقة واعية ومتأنية. وغالبا
ما يجري اختيار النظام الانتخابي بصورة عرضية، نتيجة مجموعة من الظروف الاستثنائية،
أو ظهور اتجاه مؤقت، أو انعطاف تاريخي، إضافة إلى التأثير الذي تتركه الدولة
المستعمِرة أو القوية المجاورة صاحبة النفوذ. ومع ذلك فإن اختيار نظام انتخابي
محدد يؤثر على مستقبل حياة البلاد السياسية تأثيرا عميقا في كل الحالات تقريبا.
وغالبا ما تظل النظم الانتخابية بعد اختيارها ثابتة إلى حد ما، طالما تلتف المصالح
السياسية حول بواعثها وتستجيب لها.
إذا كان الاختيار الواعي للنظام الانتخابي نادر الحدوث، فمن الأندر أن يجري تصميم
هذا النظام بعناية وفقا للظروف التاريخية والاجتماعية الخاصة ببلد ما. ويتأتى
على كل ديمقراطية جديدة أن تختار ( أو أن ترث) نظاما انتخابيا من أجل اختيار أعضاء
البرلمان. وغالبا ما تتأثر هذه القرارات بظرف أو أكثر. ويفتقد الفاعلون السياسيون
بعض الأحيان معرفة المعلومات اللازمة، بحيث لا يتم إدراك طرق اختيار النظم الانتخابية
وتبعاتها بصورة كاملة، أو قد يستخدم الفاعلون السياسيون معرفتهم بالنظم الانتخابية
لتشجيع نظام انتخابي معين يعتقدون أنه سيكون في مصلحة أنصارهم. ونجد في حالات
أخرى، أن الخيارات المقررة، في حالة تطبيقها، قد لا تكون أفضل خيارات لتحقيق الازدهار
السياسي على المدى الطويل للبلد المعني، وتسبب إنهيار الأمال الديمقراطية لذلك
البلد أحيانا.
يمكن القول إذن إن الأساس الذي يقوم عليه اختيار نظام انتخابي معين، لا يقل أهمية
عن الاختيار في حد ذاته.
طبيعة عمل النظم الانتخابية
تعمل النظم الانتخابية بصورة أساسية على ترجمة ما يحدث في الانتخابات العامة،
إلى مقاعد تفوز بها الأحزاب والمرشحون. وتكون المتغيرات الأساسية هي : الصيغة
الانتخابية المستخدمة (بمعنى ما إذا كان النظام المتبع يندرج في إطار نظم الأكثرية
أو نظم التمثيل النسبي، فضلا عن الصيغة الحسابية المستخدمة لحساب تخصيص المقاعد)،
وحجم الدائرة (عدد أعضاء البرلمان الذين ينتخبهم أفراد هذه المنطقة وليس عدد
الناخبين في المنطقة).
إن اختيار النظام الانتخابي يؤثر على طريقة رسم حدود الدائرة، وكيفية تسجيل الناخبين،
وكيفية تصميم أوراق الاقتراع، وكيفية حساب الأصوات، إضافة إلى العديد من الجوانب
الأخرى التي تتسم بها العملية الانتخابية.
أهمية النظم الانتخابية
تقوم المؤسسات السياسية بتشكيل قواعد اللعبة التي تجري ممارسة الديمقراطية في
إطارها. وغالبا ما يدور الجدل حول أن النظام الانتخابي، هو المؤسسة السياسية
التي يمكن التلاعب بها بسهولة، سواء للأفضل أم للأسوأ، إذ أن اختيار النظام
الانتخابي يمكن أن يحدد بفعالية من سيتم انتخابه، والحزب الذي سيفوز بالسلطة،
بعد ترجمة الأصوات أثناء الانتخابات العامة إلى مقاعد في الهيئة التشريعية.
ويمكن أن يؤدي أحد النظم الانتخابية بالعدد نفسه من الأصوات التي تعطى للأحزاب
إلى تشكيل حكومة ائتلافية، في حين يتيح نظام آخر المجال لحزب منفرد تشكيل حكومة
أغلبية.
وهناك عدد من التبعات الأخرى للنظم الانتخابية التي تتجاوز هذا الأثر الأولي.
فنمط تطور النظام الحزبي وخاصة عدد الأحزاب السياسية وحجمها النسبي في البرلمان،
يمكن التأثير عليه بهذه الكيفية.
كما يمكن أن تؤثر النظم الانتخابية أيضا على أسلوب الحملات السياسية، ومسلك النخبة
السياسية، ومن ثم المساعدة في مجال تحديد المناخ السياسي العام. فتستطيع النظم
الانتخابية أن تشجع أو تعيق تشكيل التحالفات بين الاحزاب، كما تستطيع تزويد الاحزاب
بالحوافز اللازمة لتكوين قاعدة عريضة أو ضيقة على أساس الروابط الاثنية وصلات
النسب والقرابة.
وعلاوة على ذلك، إذا كان هناك نظام انتخابي “غير عادل” ولا يتيح للمعارضة الشعور
بإمكانية الفوز بالجولة التالية، فهناك نظام انتخابي آخر يمكن أن يشجع الخاسرين
على العمل خارج النظام ، باستخدام أساليب غير ديمقراطية وقاسية، بل وأحيانا عنيفة.
تجدر الإشارة إلى أن النظم الانتخابية لا تعمل بالضرورة بنفس الطريقة في البلدان
المختلفة. فرغم وجود خبرات مشتركة في مناطق عديدة من العالم، فإن الآثار الناجمة
عن نمط انتخابي معين، تعتمد إلى درجة كبيرة على السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي
يتم تطبيق هذا النمط في إطاره. وتعتمد نتائج النظام الانتخابي على عوامل عديدة،
منها : بنية المجتمع والانقسامات الايديولوجية أو الدينية أو الاثنية أو الإقليمية
أو اللغوية فيه، وما إذا كان البلد من الديمقراطيات الراسخة أو الانتقالية الجديدة،
أو إذا كان النظام الحزبي راسخا أو وليدا جديدا أوغير موجود، وعدد الأحزاب “الجادة
القائمة”، والتوزيع الجغرافي لأنصار حزب معين أو انتشارهم عبر منطقة واسعة.