هيئة التحرير
تُعّرف الاحزاب السياسية على انها تنظيمات تتألف للتعبير عن مصالح وطموحات مجاميع
معينة من الشعب. وتسعى الاحزاب الى تحقيق هذه المصالح والطموحات من خلال وضع
افكارالمؤيدين لها موضع التنفيذ عن طريق المساهمة في العملية السياسية. بمعنى
اخر تتلخص وظيفة الاحزاب السياسية بمهمتين رئيسيتين، الاولى، جمع الافراد ذوي
الافكاروالمصالح المتشابهة تحت مظلة مؤسساتية تتمثل بالحزب السياسي نفسه، اذ
يساعد جمع هؤلاء الافراد في الاطار السياسي للحزب على تطوير أفكارهم وأساليب
عملهم لخدمة مصالحهم وطموحاتهم. الثانية، من خلال الاطار السياسي المتمثل بالحزب
يستطيع المنتمون للحزب ومؤيدوه ممارسة التأثير كمجموعة على نحو اكبر وافضل مما
لو حاولوا القيام بذلك كإفراد متفرقين لا تربطهم صلة تنظيمية او يجمعهم اطار
مؤسساتي فالحزب هو وسيلة لتفعيل جهود الأفراد من خلال جمعهم في اطار واحد.
لكن وجود حزب سياسي يمثل مصالح وأفكار مجموعة من الأفراد لا يعني بالضرورة ان
هذا الحزب سيستطيع تحقيق مصالح المؤيدين له. فاي حزب لا يعمل عادةً في فراغ سياسي
فهناك أحزاب اخرى في الوسط السياسي تعبر عن مصالح وأفكار مجاميع اخرى في المجتمع
وقد تختلف هذه المصالح والأفكار او تتعارض مع تلك التي تتبناها أحزاب ومجاميع
أخرى في المجتمع . هل يعني هذا الضرورة ان النتيجة هي اقتتال او صدام دموي بين
مؤيدي الأحزاب ذوات المصالح والأفكار المتعارضة؟ كلا، ففي ظل نظام ديمقراطي تمثيلي،
ينبغي الا يؤدي اختلاف مصالح الأحزاب وتعارضها إلى صراعات دموية، بل إلى زيادة
الوعي بتنوع الطيف السياسي والشعبي واختلافه وبضرورة إيجاد سبل صحية لاستيعاب
هذا التنوع والاختلاف من خلال العملية السياسية على نحو يحول دون انفجاره على
شكل صراعات دموية. يحصل هذا الاستيعاب من خلال موازنة مصالح الفئات الشعبية المختلفة
والمتمثلة في الأحزاب إزاء بعضها الأخر عن طريق إيجاد حلول وسط تأخذ بنظر الاعتبار
الصالح العام.
بهذا المعنى أيضا تعمل الأحزاب كصمام أمان اجتماعي. فبسبب تمثيلها شرائحَ اجتماعية
معينة ترتبط بمصالح مشتركة، تكون الأحزاب لسان الحال السياسي لهذه الشرائح اذ
تقوم بإيصال أفكارها والترويج لمصالحها الأمر الذي يساهم في خلق وعي لدى المجتمع
والنخبة السياسية بالجمهور الذي يمثله الحزب والقضايا التي تهم هذا الجمهور. أما
اذا لم تجد شريحة ما ترتبط بمصالح وافكار معينة تمثيلاً معقولاً لأفكارها ومصالحها
في الوسط السياسي والاجتماعي من خلال الأحزاب، فأن هذا يمكن ان يؤدي إلى إحساس
هذه الشريحة بالتهميش والظلم الأمر الذي يفتح الباب على ردود فعل عنيفة، ودموية
ربما، من جانب بعض أفراد هذه الشريحة وبالتالي تهديد السلم الاجتماعي. يحدث هذا
عادة في ظل الأنظمة الدكتاتورية او شبه الديموقراطية التي لا تبالي كثيراً بأن
يكون التمثيل السياسي في المجتمع مرآه حقيقة وصادقة لافكار وطموحات الفئات المختلفة
فيه. اما في ظل الأنظمة الديمقراطية التي تسمح بالعمل السياسي الحر، ينبغي الا
يحصل امرٌ كهذا وإذا حصل فأن هذا يعني ان هناك خللاً ما في هذه الأنظمة يحتاج
إلى إصلاح.
وبالاضافة إلى عمل الأحزاب كوسطاء سياسيين ومؤسساتيين بين الناس والحكومة تمارس
الأحزاب السياسية ايضاً، وخصوصاً اذا كانت بنّاءةً في توجهاتها، دوراً رقابياً
على الحكومة وسياساتها من خلال تسليط الضوء على نقاط الضعف، في أدائها واقتراح
السبل الكفيلة بتحسين هذا الاداء الامر الذي يساعد على خلق نظام سياسي شفاف ويستجيب
لحاجات الناس وتطلعاتهم. من خلال عملية النقد والرقابة العلنية هذه، تتيح الاحزاب
السياسية للناس الفرصة للاطلاع على افكار مختلفة واحياناً متناقضة بسبب تمثيل
الاحزاب لأفكار فئات مختلفة من الشعب. يساعد هذا الاطلاع على خلق وعي بالتعددية
وينمي ثقافة التسامح الامر الذي ينعكس ايجاباً على التعايش بين افراد المجتمع.
يمكن للأحزاب أن تعزز مفهوم المواطنة المتكافئة وتعززه خصوصاً في المجتمعات المنقسمة
على أسس دينية أو عرقية إذ يمكن لهذه الأحزاب من خلال تبنيها برامج عمل وطنية
تتجاوز حدود الانتماءات الدينية والعرقية أن تعمل كقوة توحيد تربط أبناء البلد.
ان الحاجة ماسة لأحزاب من هذا النوع ً في الديموقراطيات الناشئة التي تعاني عادة
من انقسامات كثيرة وسيادة الهويات العرقية والدينية على الهوية الوطنية الجامعة
ومن ضعف مفهوم المواطنة المتكافئة. في الحقيقة يُعد هذا الدور التوحيدي احد اهم
مساهمات الأحزاب الوطنية في صياغة الوطنية وفي تعزيز الاستقرار السياسي والسلم
الاجتماعي في البلاد.
وأخيرا، لا بد من وجود اطر قانونية واضحة تضعها السلطة التشريعية في البلد يُسمح
من خلالها بإنشاء الأحزاب ويجري على أساسها تنظيم عملها وتبيان حقوقها وواجباتها.
فوجود نص دستوري يسمح بحرية العمل السياسي لا يكفي لوحده لظهور أحزاب سياسية.
ان حرية العمل السياسي مبدأ عام ويحتاج هذا المبدأ إلى قانون يفعلّه وينظمه. كما
لا بد ان يكون القانون عاكساً اميناً للمبدأ الدستوري بشأن حرية العمل السياسي
فلا يضع شروطاً صعبة ومعقدة امام إنشاء الأحزاب او يثقل عمل الأحزاب بإجراءات
ومتطلبات شاقة على نحو يُفرغ المبدأ الدستوري من محتواه. في الحقيقة هذا ما تقوم
به الكثير من الأنظمة غير الديموقراطية التي تريد ان تظهر بمظهر ديموقراطي اذ
تسلم هذه الأنظمة بحرية العمل السياسي دستورياً لكنها تعيق هذا العمل إلى حد كبير
من خلال قوانين مجحفة وغير عملية تقتل العمل الحزبي الحقيقي والجاد كما يحدث قي
كثير من البلدان العربية.