تمويل الأحزاب
من اجل ان تعمل على نحو فعال بالصورة المشار اليها أعلاه تحتاج الأحزاب إلى أموال لتغطية نفقات نشاطاتها. ان تمويل الأحزاب، حاله حال حرية التعبير، ضروري لديمومة النظام الديموقراطي وقوته فبدون وجود تمويل عادل وشفاف للاحزاب، لا يمكن للنظم الديموقراطية التي تقوم على تعددية الأحزاب وتنافسها ان تعمل على نحو سليم. كما لا يمكن للأحزاب ان تتأسس وتستمر دون وجود موارد مالية تساعدها على الاستمرار ككيانات سياسية مستقلة . تحتاج الأحزاب الموارد المالية كي تستطيع ان توصل أفكارها إلى الناس وتؤثر فيهم من خلال هذه الأفكار، فبدون هذه الموارد لا يمكن للأحزاب مثلاً ان تصدر الصحف وتقيم الندوات وتعقد المؤتمرات وتدير الحملات الانتخابية وغيرها من النشاطات الضرورية لاستمرار أي حزب.. على نحو عام، يشير مفهوم تمويل الاحزاب الى جميع الأموال التي تحصل عليها الأحزاب من اجل تمويل أنشطتها ودفع مصاريفها. عادةً ما تنقسم هذه الأموال حسب طريقة استخدامها الى نوعين. الأولى هي الأموال التي ينفقها الحزب لدفع المصاريف الاعتيادية والادارية التي يتكلفها مثل إيجار المكاتب وكلفة الاتصالات واجورالموظفين وغيرها. اما الثانية فهي تلك الاموال التي ينفقها الحزب في اثناء الحملات الانتخابية لاغراض الدعاية لمرشحيه كي ينجحوا في الانتخابات.
في نفس الوقت يمكن لتمويل الأحزاب، وعلى الأخص في ظل الأنظمة الديموقراطية الناشئة كالعراق، ان يكون مدعاةً للقلق وسبباً في تهديد العملية الديموقراطية، بل يمكن له ان يؤدي الى تصدع النظام الديموقراطي برمته. يحدث كل هذا او بعضٌ منه عندما تكون مصادر التمويل غير مشروعة او غير شفافة او غير عادلة وعلى نحو يضر بالعملية السياسية ويتعارض مع القيم الديموقراطية.فعلى سبيل المثال، هناك خوف مبرر من تلقي الاحزاب اموالاً من جهات خارجية او مؤسسات تجارية على نحو يعطي هذه الاحزاب أفضلية تنافسية مقابل احزاب اخرى لا تتلقى مثل هذه الأموال بغية التأثير على العملية السياسية بما يخدم مصالح هذه الجهات او المؤسسات.

السلبيات في تمويل الأحزاب
يمكن تلخيص الأضرار الناشئة عن تلقي الأحزاب أموالا من متبرعين سياسيين بالنقاط الأربعة التالية:
اولاً: يؤدي حصول بعض الأحزاب دون غيرها على مبالغ مالية ضخمة الى منافسة سياسية غير متكافئة اذ تستطيع الأحزاب ذات التمويل الضخم ان تروج لبرامجها ومرشحيها بصورة أفضل بكثير من تلك التي لا تمتلك مثل هذا التمويل، وبالتالي يكون لديها فرصة اكبر لإيصال مرشحيها للبرلمان وتنفيذ برامجها. تشير الكثير من التجارب التأريخية بهذا الصدد الى ان الأحزاب التي لها قدرة على الإنفاق الانتخابي أكثر من غيرها تحقق نجاحات انتخابية اكثر ويحتل مرشحوها مناصب حكومية او مقاعد برلمانية أكثر. لكن الأمر ليس دائماُ مرتبطاً بالقدرة على الانفاق فقط، ففي أحيان كثيرة يتمتع الحزب الحاكم بأفضلية تنافسية ليس فقط بسبب حجم التبرعات التي يتلقاها والتي قد تكون مشروعة وقانونية، بل بسبب توظيفه اجهزة الدولة للترويج لبرامجه ومرشحيه على حساب الأحزاب الأخرى التي لا تستطيع ان تقوم بنفس الشيء. في كلتا الحالتين تضر هذه الأفضلية التنافسية بالعملية الديموقراطية ومصالح المواطنين.
ثانياً: يؤدي فشل المرشحين في الوصول الى البرلمان او الحصول على مناصب انتخابية بسبب افتقارهم الأموال اللازمة للفوز في حلبة التنافس السياسي، يؤدي الى عواقب اجتماعية وسياسية سلبية. فعادةً ما يمثل المرشحون شرائح اجتماعية معينة ويسعون الى تمثيل مصالحها من خلال العملية الديموقراطية لكن فشلهم الانتخابي غير المرتبط بنوعية البرامج التي يتبنونها يؤدي الى عدم تمثيل هذه الشرائح وتهميش مصالحها. تزداد إمكانية حدوث هذا التهميش اكثر في حالة الشرائح الاجتماعية الفقيرة نسبياً والتي لا تستطيع إن تقدم دعماً مالياً كبيراً لمرشحيها بعكس المرشحين الذين يمثلون شرائح اجتماعية مرفهة اقتصادياً وتستطيع ان تدعم مرشحيها مادياً بصورة مؤثرة.
ثالثاً: هناك قلقٌ حقيقي من ان يؤدي تلقي المرشحين اموالاُ من جهات معينة الى ان يصبح هؤلاء المرشحون، عند تبوئهم مسئولياتهم الحكومية او البرلمانية، اكثراهتماماً بمصالح الجهات التي مولتهم من مصالح الناخبين الذين انتخبوهم. يظهر هذا جلياً في تكريس هؤلاء المسئولين جزءاً كبيراً من أوقاتهم للتعامل مع القضايا التي تهم مموليهم مقارنةً بالأوقات التي يقضونها لمتابعة الشؤون التي تهم ناخبيهم. كما سيميل هؤلاء المسئولون إلى تبني السياسات والمواقف التي تصب في خدمة مصالح مموليهم حتى وان كانت هذه السياسات والمصالح لا تصب بالضرورة في خدمة الصالح العام او صالح ناخبيهم. في اخر المطاف، من المنطقي ان يؤدي وضع كهذا الى حصول نوع من الانفصال بين المسؤولين المنتخبين والشرائح الاجتماعية التي يُفترض بهم ان يمثلوا مصالحها.
رابعاً: ثم هناك عامل الإفساد السياسي الذي ينشأ عن تلقي المرشحين او المسؤولين المنتخبين تبرعات مالية من عناصر إجرامية او خارجة على القانون كما يحدث في بعض بلدان اميركا اللاتينية
او أوربا الشرقية حيث ظهر مرات عديدة تلقي مرشحين سياسيين ومسؤولين منتخبين تبرعات مالية من شبكات المخدرات او عصابات المافيا. يسمى هذا النوع من الاموال بالاموال القذرة ومن خلالها تستطيع الجماعات الإجرامية المنظمة ممارسة نوع من أنواع التأثير السياسي التي تساعدها للبقاء خارج قبضة القانون، اذ تسعى هذه الجماعات الى تقديم الدعم المالي للمرشحين وللمسئولين الذين تعتقد أنهم سيحمونها من العقوبات القانونية في حال الإمساك بها.

ما هو الحل؟
هناك مجموعة من الإجراءات التي يمكن اتخاذها والتي بامكانها مجتمعة ان تعالج الآثار السلبية لتمويل الأحزاب. يمكن تلخيص هذه الإجراءات على النحو التالي:
اولاً: تشريع قوانين تفرض على الأحزاب ان تكشف بصورة مفصلة ودقيقة عن مصادر تمويلها وكيفية انفاق الاموال المستلمة من هذه المصادر. ايضاً، من الضروري تشريع قوانين تفرض حداً أعلى من التبرعات المالية التي يمكن للأحزاب تلقيها ولا يمكنها تجاوزها اضافة الى وضع حدٍ اعلى مماثل لما يمكن ان ينفقه أي حزب في حملته الانتخابية. علاوة على ذلك، يمكن اقتراح قوانين تمنع تلقي تبرعات من مواطني بلدان اخرى او مؤسسات خارجية. توجد قوانين من هذا النوع في الكثير من الديموقراطيات الغربية. من المهم تطبيق هذه القوانين بصرامة وعدل لان الاستخفاف بتطبيقها يؤدي عادة إلى استسهال خرقها كما يحدث الان في العديد من الديموقراطيات الناشئة.
ثانياً: يمكن للدولة ان تقوم بتوفير بعض أنواع الدعم المالي للأحزاب المتنافسة كي تساعدها في الحفاظ على استقلاليتها. تتبع الكثير من الدول هذا النظام لكن مقادير الدعم تختلف من دولة الى أخرى. مهما يكن الأمر، لا بد ان يكون الدعم متوازناً وعادلاً ومناسباً. ايضاً، ينبغي على الدولة الا تفرط في تقديم الدعم المالي على نحو يخلق حالة من الاعتماد لدى الأحزاب على الخزينة العامة للدولة. بهذا الصدد، من المهم تشجيع الأحزاب على القيام بحملات لجمع التبرعات من خلال نشاطات عامة بين قواعدها الانتخابية الأمر الذي يعزز الصلة بين الاثنين ويساهم في خلق نوع من الاستقلالية المالية لدى الأحزاب.
ثالثاً: يمكن أيضا للدولة ان تخصص مساحات إعلامية مناسبة ومتساوية للأحزاب كي تستخدمها هذه الأخيرة في الترويج لمرشحيها والتعريف ببرامجها في أثناء الموسم الانتخابي. يصبح هذا الأمر سهلاً إلى حدا ما في حالة امتلاك الدولة وسائل اعلام رسمية من تلفزيون وصحافة. اما في حالة عدم وجود إعلام رسمي، فيمكن للدولة ان تُلزم اجهزة الإعلام الأهلية بتخصيص هذه المساحات الإعلامية للأحزاب أما مجاناً او بأجور زهيدة. غالباً ما يتطلب اجراءٌ كهذا إصدار قانون عن طريق البرلمان يُلزم وسائل الإعلام الأهلية القيام بذلك.