النموذج الثالث: الأردن، تصميم نظام انتخابي في العالم العربي

أندرو رينولدز ويورجن إلكيت
أندرو رينولدز يشغل منصب مسئول برامج في المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، وهو أستاذ في قسم الحكومة والدراسات الدولية بجامعة نوتردام بالولايات المتحدة.
أما يورجن إلكيت فهو مدرس في قسم العلوم السياسية في جامعة آرهوس بالدانمارك، وهو خبير استشاري في مجالات الديمقراطية والقضايا المرتبطة بالانتخابات في الدانمارك وعلى مستوى العالم.
أصبحت قضية النظام الانتخابي في الأردن في صلب أكثر النقاشات احتداما وخلافا بعد عودة سياسة التعددية الحزبية على يد الملك حسين الراحل. فقد تمت إدارة الانتخابات العامة في عام 1989 في بيئة شهدت حظرا على الاحزاب السياسية - كما كان الحال في بداية الستينات- ولكن المستقلين من الإخوان المسلمين والمدافعين عن الملكية كان يسهل تحديدهم. وقد استخدم الأردن في هذه الانتخابات- وهي أول انتخابات تنافسية منذ ما يقرب من ثلاثين عاما- نظام “تصويت الكتلة”، الذي كان يستعين به الانجليز في المنطقة في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية مباشرة. واستخدم الأردن هذا النظام لانتخاب هيئة تشريعية مكونة من ثمانين عضوا. وتم احتجاز ثمانية مقاعد للمسيحيين وثلاثة مقاعد للشركس والشيشان.
وجرى تقسيم البلاد إلى عشرين دائرة، تضم كل منها من 2 إلى 9 من أعضاء البرلمان. وكان التفاوت في حجم الدوائر كبيرا بالنسبة لما ينتج عنها من أعضاء في البرلمان. فعلى سبيل المثال، نتج عن دائرة العاصمة الخامسة ودائرة “معان” خمسة أعضاء في البرلمان، في حين أن عدد الأصوات المسجلة في دائرة العاصمة كان يزيد بحوالي الضعف.
يمتلك الناخبون في نظام تصويت الكتلة عددا من الأصوات يماثل عدد المقاعد التي ينبغي شغلها في الدائرة، ولكن لا يستخدم الناخبون كلهم جميع الأصوات. وساد اعتقاد في انتخابات العام 1989 أن الناخبين قد أدلوا بصوت أو اثنين للمرشحين الذين تربطهم بهم روابط أسرية أو روابط القرابة والنسب. وجاء بعد ذلك “ الأخوان المسلمون”، وهي الحركة السياسية الإسلامية البارزة. ورغم أن الطبيعة السياسية غير الحزبية لهذه الانتخابات تضفي طابع التخمين على التحليل السياسي، فقد قدرت جامعة الأردن أن مرشحي الأخوان المسلمين قد فازوا بمعدل 30% من المقاعد بمعدل يقل عن 20 % من الأصوات، كما فاز الإسلاميون المستقلون بمعدل 16% من المقاعد بمعدل يقل كثيرا عن الأصوات. بينما فاز المرشحون المؤيدون للملكية بحوالي 60% من التصويت الكلي ولكنهم شغلوا 40% فقط من المقاعد. وأدت هذه النتائج إلى اعتقاد الملك بأن “تصويت الكتلة” يعطي المميزات لمرشحي الأخوان المسلمين، وهي الحركة السياسية الأكثر تنظيما وتماسكا في النظام الحزبي الوليد، أكثر من المميزات المعطاة للمستقلين والمناصرين للملكية.
ولهذا السبب تم إدخال نظام انتخابي جديد للانتخابات العامة عبر مرسوم ملكي عام 1993. ورفع الملك حسين في الوقت نفسه الحظر المفروض على الأحزاب السياسية، مما أدى إلى بروز حزب رسمي هو جبهة العمل الإسلامي. ورغم قناعة الملك حسين (وربما عن حق) أن غالبية الناخبين الأردنيين يدينون بالولاء للعائلة وعلاقات القربى أولا، ثم للأيديولوجيا السياسية ثانيا، فقد قرر الإبقاء على الدوائر متعددة العضوية، ولكنه قام بتغيير القانون بحيث يختار الناخبون مرشحا واحدا فقط في الدائرة. وتبنى الأردن بهذه الكيفية نظام (الصوت الواحد غير المتحول). ويطلق على هذا النظام في السياق الأردني، اسم “صوت لكل فرد”، رغم أن هذا المصطلح يستخدم في بلدان أخرى للإشارة إلى مبدأ المساواة الأساسي بين الناخبين، وليس للإشارة إلى نظام انتخابي معين.
وازدادت المشاركة الانتخابية قليلا في عام 1993، ولكنها ظلت أقل من 50% من السكان في سن التصويت.
إن تخفيض عدد الأصوات المعطاة للأفراد قد أجبر جميع الناخبين على الأخذ بعين الاعتبار ما يمثل ولاءهم الأكثر أهمية، سواء كان سياسيا أم غيره. وكان واضحا بالنسبة لمجلس النواب الأردني المنتخب عام 1993، أنه يشتمل على خليط شديد التوازن من التمثيلات الحزبية والمستقلين، أكثر مما كان عليه الحال من قبل. لقد فازت جبهة العمل الإسلامي بمعدل 20% من المقاعد، وذلك بمعدل 17% من الأصوات. وفاز مؤيدو الملكية المستقلون بمعدل 60% من المقاعد وذلك بمعدل 58% من الأصوات، كما فازت التجمعات الصغيرة من الإسلاميين المستقلين واليسار والقوميين ومرشحي حركة فتح بعدد ضئيل من المقاعد، وبعدد قليل من الأصوات.
وتتوافق هذه النتائج بشكل جيد مع التوقعات العامة حول نظام “الصوت الواحد غيرالمتحول”، وأنه أفضل كثيرا من نظام “تصويت الكتلة”، وذلك في مجال إفراز برلمان يتناسب تقريبيا مع توزيع الاصوات الكلي. وهي صورة نراها في البلدان الأخرى التي تستخدم، أو استخدمت، نظام “الصوت الواحد غير المتحول”، مثل اليابان في الفترة الواقعة بين عام 1948 وعام 1995، وتايوان.
وعلى الرغم من ذلك، فقد أدى تقلص الاختيارات المعطاة للناخبين مقترنا بتنافس عدد كبير من مرشحي جبهة العمل الإسلامي، إلى إحباط في عدد من الدوائر بشأن تغيير القانون الانتخابي.
وقد ظهرت أثناء إدارة انتخابات عام 1997 دعاوى للعودة إلى نظام “تصويت الكتلة” الذي كان متبعا في عام 1989، أو تبني النظام الانتخابي التناسبي بعد تجديده أو المختلط. وبالتالي، فمن المرجح أن يبقى الأردن حتى نهاية هذا القرن أحد مثالين قائمين يتبعان نظام “الصوت الواحد غير المتحول “ (والمثال الثاني هو فانواتو).