الأحزاب ومفهوم العمالة
لعل إحدى ملامح العمل السياسي في العراق بشقيه الحكومي والحزبي هو الحضور الشديد لمفهوم العمالة للخارج. تظهر مراجعة عابرة لتاريخ العمل السياسي في العراق مدى تغلغل هذا المفهوم في اللغة السياسية العراقية وفي تفكير الكثير من السياسيين والإعلاميين والمواطنين على حد سواء.
في الحقيقة يحفل التاريخ السياسي العراقي بأمثلة كثيرة استخدام تهمة العمالة للأجنبي كسلاح في الصراع السياسي، فعلى سبيل المثال اعتاد الكثير من المناهضين للشيوعيين العراقيين على اتهامهم بالعمالة للاتحاد السوفيتي السابق، كما دأب نظام صدام حسين وأنصاره على اتهام الإسلاميين الشيعة بالعمالة لإيران، فيما جرى في مرات كثيرة اتهام الأحزاب الكردية الرئيسية بالعمالة لاسرائيل وأميركا، كما كانت الكثير من القوى المحافظة تتهم الليبراليين بالعمالة للغرب وغيرها من الامثلة. فما الذي يعنيه مفهوم العمالة بالتحديد؟ وكيف يمكن أن نتعامل مع هذا المفهوم المعقد والخطر في ظل نظام ديمقراطي مفتوح؟
باختصار، يشير مفهوم العمالة عادةً إلى التبعية السياسية الكاملة لحزب ما إلى بلد او قوة أجنبية على نحو يقدم فيه هذا الحزب مصالح البلد او القوة الاجنبية الراعية له على مصالح جمهوره المحلي او بلده. بمعنى آخر، تعني العمالة الولاء الكامل للأجنبي على حساب الوطن وبذلك يكون مفهوم العمالة معاكساً تماماً لمفهوم الوطنية.
في الحقيقة، موضوع العمالة خطر وحساس ومعقد اذ تكمن خطورته في الضررالفادح الذي يمكن ان يلحقه بالحزب الذي يُتهم بالعمالة ، ففي أحيان كثيرة أدى اتهام من هذا النوع إلى إلى نزع الشرعية عن احزاب وطنية رغم ان الاتهام لم يكن صحيحاً على الاطلاق. كما ان حساسية موضوع العمالة تعود إلى ان فكرة العمالة المتأصلة في الخطابين السياسي العربي والعراقي لم تخضع إلى تحليل عقلاني وواضح ، خصوصاً في ظل وجود تردد حقيقي من الدخول في تحليل كهذا خشية ان يقع من يقوم بمثل هذا التحليل ضحية تهمة الترويج للعمالة وتسويغها كسلوك. إضافة إلى ذلك دفع الخوف من الاتهام بالعمالة الكثير من المفكرين والمحللين إلى الابتعاد عن الاطروحات والفعاليات التي يمكن ان يفسرها البعض على انها تقع داخل دائرة العمالة.
واخيراً، يُعد موضوع العمالة معقداً بسبب عدم وجود توصيف دقيق وشائع يحدد الخطوط الفاصلة بين مفاهيم متشابكة، لكنها مختلفة، مثل التأثر والتعاون والتحالف والعمالة. فعلى سبيل المثال هل يمكن اعتبارالتأثرالفكري لحركة إسلامية عراقية بالتجربة الإيرانية دليلاً على عمالة هذه الحركة لإيران؟ واذا تأثرت حركة إسلامية عراقية أخرى بالتجربة الدينية في السعودية هل يكفي هذا لوصف هذه الحركة بالعمالة للسعودية؟ وماذا بشأن تأثر بعض المثقفين العراقيين بأطروحات فكرية منشؤها غربي كالعلمانية والشيوعية والمادية، فهل يعني هذا ان هؤلاء أصبحوا عملاءً للغرب؟ وماذا اذا تعاون حزب عراقي مع دولة اجنبية او فتح مكتبا له فيها وارتبط بعلاقات خاصة معها، فهل يتحول الحزب بسبب ذلك إلى حزب عميل؟ واخيراً، هل يصبح حزبٌ ما عميلاً اذ تلقى مساعداتٍ ودعماً من دولة اجنبية؟ هل يكفي هذا مسوغاً لاتهام الحزب بالعمالة ونزع الشرعية عنه؟
في الحقيقة لا يمكن اعتبار أي من الأمثلة أعلاه دليلاً على عمالة حزب ما ففي ظل نظام ديموقراطي، عادة ما تًعتبر جميع هذه السلوكيات والأفعال مشروعة باستثناء تلقي دعم مادي أجنبي الذي تمنعه قانوناً بعض الأنظمة الديموقراطية فيما لا تمنعه أنظمة أخرى. فحرية الاعتقاد والتفكير والعمل السياسي- التي يكفلها النظام الديموقراطي - تسمح للأحزاب والإفراد بالنشاطات أعلاه. فللأشخاص الحق في تبني الافكار التي يقتنعون بها اياً يكن مصدرها ما دامت هذه الأفكار لا تحول هؤلاء الأشخاص إلى مجرمين او تحفزهم على الإضرار بالصالح العام على نحو لا يقبل الخطأ. فمثلاً تمنع الدول الغربية إنشاء الأحزاب النازية بسبب الطبيعة العنصرية الواضحة والإجرامية المثبتة عملياً للفكر النازي. وفي السياقين العربي والإسلامي، يمكن ان ينطبق الأمر ذاته على الحركات او الأحزاب التي تقوم على فكر تكفيري واضح يدعو إلى قتل الآخر المختلف دينياً او فكرياً اذ يمكن، في ظل نظام ديموقراطي حقيقي، منع هذه الحركات او الأحزاب من العمل لان افكارها لا تبقى في حيز القناعة الشخصية بل تتحول، كما أظهرت التجربة مراراً وتكراراً، إلى أفعال إجرامية ضد أشخاص معينين او الصالح العام عموماً. لكن منع هذه الأحزاب من العمل لا يرتبط بمفهوم العمالة من قريب او بعيد بل بالأفعال الإجرامية التي تتأتى عادةً من الأفكار التحريضية لهذه الأحزاب.
اما وجود علاقات معينة لأحزاب ما بدول او قوى أجنبية كأن تكون هناك تحالفات او اتفاقات سياسية او حالات تقارب فكري او تطابق في المصالح وسواها فهذه كلها تُعد ممارسات مشروعة ما دامت لا تؤدي إلى الإضرار المباشر والصريح بالصالح العام وعلى النحو الذي يحدده القانون.
اذن كيف يمكن تحديد النشاط العميل والحزب العميل؟ غالباً ما يحدد القانون النشاطات التي تُعتبر عميلة وهي نشاطات ضيقة النطاق يتعلق معظمها بالتجسس ونقل معلومات تضر بمصلحة البلد او قيام الحزب بنشاطات أخرى تلحق الضرر على نحو واضح بالبلد لحساب بلد اجنبي. في الحقيقة يصعب إثبات العمالة ضد حزب ما كما ان العمالة كمصطلح ليست في احيان كثيرة جزءاً من اللغة القانونية بمعنى انه غالباً لا يمكن قانونا ًفي النظام الديموقراطي الحقيقي مقاضاة حزب ما بتهمة العمالة بل تحت عنوان آخر أكثر تحديداً كالتخريب او التجسس او مؤازرة العدو في حالة الحرب وسواها اذ ان العمالة مصطلح سياسي اكثر منه قانوني. في ضوء هذه التحديدات، يُمكن ان تُفهم العمالة على أنها مجموعات أفعال او نشاطات مقصودة ومنظمة تهدف الإضرار بالبلد وليست بالضرورة أفكارا او معتقداتٍ يعتنقها أفراد او جماعات ولا تتحول إلى أفعال او نشاطات إجرامية على النحو الذي يحدده القانون
في حقيقة الأمر، ان المعيار الأفضل لتحديد وطنية الأحزاب من عمالتها المفترضة هو معيار تحليلي مفتوح على اجتهادات مختلفة وليس صيغة قانونية صارمة يمكن تطبيقها بسهولة. يرتبط هذا المعيار بحقيقة تمثيل هذه الأحزاب لمصالح قاعدتها الانتخابية الشعبية اذ تكتسب الأحزاب شرعيتها السياسية والاخلاقية من التزامها بمصالح جمهورها الانتخابي وضمن سياق احترام مفهوم المواطنة المتكافئة وتعزيزه. يعني هذا انه ما دامت الاحزاب تنشأ وتنمو على أساس تمثيل أفكار وطموحات شريحة ما في المجتمع وتسعى لخدمة المصالح المشروعة لهذه الشريحة وما دامت هذه الأحزاب تحترم القانون وتعمل بصورة بناءة في إطار العملية السياسية الشرعية داخل البلد فأنه لا يمكن اعتبارها عميلة او غير وطنية حتى وان تلقت مساعدات من دول أجنبية او ارتبطت بعلاقات باطراف خارجية او تأثرت بأفكارها او عقدت تحالفات معها.
في اخر المطاف تًعد كل هذه العلاقات والارتباطات والمساعدات مشروعة ومقبولة ما دام الحزب يوظفها على نحو يخدم من خلاله جمهوره الانتخابي الشعبي ويعزز مشاركته البناءة في العملية السياسية داخل البلد. مع ذلك هناك استثناءان لهذه القاعدة. يتعلق الاستثناء الأول بدخول البلد في حالة حرب مع القوة الاجنبية التي يتعامل معها الحزب. حينها يصبح التعامل مع هذه القوة نوعا من الخيانة وذلك طبقاً لما يحدده القانون. اما الاستثناء الثاني فيتعلق بعدم وجود حالة حرب بل باستخدام القوة الاجنبية لعلاقاتها مع الحزب على نحو يؤدي إلى الإضرار الواضح بالصالح العام حتى وان كان الحزب يقيم هذه العلاقات بنية حسنة ويوظفها لخدمة المصالح المشروعة لجمهوره الانتخابي. حينها على الحزب ان يقطع هذه العلاقات للحفاظ على رصيده الوطني والشعبي.