النموذج الأول : الهند نظام الفائز الأول
ماهيش رانجاراجان وفيجاي باتيدار
ماهيش رانجاراجان مؤرخ بيئي ومستشار سياسي يقيم في دلهي ويعمل حاليا باحثا في
متحف ومكتبة نهرو التذكارية، أما فيجاي باتيدار فهو أحد المسؤولين عن الانتخابات
في الهند، قدم استشاراته حول قضايا الإدارة الانتخابية، وكانت أحدثها استشارة
للأمم المتحدة في فوكوفار في كرواتيا.
تظل الهند، إلى حد كبير، أكبر ديمقراطية في العالم، إذ فيها 600 مليون ناخب. ويعد
النظام البرلماني الهندي، ونظامه الانتخابي (الفائز الأول)، من مخلفات الاستعمار
البريطاني الذي انتهى عام 1947. فقد أدخل البريطانيون الحكم الذاتي إلى الهند
على مراحل، ولم يكن نيل حق الاقتراع الشامل إلا بعد نهاية الحكم البريطاني، وإقرار
الدستور الهندي في العام 1950 عن طريق الجمعية التأسيسية. وقد شملت الجمعية التأسيسية
عددا من البارزين في مجال القضاء والمحامين والخبراء الدستوريين والمفكرين السياسيين،
واستمرت تعمل لمدة ثلاث سنوات تقريبا، وناقشت بصورة مسهبة قضية النظام الانتخابي
الذي يجدر تبنيه قبل اختيار نظام “الفائز الأول” بشكل نهائي.
لقد تمت دراسة مختلف نظم التمثيل النسبي، واجتذبت العديد من المدافعين والأنصار،
مع معرفة تنوع المجتمع الهندي وما يشتمل عليه من تعددية عرقية.
لقد حظي نظام “الفائز الأول” بالاختيار، لتجنب تفتيت الهيئات التشريعية، والمساعدة
على تشكيل حكومات مستقرة، لأن الاستقرار عنصر رئيسي في بلد نام تنتشر فيه الأمية
والفقر على نطاق واسع.
ينص الدستور الهندي على ممارسة كافة المواطنين لحق الانتخاب، بدءا من سن 18 سنة،
ما عدا من يحظر عليهم ذلك بخلاف موضوع السن. ويقوم الناخبون بانتخاب 544 عضوا
في “لوك سابها” أي المجلس الأدني، من دوائر منفردة العضوية. وتتبع كافة الولايات
الهندية (التي تبلغ 25 ولاية) نظاما مشابها. ويجري في المقابل، انتخاب “راجيا
سابها”، أي المجلس الأعلى من البرلمان، ومجالس الولايات وغيرها من الهيئات العليا
المماثلة في الولايات، انتخابا على نحو غير مباشر عن طريق الجمعيات التشريعية
بالولاية. ويقوم أعضاء البرلمان والجمعيات التشريعية في الولاية أيضا بانتخاب
الرئيس ونائب الرئيس (غير التنفيذيين).
تجري الانتخابات العامة كل خمس سنوات، ولكن الرئيس يستطيع حل “لوك سابها”، بناء
على مشورة رئيس الوزراء قبل انتهاء دورتها، كما حدث في عام 1971، أو على أساس
الإدراك بعدم إمكانية تشكيل حكومة مستقرة، كما حدث في عام 1991. ويتولى رئيس الوزراء
مقاليد منصبه لفترة تطول بقدر استطاعته امتلاك ناصية الأغلبية في “لوك سابها”.
ولقد تمكنت كافة حكومات حزب المؤتمر المتعاقبة، التي حكمت الهند على نحو متواصل
حتى عام 1977، من أداء الخدمة لفترة كاملة.
وكانت الحكومات منذ 1977، أقل استقرارا، واضطر عدد من رؤساء الوزارة إلى الاستقالة
قبل استكمال دورتهم نتيجة للانقسامات الحزبية أو سحب الثقة. وفي حين تعتبر العملية
الانتخابية حرة وعادلة على نطاق واسع، وتتميز اللجنة الانتخابية باستقلالها وامتلاكها
لسلطات واسعة، ما تزال هناك مشكلات جدية. ويبدو ذلك على نحو خاص في بعض المناطق
الريفية الشمالية في الهند، حيث أن النخبة الغنية الوافدة إلى هذه المواقع لا
تتيح لفقراء الريف الإدلاء بأصواتهم، وغالبا ما تقع نقاط الاقتراع تحت سيطرة عصابات
مأجورة. ويحصل الناخبون على عطايا كالمواصلات المجانية، ويجري التأثير عليهم بهذه
الكيفية، وينعدم في الوقت نفسه، احترام حدود حجم إنفاق كل مرشح.
وقد تؤدي الدعوات الطائفية في فترة الانتخابات إلى تغذية العنف. ويشكل الهندوس
85 في المئة من السكان، وتشتمل الهند أيضا على ما يزيد عن 120 مليون مسلم. ويؤدي
تفتت النظام الحزبي إلى ارتفاع شعبية الأحزاب المتطرفة.
كان التأثير الرئيسي لنظام الانتخاب، حتى عام 1977 على الأقل، يكمن في ضمان حكومات
للأغلبية مرتكزة على دعم الأقلية. وقد أسفر نظام “الفائز الأول” عن تأمين حزب
المؤتمر الحاكم للأغلبيات المستقرة في “لوك سابها” ضد معارصة مجزأة عادة. وقد
تلاشت أغلبية حزب المؤتمر منذ عام 1977، عندما اتحدت أحزاب المعارضة في ائتلافات
وتحالفات، وبدأت بالاشتراك في تقديم مرشحين ضد مرشحي حزب المؤتمر ( كما كان الوضع
في الانتخابات العامة في 1977 و 1989). وعلاوة على ذلك، فإن طبيعة النظام تعني
أن التغيرات الصغيرة في حصر التصويت، عادة ما تؤثر تأثيرا دراماتيكيا على شكل
البرلمان الناتج.
فعلى سبيل المثال، انخفضت حصة حزب المؤتمر بدرجة كبيرة مع انخفاض ضئيل فحسب في
عدد الأصوات، كما حدث في الأعوام 1966 و1977 و1989.
لم تكن نتائج “لوك سابها” تناسبية أبدا. فلقد تم انتخاب المرشح الذي حصل على أكبر
عدد من الأصوات، وليس بالضرورة غالبية الأصوات المقترعة. ويأتي التأييد للمرشحين
عادة من الطائفة نفسها أو لأسباب دينية أو جغرافية. وعلى الرغم من الطبيعة الانقسامية
لديمقراطية التعددية الإثنية، فقد احتفظ النظام الانتخابي بدرجة كبيرة من التأييد.
ويرجع ذلك جزئيا إلى الممارسة الخاصة بتخصيص أصوات للمجموعات المحرومة اجتماعيا.
يحتجز الدستور الهندي 22 في المئة من إجمالي المقاعد للجماعات المحرومة تاريخيا،
وهي ما يعرف باسم “الطوائف المجدولة” (79 مقعدا) أو القبائل المجدولة (41 مقعدا).
ويمكن لعضو واحد من الطوائف أوالقبائل المجدولة في هذه الدوائر أن يخوض المنافسة،
رغم أن كل الناخبين يملكون حق التصويت. وقد ضمنت هذه الممارسة توافق تمثيلهم البرلماني
مع نسبتهم بين السكان. وتجري حاليا دراسة تعديل دستوري يسعى لتخصيص 33 في المئة
من المقاعد لتمثيل المرأة.
لقد اتضح مدى عمق المساندة الشعبية لسلامة النظام الانتخابي في عام 1977، عندما
ألغت المحكمة انتخاب صاحب منصب رئيس الوزراء، أنديرا غاندي، بعد فوز حزب المؤتمر
بثلثي الأغلبية الشرعية في عام 1971، وكانت استجابة أنديرا تتمثل في إلغائها الحقوق
الدستورية الأساسية لمدة عامين (1975-1977)، وهي فترة حكم تسلط هامة في تاريخ
الهند في مجال الديمقراطية الانتخابية. وقد خسرت حكومتها السلطة عبر اقتراع عادل
في عام 1977، مما كان يشير إلى عدم استعداد الناخبين الهنود لقبول الممارسات غير
الديمقراطية. وقد واكبت انتخابات عام 1977 أيضا عصرا جديدا من عدم الاستقرار في
السياسة الهندية.
كان حزب المؤتمر منذ عام 1977، قادرا على إكمال دورات المنصب في ظل حكم أنديرا
غاندي (1980-1984)، وراجيف غاندي (1984 – 1990)، وناراسيمها راو (1991 – 1996).
ولم تنعكس قوة النظام الانتخابي عن طريق بروز بديل حيوي لحزب المؤتمر على المستوى
القومي. فلقد فازت أحزاب المعارضة، غير المنتمية لتكتل حزب المؤتمر – ما عدا الشيوعيين-
بالحكومة في عام 1977، وذلك عن طريق توحدهم في كيان مركب- حزب جانتا. ولكن هذا
الحزب انقسم بعد عامين. وجاء إلى السلطة، بعد ذلك في ديسمبر عام 1989 حزب جاناتا
دال بدعم من الأحزاب الشيوعية وحزب الإحياء الهندي “بهارتيا جانتا”. واستمرت هذه
الحكومة لمدة عشرة شهور. وفي الانتخابات الهندية العامة عام 1996، لم يكن هناك
أي حزب قادر على تشكيل حكومة مستقرة. فقد فاز حزب “بهارتيا جانتا” بـ 161 مقعدا،
في حين فاز حزب المؤتمر بـ 140 مقعدا.
وقد حدث أمران غير مسبوقين، نتيجة لهذه الانتخابات. أولا : طالب رئيس الهند من
حزب المعارضة الرئيسي، حزب “بهارتيا جانتا”، وهو حزب يميني مناصر لحزب الهندوس،
تشكيل الحكومة للمرة الأولى. ولكن غالبية الأحزاب السياسية الأخرى، التي أغلنت
عن هدفها المتمثل في منع حزب “بهارتيا جانتا” من الوصول للسلطة، اتحدت معا حتى
لا يتمكن حزب “بهارتيا جانتا” من حشد أغلبية صريحة داخل “لوك سابها”. وبالتالي،
فإن تحالفا من 13 حزبا، بإيديولوجيات شديدة الاختلاف، شكلت الحكومة تحت لواء الجبهة
المتحدة.
وبكلمات أخرى، لم يكن بمقدور أكبر الأحزاب، ولا ثاني أكبر الأحزاب، أن يشكل الحكومة.
إن الانتخابات العامة، في ظل نظام “الفائز الأول”، عام 1996 – أي في إطار النظام
الانتخابي نفسه الذي جلب الاستقرار عام 1997 – قد دخلت إلى عصر من عدم الاستقرار
وعدم اليقين السياسي.