الثنائية البرلمانية (نظام المجلسين)

أثارت الثنائية البرلمانية جدلاً كبيراً، سواء لدى فقهاء القانون الدستوري، أو لدى الفاعلين السياسيين. ويمكن القول إن الفقهاء الدستوريين يجمعون في هذا المجال، على تمايز المراحل والبيئة التي انبثقت فيها هذه الظاهرة السياسية الدستورية انطلاقاً من الأسباب ومروراً بالأهداف والغايات المختلفة التي أريد للثنائية تحقيقها في سياق كل منظومة سياسية. *
ولفهم هذه الظاهرة السياسية لابد من الوقوف عند أهداف ومبررات الثنائية.

1 - أهداف ومبررات الثنائية البرلمانية:
تهدف الثنائية في الدول الفيدرالية إلى ضمان تمثيل المقاطعات أو الولايات من خلال مجلس منتخب من لدن السكان بالاقتراع العام المباشر، ومجلس آخر منتخب من قبل سكان كل ولاية أو مقاطعة بالتساوي.
وقد أملى هذا الاختيار طبيعة البنية السياسية للدول الفيدرالية، والذي يرمي إلى تمثيل الأمة في شموليتها والولايات في خصوصياتها.
أما في الدول الموحدة فإن الثنائية من الناحية التاريخية كانت تهدف إلى إيجاد تمثيل متميز للطبقة الأرستقراطية (غرفة عليا) وتمثيل عام للشعب عبر غرفة سفلى أو مجلس أعيان أو مجلس نواب.
ومن خلال تراكم التجارب - عبر تمايز المراحل التاريخية لكل من الثنائية الأرستقراطية والديمقراطية الليبرالية والفيدرالية، وكذا الوظائف المختلفة التي أنيطت بها من سياسية وتمثيلية وتقنية- قام الفقهاء الدستوريون وعلماء السياسة ببلورة مجموعة من المبررات وإبراز عدد من الخصائص في محاولة لدعم الطروحات المؤيدة لنظام المجلس الثاني.
ويمكن حصر أهم تلك المبررات في ما يلي :
1. تدعيم شرعية المؤسسات السياسية من خلال تمثيلية متنوعة ومتكاملة تضم ممثلي الجماعات، والنقابات وممثلي رجال الأعمال ، والفاعلين الاقتصاديين على اختلاف مشاربهم.
2. الحد من هيمنة واندفاع المجلس الأول بقصد مراقبته والتحكم في توجهاته.
3. بناء منظومة تمثيلية تؤمن توازناً أفضل في ممارسة السلطات والمراقبة ونجاعة في الوظيفة التشريعية.
وباستقراء التجارب في مجال الثنائية في أغلب الدول، نجد أن المجلس الثاني قام بأدوار محافظة متميزة في إطار المنظومة السياسية وطبيعة العلاقات بين السلطات، استناداً إلى أصولها التاريخية وبنيتها الطبقية والأدوات والوظائف المخولة لها (من حيث سلطة القرار والمراقبة، ومسألة الحل ...) والتي لم تصل حد التماثل أو التكافؤ مع المجلس الأول ، بفعل مصدر وأسس التمثيلية غير المباشرة في أسلوبها والمحدودة في نطاقها ( استثناء تجربة مجلس الشيوخ الأميركي وتجربة المجلسين في إيطاليا وبلجيكا).

التجربة البريطانية في مجال المجلسين
يعتبر برلمان المملكة المتحدة واحدا من اقدم المجالس النيابية في العالم حيث تمتد أصوله إلى القرن الثاني عشر، ومنذ القرن الرابع عشر تأسست الحكومة النيابية في المملكة المتحدة على نظام يتكون من مجلسين، وهما مجلس اللوردات ومجلس العموم، وكلاهما يعملان بشكل منفصل حيث تم تأسيسهما وفقا لمعايير مختلفة تماما، إلا أن العلاقة بين المجلسين يتم تنظيمها بشكل كبير بموجب معاهدة، فيما يتم القيام بالعمليات التشريعية من قبل كل من مجلسي البرلمان والملكة.

تاريخ المجلس
في عام 1250 كان الملك هنري الثاني يواجه صعوبات مع النبلاء الغاضبين بسبب تكلفة بعض مخططاته مثل إعادة بناء كنيسة ويستمنستر، واقتراح تنصيب أحد أبنائه ملكا على صقلية، وقد عملت أحكام اتفاقية أكسفورد (1258) المفروضة على الملك هنري من قبل النبلاء على تأسيس مجلس نبلاء دائم قام بالسيطرة على بعض التعيينات الرئيسية، فيما كان يقود الحركة البارونية سيمون دي مونتفروت، إيرل منطقة ليستستر في ذلك الوقت.
وفي عام 1259 عملت أحكام اتفاقية ويستمنيستر على تصحيح القانون العام إلا أن الملك هنري قام بالتخلي عن كلتا الاتفاقيتين وقام بمعارضة النبلاء حيث أدى ذلك إلى اندلاع الحرب المدنية، وقام سيمون دي مونتفروت خلال هذا النزاع بدعوة نبلائه لحضور البرلمان، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تمثيل العامة في البرلمان، ومن هنا نشأ المفهوم الحديث للبرلمان النيابي.

التطورات البرلمانية
في القرن الرابع عشر، وفي ظل حكم الملك إدوارد الثالث (1327) تمت الموافقة على عدم فرض أي ضرائب بدون قرار برلماني، الشيء الذي لا يزال يشكل أحد المبادئ الجوهرية اليوم، فيما انفصل مجلسا البرلمان بشكل مميز عن بعضهما في عام 1341. وفي عام 1376 شهد البرلمان انتخاب أول رئيس له وهو توماس هنجر فورد لكي يقوم بتمثيل مجلس العموم. كما انه شهد أيضا “الاتهام الجنائي” حيث قام بموجبه مجلس العموم باتهام المسؤولين الذين قاموا بإساءة استعمال سلطتهم ومحاكمتهم أمام مجلس اللوردات.
كما شهد القرن الخامس عشر حصول مجلس العموم على سلطة إصدار قوانين تساوي تلك التي كان يتمتع بها مجلس اللوردات وذلك أثناء فترة حكم الملك هنري الخامس، فيما شهد القرن السادس عشر الانضمام القانوني لمقاطعة ويلز مع إنجلترا في ظل حكم الملك هنري السابع 1509 ، وفي القرن السابع عشر، زادت الاضطرابات بين البرلمان والملك. وبعد استعادة الملكية في 1660، تم تدعيم دور البرلمان بسبب أحداث 1688- 1689 (الثورة المجيدة) وإصدار قانون الحقوق الذي أسس سلطة البرلمان على الملك ومنح الشرعية القانونية لحرية الحديث في الحوارات البرلمانية، وفي عام 1707 تم الاتحاد مع اسكتلندا وإقامة برلمان بريطانيا العظمى، فيما أدت سلسلة من الإصلاحات البرلمانية إلى توسيع قاعدة الانتخاب لتشمل معظم الرجال فوق سن 21 في عام 1867 أما النساء فلم يصبح لهن الحق في الانتخاب إلا في عام 1928.
وفي نهاية القرن التاسع عشر كان مجلس اللوردات يتألف من عدة أعضاء من طبقة النبلاء يتوارثون العضوية بشكل دوري، وهذه العضوية كانت مكفولة لهم بحكم القانون والذي يقضي لهم بالعضوية مدى الحياة. وحتى السنوات الأولي من القرن العشرين كان مجلس اللوردات يتمتع بصلاحيات تسمح له بمنع أو إلغاء قانون ما، وفي عام 1909 عندما كانت هناك مناقشات حول الميزانية في الدولة رفض المجلس الموافقة عليها لدرجة أن الحكومة اضطرت لإجراء انتخابات عامة من أجل نيل الموافقة على مشروع الميزانية.
كان ذلك في عام 1910 والذي كان حافلا بالانتخابات حيث اضطرت الحكومة أيضا إلى إجراء انتخابات أخرى من أجل إعادة تشكيل مجلس اللوردات، ونتيجة لذلك صدر قانون البرلمان لعام 1911 والذي ينزع سلطة مجلس اللوردات والتي تخول له منع وإلغاء القوانين، وأصبح من حق المجلس فقط أن يؤخر تطبيق القوانين لمدة سنتين قبل أن يوافق عليها، حتى جاء قانون عام 1949 ليجعل مدة تأجيل القوانين لا تتعدى السنة الواحدة. حيث كان مجلس العموم يتمتع بهذا الحق دون غيره، وحتى ذلك الحين كانت السلطات من حق المجلسين متساوية دون التفرقة بينهما، وبالرغم من المحاولات الكثيرة من قبل النبلاء المحافظين والأحرار لتغيير شكل مجلس اللوردات إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل.
وقد أدى عدم التوازن في السلطات بين المجلسين إلى الكثير من المشكلات جعلت الحزبين الرئيسيين (المحافظون والعمال) يفكران مرة أخرى في إعادة النظر في مسألة السلطات، وفي عام 1924 قامت حكومة المحافظين بتشكيل لجنة لبحث هذا الموضوع من جديد، الأمر الذي لاقى قبولا من كلا الطرفين في الحكومة والمعارضة.

دخول السيدات
في عام 1958 أقرت الحكومة فكرة استمرار عضوية مجلس اللوردات مدى الحياة للأعضاء، كما أقرت أن يتضمن المجلس منذ ذلك التاريخ ولأول مرة عضوات سيدات من بين الأعضاء والذين يتمتعون بالعضوية مدى الحياة.

المجلس والأعضاء
يعتبر مجلس اللوردات ثاني المجالس البرلمانية للمملكة المتحدة، ولا يتم انتخاب أعضاء مجلس اللوردات حيث كان يتم قديما اختيارهم من بين مجموعات مختلفة من كبار النبلاء وذوي النفوذ في بريطانيا الذين كانوا يقومون بتقديم المشورة للملك خلال الفترة المبكرة من تاريخ الدولة، وعموما فإن دور ووظائف مجلس اللوردات مشابهة لمجلس العموم فيما يتعلق بالتشريع ومناقشة واستجواب المسؤولين التنفيذيين، إلا أن هناك استثنائين: وهما أن أعضاء مجلس اللوردات لا يمثلون الدوائر الانتخابية ولايتناولون الأمور المتعلقة بفرض الضرائب والمالية وذلك بسبب رفض مجلس اللوردات لميزانية الحكومة الليبرالية في عام 1909، الأمر الذي أدى إلى إلغاء سلطتهم لرفض التشريعات بموجب القانون البرلماني لعام 1911.
وينظر بشكل عام إلى دور مجلس اللوردات على أنه مكمل لمجلس العموم كما يعمل كمجلس تعديل للعديد من القوانين الهامة وتلك التي تكون محل نظر، كما أن كافة مشروعات القوانين تمر من خلال كلا المجلسين قبل أن يتم العمل بها وقد يبدأ طرحها في أي مجلس من المجلسين، وعادة ما تطلب موافقة مجلس اللوردات قبل إصدار القوانين البرلمانية، بينما يستطيع اللوردات تعديل كافة التشريعات باستثناء القوانين المتعلقة بفرض الضرائب. كما أن مجلس اللوردات هو المحكمة النهائية لاستئناف الدعاوى المدنية بالمملكة المتحدة والدعاوى الجنائية في إنجلترا، ومقاطعة ويلز وشمال إيرلندا، ويتكون المجلس الآن من 500 عضوا من النبلاء واللوردات.

مجلس العموم
أما ثاني المجالس في البرلمان البريطاني فهو مجلس العموم، ويتكون من 659 عضو، موزعين كالتالي:
529 عضوا يمثلون بريطانيا.
72 عضوا عن اسكتلندة.
40 عضوا عن مقاطعة ويلز.
18 عضوا عن منطقة شمال أيرلندا.
وبالرغم من أن مجلس اللوردات يتمتع بشهرة أكبر من مجلس العموم. الا أن هذا الأخير يعتبر مركز السلطة البرلمانية وهو مسؤول بشكل مباشر أمام الناخبين، ومع بداية القرن العشرين أقر مجلس اللوردات بسيادة سلطة المجلس المنتخب، ويعتبر مجلس العموم الساحة البرلمانية الرئيسية للمعركة السياسية. حيث يمكن للحكومة أن تبقى فقط طالما أنها تتلقى تأييد الأغلبية في مجلس العموم، كما يقوم هذا المجلس أيضا بمعاينة أعمال الحكومة من خلال وسائل مختلفة تشمل استجواب الوزراء، فيما يتم استدعاء رئيس الحزب الفائز بأغلبية المقاعد بمجلس العموم ليقوم بتشكيل الحكومة القادمة.

الانتخابات
تعقد الانتخابات العامة لمجلس العموم كل خمس سنوات، ويمكن أن تجري انتخابات فرعية في المجلس لانتخاب أفراد جدد كأعضاء خلال الدورة البرلمانية، وتكون الانتخابات في هذه الحالة بسبب وفاة أحد الأعضاء أو استقالته أو انتقاله إلى مجلس اللوردات . وقد جرت العادة أن يقيم الانتخابات في هذه الحالة ويشرف عليها الحزب الذي كان يشغل ذلك المقعد قبل فراغه. وتبدأ الانتخابات بترشيح نائب واحد عن كل مقاطعة ومدينة من مدن المملكة المتحدة، ويمكن للمرشح أن يكون من الاحزاب السياسية الكبرى في الدولة كما يمكنه أن يكون من بين أعضاء أحزاب الأقلية شريطة أن يتم تسجيل الحزب لدى اللجنة الانتخابية.

الملكة والدور السياسي
تنحصر الحياة السياسية في المملكة المتحدة في رئيس الوزراء بالإضافة إلى أعضاء البرلمان. وهذا يعنى أنه حتى الملكة ليس لها حق التدخل في الشؤون السياسية وشؤون حكم البلاد، الأمر الذي قد يعني أن وضع الملكة هو وضع شرفي ليس إلا، بينما ينفرد رئيس الحكومة المنتخب بكل السلطات التنفيذية في الداخل والخارج.
وقد بدأت هذه التحديدات والقيود على دور ملك أو ملكة المملكة المتحدة منذ أوائل القرن الثالث عشر، وذلك عندما أجبر البارونات الملك جون على الاعتراف ببعض الحقوق لهم في شؤون الدولة، أما الملكية الدستورية التي نعرفها الآن في انجلترا فقد تم تطويرها في القرن الثامن عشر والتاسع عشر حيث كان الوزراء في البرلمان يحصلون على المزيد من الصلاحيات والقوى والسيطرة بفضل انتخابهم من قبل الأغلبية، كما هي شروط الانتخابات، كما أن العمل في البرلمان يجري تحت اسم الملكة كمسألة شرفية، أما التدخل الفعلي فلا يتم في أغلب الأحيان حيث تكتفي الملكة حسب الدستور بالحق في التعليق على قانون ما عند استشارتها والتنبيه إلى أن هناك ملاحظات ما من قبلها، ولرئيس المجلس بعد ذلك الحق في أخذ رأيها أوالتخلي عنه. كما أن الملكة هي التي تقوم بافتتاح الدورات الجديدة في البرلمان وتعني خطبتها التي توجهها إلى الأعضاء الإذن بافتتاح الدورة الجديدة.
ويعتبر الدور الأكبر للملكة بالنسبة لشؤون الحكم في الدولة هو تعيين رئيس الوزراء حيث لا بد أن تمنحه ثقتها في قدرته على تشكيل الحكومة وإدارتها. كما يمكن للملكة بعد ذلك أن تبدي رأيها في أمور الحكم وشؤون السياسة فقط إلى رئيس الوزراء وذلك في اجتماعهم الأسبوعي والذي دائما ما يحاط بالسرية التامة من حيث المناقشات والآراء المطروحة.

* أنظر “الثنائية البرلمانية”، إبراهيم رشيدي، أستاذ بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء ونائب رئيس مجلس النواب المغربي، منشورات الاتحاد البرلماني العربي.
** أنظر “التجربة البريطانية في الثنائية”، محمد شاهين،