الإعلام وثقافة الانتخاب : مقاربة في التحولات العراقية
علي عبد الأمير
كاتب وصحافي عراقي
كان الحديث عن الإعلام الحر والديمقراطية في العراق يشبه حديثا عن شجرة النخيل
في براري السويد الثلجية ، لا لجهة المفارقة وحسب ، بل لإستحالة وجود اعلام وديمقراطية
في بلد ظل يحكمه نظام لايكره شيئا قدر كراهيته للإعلام الحر وللديمقراطية.
في العراق الذي اطبق عليه نظام الحزب الواحد والرأي الواحد واللغة الواحدة ، تم
هدم مؤسسات الإعلام التي كانت تتمتع برصيد نسبي من المهنية لصالح بناء ضخم ، ينتج
مفهوما محدودا يختزل الوطن بالحاكم ، ويعمل اساسا وفق مبدأ تدمير الإعلام بوصفه
تعاطيا مع الحقيقة ، ليصبح وسيلة في صوغ حقيقة جديدة هي ما يريدها الحكم ، حقيقة
انه الموجود والمسيطر وان الجميع تفاصيل تنتظم بهدوء في ماكينته الجبارة .
الأعلام في العراق خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية اصبح كله اسلوبا واحدا
. في صحافته المكتوبة اختفت تقاليد العمل المهنية ، مثلما اختفت اشكال الكتابة
الصحفية ، فلا حدود للتقرير الإخباري مثلما لا ملامح للخبر ، ولا مهارة في تحقيق
ولا براعة في حوار ، كل ما يكتب عبارة عن رأي حتى وان كان مانشيت الصفحة الأولى
، وهذا ناتج من مفهوم تحويل الإعلام الى بوق موحد النغمات وعلى المتلقين ان لايسمعوا
تنويعات على اللحن وليس غريبا ان العراقيين كانوا يقولون “لاتقرأ اكثر من جريدة
من اليوميات الخمس فهي خمسة اسماء لصحيفة واحدة” .
الإعلام المسموع كان يشتغل على جبهتين ، الأولى في تأطير الكارثة بالبطولة فمن
مصطلح “الجيب العميل” في وصف الحركة الوطنية الكردية الى “الجيب المهلك” في وصف
اختراقات القوات الايرانية للمواقع العراقية خلال حرب السنوات الثمان، والجبهة
الثانية كانت التشويش على بث عدد كبير من الإذاعات خوفا على امن المواطن على الرغم
من ان الحكم كان يؤكد ان المواطن محصن وهو كالعادة ملتف حول القيادة .
صوت واحد وكلام واحد ورأي واحد حتى ان مديرية التوجيه السياسي توصلت الى حل عبقري
لمعضلة سماع الجنود للإذاعات المعادية ، بان انتجت لها “منشأة الصناعات الأليكترونية”
جهاز راديو لايلتقط فيه بث اي محطة غير اذاعة بغداد وباعته للجنود اجباريا!
في الإعلام المرئي كان العراقيون يأكلون ويشربون ويقضون حياتهم على خلفية تتشكل
من محورين اولهما افلام “صور من المعركة” بكوكتيل الجثث وسيمفونيات المدافع والصواريخ
، وثانيهما احاديث القائد وخطاباته ولاحقا ما كتبه من ادعية كانت تقرأ ككتاب مقدس
.
وكان ذعر السلطات الحاكمة السابقة من الإعلام الحر بوصفه قراءة مغايرة للواقع
، جعل العراق يتميز بصفة مميزة ولكنها سلبية تماما فكان يمنع مواطنيه من اقتناء
وسائل البث الفضائي، بل ويعرضهم الى السجن جراء مخالفتهم قرارالحكومة في منع التعرف
الى رأي آخر.
نظرة الى وسائل الإعلام العراقية بعد الإنفتاح
هل بدأ الإعلام العراقي مهمة القيام بتمهيد الطريق الى عراق مختلف ، عراق ديمقراطي
تؤكد كل المؤشرات على ان لاعراق ممكنا بعد الآن الا عراق ديمقراطي تعددي ؟ و
هل يبدو على وعي كبير بكونه معنيا بمهمة تغيير المسار الاجتماعي والديمقراطي
للبلاد؟
هذه أسئلة كانت تتقدم نحو جمهرة الاعلاميين والكتاب العراقيين بإيقاع سريع يوصل
الى تصورات وخطوط عريضة وعناوين واضحة، لتقديم مداخل ممكنة لمعرفة حقيقة إعلام
ينتقل الى مرحلة ترسيخ الديكتاتورية واشاعة قيم الخنوع الى اعلام يأخذ دوره في
تعزيز المجتمع المدني وقابليته للسير معه جنبا إلي جنب، في اتجاه خلق شروط وسياقات
ذاتية وموضوعية وتاريخية، لشراكة وطنية، تقوم على أساس الحقوق المدنية: كحرية
الفرد وحرية التفكير وحرية التعبير. وعلى أساس الحقوق السياسية: كحق المشاركة
في الحكم وصناعة القرار السياسي. وعلى أساس الحقوق الاجتماعية: كالحق في الصحة
والتعليم والعمل. وعلى أساس الحقوق الثقافية: كالحق في الاختلاف وفي الإبداع والحق
في المعرفة والإعلام.
والبارز في النظرة الى الإعلام العراقي بعد سقوط نظام الحجر على العقل والمناوىء
للحرية، هو ان الإعلام لا يزال محكوما برؤية ضيقة، ومهنية ضحلة، وتوجه فكري وايديولوجي
غير متسامح، لتبدو ضرورة اساسية مراجعة المواقف التي يتعاطى معها الاعلام وعلى
رأسها مسألة الديمقراطية الإعلامية والتعددية السياسية، وقراءة العراق بوصفه تكوينا
متنوعا قوميا ومذهبيا، وصولا الى قدرة ذلك الاعلام في ان يكون وسيلة متحركة وفاعلة
في الانتخابات .
والنظرة الفاحصة تقودنا الى التوقف عند وسائل الإعلام العراقي الآن :
1. شبكة الإعلام العراقية :
وهي شبكة حقيقية: راديو ، تلفزيون ، وصحيفة ، اسستها “ سلطة التحالف المؤقتة”
وانتقلت فعليا الى “ الحكومة المؤقتة” فالحكومة الحالية “ الانتقالية” ، و”
الطابع الحكومي الرسمي “ طغى على الشبكة وبالتالي افقدهاالمثال المغاير الذي
يفترض ان تقدمه لجهة الحياد او الاستقلالية.
النظرة الفاحصة الى الشبكة تتوقف عند مؤشرات مهمة تساعد العراقيين على وعي مرحلة
التحول الى الديمقراطية فهناك مساحة ما من الرقابة وحرية التعبير بمستوى يطاول
السلطة الحاكمة والقوى السياسية العراقية على حد سواء. غير ان ما يشكل عبئا على
الشبكة هو في استخدامها احيانا اشكالا واساليب في العمل الإعلامي كانت من ثوابت
نهج النظام السابق ، اي روح الدعاية الموجهة الفجة.
صحيفة “ الصباح “ التابعة للشبكة ، انتقلت بخطوات موزونة الى تقديم معطيات مهنية
في العمل الصحفي ، وهي في توجهها هذا تقدم معطيين ، الأول خلق ورشة عمل لتقديم
كفاءات صحفية جديدة ، والثاني في انها قد تصبح مع مزيد من المران على الديمقراطية
والتعاطي مع الرأي الآخر المعارض للحكومة ، جريدة مجتمع ودولة اكثر من كونها جريدة
سلطة.
2. اعلام الأحزاب والقوى السياسية
تقدم هذه الوسائل الاعلامية الا في استثناءات نادرة ، مثالا على التماهي مع صحافة
النظام السابق لا لكونها ضمت اعدادا كبيرة من الصحفيين العاملين في مؤسسات النظام
الإعلامية ، بل لكونها تعمل على الإخلاص حد الجمود للحزب وتروج له حد “البروباغندا”
الفجة، وهذا ما يجعلها بعيدة عن حيوية وتنوع يحتاجهما تحول المجتمع الى الديمقراطية.
3. الصحف المستقلة
مع استثناء صحيفة “ المدى “ و” راديو دجلة” و” تلفزيون الشرقية”، فإن القول بوجود
وسائل إعلام مستقلة في العراق الآن هو أسطورة، واغلب وسائل الاعلام “المستقلة”
هو اتصال مخلص لتقاليد “صحافة عدي صدام حسين” الإسبوعية في الإثارة الرخيصة ،
طالما ان العراقيين لم تعرف عنهم مهارة في الإثارة الصحفية المحترفة.
الصحافة المستقلة هي التى لا تشتم الأحزاب وقياداتها وتلعب على وتر الطائفية،
وتدبج اخبارا لاصلة حقيقية لها بالواقع .
الإعلام وسيلة في اشاعة ثقافة الديمقراطية
لاديمقراطية بدون الإنتخابات ، وهذه غير ممكنة بدون ثقافة يتدرب من خلالها المقترعون،
وهذه الثقافة والمهارات يمكن للإعلام ان يوفرها بقوة عبر: تثقيف الناخبين.
تشمل عبارة “تثقيف الناخبين” ،مجموعة واسعة من الأهداف. وهي تعني، في بعض الأحوال،
إبلاغ معلومات انتخابية ليس إلاَّ. ولعلَّ التعريف الأصحّ هو التالي: “كل نشاط
تثقيفي يُقام في فترة الانتخابات بهدف التشجيع على الانتخاب وتعزيز الديمقراطية”.
وتشجّع البرامج التثقيفيَّة على المشاركة الناشطة في الانتخابات وتقدّم إلى الناخبين
معلومات واضحة حول اجراءات الاقتراع. فهي تساعد الناخبين على أن يفهموا بمزيد
من التمييز المعلومات المنشورة من قبل الأحزاب والقوى والشخصيات في أثناء الحملات
الانتخابية، وتعلمهم بنوع الحكومة التي ستتألف عقب الانتخابات. و تثقيف الناخبين
لا يمكن أن يكون مؤثرا دون تخطيط انتخابي جيّد، ودون تطبيق آليات سياسية عادلة
وديمقراطية.
إعلام احتكار الحقيقة في الانتخابات
مثل هذا المخطط “ الواقعي” - لجهة القابلية على تنفيذه - لم يكن حاضرا في الانتخابات
الديمقراطية الاولى التي شهدها العراق في كانون الاول ( يناير) الماضي ، بل
حضر الاعلام ليتحول الى واجهات “محتكرة” ، فحكومة اياد علاوي حولت الاعلام الحكومي
إلى نافذة خاصة بها ، وابعدت ما امكنها ذلك القوائم المنافسة لها عن الاطلالة
على الناخبين من خلال وسيلة “ عامة” ، ومن جهتها ردت تلك القوائم الصاع صاعين
للقائمة الحكومية، فاستخدمت الدين سلاحا ثقيلا لا يجارى في وقت تشهد فيه الميول
الاسلامية صعودا حادا كما في حال قائمة “ الائتلاف العراقي الموحد” ، وبالطبع
حجبت احزاب ذلك “الائتلاف” في منابرها الاعلامية ومراكزها الثقافية ومؤسساتها
الدينية اي ترويج انتخابي لمنافسيها، وبالطبع فان الاقصاء القومي ميز الحملات
الانتخابية لقائمة “ التحالف الكردستاني” وهو ما بدا طبيعيا في توجه سياسي واعلامي
كان يغذي المشاعر القومية الكردية التي تعرضت للقمع والتهشيم لعقود طويلة.
وحيال استحقاقين انتخابيين ستشهدهما العملية السياسية في العراق : الاستفتاء على
الدستور في منتصف تشرين الاول ( اكتوبر) المقبل وانتخابات الجمعية الوطنية الدائمة
في اواخر العام الجاري، لا يبدو في افق الاعلام العراقي الحالي اي احتمال لدعاية
انتخابية قائمة على آليات سياسية عادلة وديمقراطية، فلا الحكومة الحالية، ومن
خلال تعميق سيطرتها على وسائل الاعلام العامة وابعادها الاعلاميين من غير أنصار
الأحزاب الاسلامية الشيعية عن تلك الوسائل، في وارد اتاحة الدعاية بشكل جدي لجميع
القوى المتنافسة في الاستحقاق الانتخابي، و لا الأحزاب والقوى المعارضة ستترك
لغيرها مجالا في اعلامها.
ما هو البديل العملي؟ مع غياب وسائل اعلام عامة مستقلة يمكن “ للمفوضية المستقلة
للانتخابات” ان تشكل قسما اعلاميا يقوم بالترويج لثقافة انتخاب حقيقية. واعتمادا
على قانونها الملزم التطبيق من قبل جميع القوى المشاركة في الانتخابات ، يمكن
كسر “ احتكار” الاعلام العام من قبل الحكومة كخطوة أولى نحو اشاعة ثقافة انتخاب
جدية ، وبدون هذا الإجراء ستظل وسائل الإعلام العراقية تعيد إنتاج ثقافة الفكر
الواحد حتى وإن اكتظت بشعارات طنانة عن الديمقراطية.
الولايات العراقية المتحدة أم جمهورية العراق الاتحادية
عدنان جواد الطعمة
كاتب عراقي
طالب الأخوة السياسيون والوزراء العراقيون منذ فترة طويلة قبل الانتخابات بتشكيل
ولايات أو أقاليم اتحادية فيدرالية إدارية محلية مستقلة تدار من أبناء وبنات هذه
الولايات والأقاليم بالتعاون والمشاركة مع الحكومة العراقية المركزية المنتخبة
في بغداد، وفق أسس الدستور العراقي الدائم الذي سيتم التصويت عليه من قبل الشعب
في الخامس عشر من شهر أكتوبر تشرين الأول القادم.
وكنا نتمنى منذ ما بعد سقوط النظام المخلوع في التاسع من نيسان أبريل المبارك
عام 2003 أن تبادر الشخصيات العراقية السياسية والدينية إلى تفعيل وتطبيق مبدأ
الفيدرالية الاتحادية الديمقراطية المتعددة بالمساواة وتقسيم العراق إداريا على
هيئة ولايات أو أقاليم أسوة بدولة الإمارات العربية المتحدة والعديد من الدول
الغربية.
إن الضجة الإعلامية المفتعلة التي حدثت بعد المطالبة بتشكيل إقليم واحد لتسع محافظات
من وسط وجنوب العراق لا داعي لها، لأن العراق مقبل دون شك على تقسيم إداري على
هيئة ولايات أوأقاليم لمنفعة جميع العراقيين دون تمييز بين القوميات والمذاهب.
كما كنا نتمنى أن يدرس ويناقش مثل هذا الموضوع الوطني والمصيري الخطير للشعب العراقي
في الجمعية الوطنية العراقية المنتخبة لوضع الأسس الثابتة والعادلة في الدستور
العراقي الدائم.
لقد أثبتت الدول الفيدرالية حسن إدارتها قدر الإمكان لشؤون رعاياها في كافة النواحي
والمجالات الصحية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والعمرانية والزراعية ومكافحة
البطالة وتوفير فرص العمل والتدريب وإنشاء المشاربع وتعمير البنى التحتية لخدمة
مواطنيها. وأهم ما سعت وتسعى إليه هذه الدول الفيدرالية منح مواطنيها كافة الحريات
التي تتلائم مع قوانين ودساتير وأعراف تلك الدول وخصوصا حرية التعبير عن الرأي
وخوض الانتخابات. كما أنها جعلت مواطنيها متساوين أمام القانون والقضاء.
ومن بين تلك الدول الأجنبية على سبيل المثال لا الحصر جمهورية ألمانيا الاتحادية
التي تابعنا تطوراتها منذ نهاية عام 1963 وحتى تاريخ اليوم والولايات المتحدة
الأميركية وسويسرا وغيرها. ومن الدول العربية التي قامت بتطبيق الفيدرالية هي
دول الإمارات العربية المتحدة. فلماذا يحرم العراقيون من التمتع بحقوقهم وتقرير
مصيرهم ونوع الحكم الذي يطمحون إليه؟
إن تشكيل الحكم الإداري الفيدرالي التعددي في العراق قادم بلا شك، شئنا أم أبينا،
لأن انتماءات السكان متنوعة والحدود التاريخية أيضا مختلفة. فمن مصلحة العراق
والشعب العراقي أن يتم استبدال تقسيم العراق من محافظات إلى ولايات أو أقاليم
فيدرالية متحدة وفق الانتماءات السكانية والقومية والمذهبية والجغرافية يتم الاتفاق
عليها وفق الدستور، بحيث تتمتع كل ولاية بكافة حقوقها وامتيازاتها وواجباتها تجاه
إدارة حكومة الدولة العراقية المركزية.
وعلى الإدارة المركزية العراقية تخصيص ميزانية كافية لكل ولاية حسب احتياجاتها
وعدد سكانها بعدالة من عائدات النفط والمشاريع الزراعية والصناعية والسياحية وغيرها.
إذ ليس من العدل والإنصاف أن تصبح مدينة البصرة، فينيسيا الشرق، العائمة على بحر
من النفط والتي كانت مدخولاتها من المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية كافية
لإعاشة 200 مليون نسمة، أن تصبح هذه المدينة من أفقر بلدان العالم، لا ماء صالح
للشرب فيها ولا كهرباء ولا مدارس كافية ولا مستشفيات، حيث قام النظام المخلوع
طوال حكمه البغيض بتدمير البنى التحتية لها وحرق الملايين من النخيل وتلويث المياه
الصالحة للشرب وتسميمها وتهجير مئات الآلاف من مواطنيها بالإضافة إلى قتل مئات
الآلاف غيرهم في الحروب والسجون.
ونفس الشيء حصل في كردستان العراق من تدمير لآلاف القرى والبيوت والمؤسسات والبنى
التحتية، بالإضافة إلى تهدير آلاف العائلات الكردية من مدينة كركوك وضواحيها وقتل
182 ألف تقريبا في عمليات الأنفال الدموية وأكثر من خمسة آلاف من النساء والأطفال
والشيوخ في حلبجة بالغازات السامة.
أما عن قتل الآلاف من الأخوة الأكراد الفيلية وتهجير الآلاف من العائلات الكردية
الفيلية ومصادرة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة من مدن خانقين وجلولاء ومندلي
والسعدية وزرباطية والكوت والنعمانية ونهروان والعزيزية وبدرة وبغداد وجصان والبصرة
والعمارة واختفاء أكثر من عشرة آلاف شاب لا أحد يعرف عن مصيرهم شيئا لحد الآن،
فحدث ولا حرج.
ولهذه الأسباب المؤلمة التي حلت بشعبنا العراقي نتمنى أن تشكل الولايات لدراسة
أوضاع مدنها وقراها ومواطنيها لحل مشاكلهم بالتعاون مع الحكومة العراقية المركزية
في بغداد.
إذ لا يمكن قبول استيلاء حزب واحد أو عائلة واحدة على السلطة في العراق والاستهتار
بمصير الملايين من الشعب العراقي وسرقة ثروات البلاد وتبديدها كما حدث ذلك منذ
أربعين سنة من قبل حزب البعث والطاغية المخلوع، بدلا من صرفها على الشعب العراقي
وإعمار البلاد، لأن العراق وطن للجميع شيعة وسنة ومسيحيين وآشوريين وكلدان وأيزيدية
وعرب وأكراد وتركما وصابئة وأن ثروات العراق يجب أن تعود للعراقيين وتنفق عليهم.
الحياة الحزبية، ومفهوم الوحدة
“التركة الدينية التي تهدد التعددية”
ناصر الحجاج
كاتب وشاعر عراقي
ليست الديمقراطية وحدها ما يرفض القاموس العربي إدخالها إلى مفرداته باعتبارها
نتاجا للآخر الأجنبي، بل ان العرب أنفسهم لم يعرفوا مفردة “الحزب” بالمعنى الحالي
المتداول سياسيا إلا في بدايات القرن الماضي. ومع كون مفردة “حزب” متداولة في
الادبيات الاسلامية، مما قد يوحي بإلفتها لدى المسلمين العرب خاصة، إلا ان الحقيقة
هي إن هذه المفردة أي الحزب ـ والتي تبدو عصرية ـ تحمل من الإرث المعنوي الديني
تركة قرآنية جد ثقيلة، بحيث يبدو من الصعب أن يحلّ المعنى المعاصر لمفهوم الحزبية
أو التحزب بديلا عن المعنى المقرون بالسلبية في بعده التعددي، ((من الذين فرقوا
دينهم وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون . الروم 32)) قرآن كريم).
إن من أشد أبعاد الحزبية قسوة اعتبار الحزب أو التحزب شرخا أو تصدعا لجدار “الامة”،
بمعنى ان الانتماء للأمة “الواحدة” يلزم جميع أفراد هذه الامة بالانضواء تحت حزب
واحد، وقائد واحد، وما دامت أمة المسلمين في المفهوم الاسلامي أمة واحدة ((وإن
هذه أمتكم أمة واحدة، أنا ربكم فاتقون .المؤمنون 52)) قرآن كريم ) فإن من الطبيعي
أن يكون للأمة الواحدة حزب واحد هو “حزب الله” يمثلها كلها، بحيث يعد كل خارج
منه، أو مخالف له أو ممتاز عنه، أو ناقد له شيطانا، عاصيا، كافرا، أو مرتدا، ..
وهو بالتأكيد فرد في حزب آخر، أجنبي، خارجي، هو حزب الشيطان.
هذه الثنائية القاتلة التي رسمتها أنظمة الحكم الشمولية عبر التاريخ الاسلامي،
والتي تسببت في القضاء على حياة الكثير من التيارات الفكرية، المعتزلة مثلا، كما
انها قطعت أعناق الكثيرين تحت مسميات مثل: الكفر، الردة، الزندقة، الشعوبية، الرفض،
وغيرها من التهم التي كانت كفيلة بأن تجعل من مجرد التفكير في الاختلاف ذنبا يعاقب
عليه الخليفة “ظل الله في الارض” على اعتبار ، ان ((كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة،
وكل ضلالة في النار))( حديث نبوي) تلك النار التي يصلاها المساكين في الدنيا قبل
الآخرة.
هذه الثنائية ما زالت وإلى يومنا هذا متمكنة حتى من أذهان النخبة المثقفة، إلا
إن ما يمنع الكثيرين من التصريح بها للعلن هو نفاقهم ، أو لأنهم لا يرون أن الوقت
قد حان للإعلان عن دولة الخلافة الواحدة التي يمنون النفس بالوصول إليها بأي ثمن،
ولو كلف الامر القضاء على نصف الكرة الارضية.
بدائل دينية بثوب علماني
إن مفهوم الوحدانية، أو التوحيد، ومفهوم الامة الواحدة تكرَّس أكثر فأكثر في القرن
العشرين من خلال حلول مفهوم جديد هو مفهوم القومية العربية، التي تبنتها الأحزاب
القومية الجديدة، ومنها حزب البعث العربي في أواسط القرن المنصرم، حيث اعتمد
هذا الحزب على المفاهيم المتوارثة للحزب الواحد، وخلط خلطا عجيبا بين مفاهيم
الوحدة، المرتبطة بمفهوم التوحيد الإسلامي، ومفهوم ((يد الله مع الجماعة))،
والحرية، التي لم يكن لها أي وجود فعلي، إلا إذا اعتبرنا إن الحزب يعتبر الحرية
من الأحلام التي قد تتحقق فيما بعد، وبين الاشتراكية التي جعلها هدفا ملحقا،
ربما لينافس الشيوعيين، ربما، بأنه يحمل هدفهم وأكثر منه.
حزب البعث الذي أخذ الكثير من مفرداته من القرآن، البعث، والامة، والوحدة، الرسالة،
الخالدة ... كان نموذجا دينيا بشعارات تبدو للوهلة الأولى علمانية، لكنه في صميم
أدبياته، إن أمكن قول ذلك، كان يكرس المفهوم الديني القديم نفسه، فأسس للوحدة
العربية بديلا عن الوحدة الإسلامية، وجعل من فلسطين قضيته المركزية، ليصبح الصراع
بين الإيمان والكفر متمثلا في الصراع بين “الأمة العربية” واليهود، “الكيان الصهيوني”،
كما أن الحزب نفسه، ومن هو على شاكلته من الأحزاب التي تنادي بالقومية العربية
أشاعت مفاهيم جديدة منها مفهوم المؤامرة، ومفهوم العمالة للأجنبي، ومفهوم شق الصف،
... وهذه مثلا تقابل مفاهيم إسلامية متوارثة، منها “الشعوبية، والارتداد، وشق
عصا المسلمين..” وجعل حزب البعث العربي من تلك المفردات بدائل معنوية عن الدين،
وإن كان “البعث” بحد ذاته مفهوما قرآنيا.
العمالة للأجنبي والخروج عن الدين، الحزب
ولأجل إخضاع الشعوب العربية إخضاعا تاما لسلطة الحاكم المطلق الرئيس، الملك، كرس
حزب البعث مفهوم العمالة للأجنبي، هذا المفهوم، النعت الذي يعد كفيلا بإيصال
صاحبه إلى حبل المشنقة. فالأجنبي يعني العدو بهذا المفهوم الجديد، ولا يجوز
لأي مواطن أن يمد يده للأجنبي دون موافقة الدولة، التي هي الحزب، والتي هي الحاكم
بأمر الحزب، الدين.
ومع تسليمنا أن الفهم الديني مختلف تماما عن الدعوة الدينية، وان تصرفات الخلفاء
والقادة إنما هي سلوكيات شخصية أسبغ عليها قدسية دينية، لكننا نتساءل: هل يمكن
القول بأن الحزب في المفهوم العربي المعاصر بات يعني الدين؟
يبدو الجواب بنعم هو الأقرب للتصديق، لا سيما من خلال النماذج الحية لمسيرة حزب
البعث الذي ألغى كل التنوعات وقضى من خلال مفهوم (يمكن أن نطلق عليه اسم) العربنة*
على جميع التمايزات العرقية والفكرية في المنطقة الممتدة من المغرب إلى العراق.
الكرد، الأرمن، الشركس، القبط، الأمازيغ، بات عليهم في زمن القومية العربية أن
يختاروا بين أمرين أحلاهما مر، بين أن يتخلوا عن أصولهم وينتسبون إلى العرب، رغما
عنهم، أو أن يصروا على انتسابهم إلى تلك القوميات (الأجنبية) ومن ثم البقاء على
هامش المواطنة، باعتبار أن العرب أشرف الأقوام ونبيهم محمد بن عبد الله العربي
هو أشرف الأنبياء، ناهيك عن أن اللغة العربية لغة القرآن هي أشرف اللغات، وهي
“لغة أهل الجنة”.
هكذا بات الحاكم العربي هو النبي الجديد للعرب، وبات ما كان يسمى بالامس أمة إسلامية،
أمةً عربية، وبات كل خارج عن تينك المفهومين خارجا عن الملة مهدور الدم والمال
والعرض.
هذه السطوة القاسية لمفهوم الوحدة العربية حالت دون نشوء أحزاب أخرى خارج الإطار
القومي، حتى ان الحزب السوري، ألحق بتسميته القومي الاجتماعي ليكون بمأمن، ربما،
من ان يقام عليه حد الخروج من الامة العربية.
فقمع الكرد والتنكيل بهم باعتبارهم انفصاليين، واعتبار الانفصال خروجا عن الطريق
القويم، وقتل الشيعة وتهجيرهم نحو الحدود الإيرانية باعتبارهم فرسا، أو مجوسيين،
هي بعض الأوجه المتعددة لسلطان القومية العربية الذي لم يتح المجال للمصريين كذلك
لأن يقول قائلهم إنه غير عربي، وإن أجداده لم يأتوا من نجد أو الحجاز، أو ان يفسح
المجال للبربر أو الأمازيغ للحديث بلغتهم أو أن يشكلوا حزبا يفتخر بتراث آخر غير
تراث “العرب”. هل هناك قوم أشرف من العرب، وهل ثمة أمة أفضل من أمتهم!!
ومثلما انقرض المعتزلة الذين أغنوا المكتبة الاسلامية بمؤلفاتهم، وفكرهم الحر
كالحسن البصري والجاحظ، وابن أبي الحديد ومن سواهم، انقرضت أو كادت أن تنقرض لهجات
غير عربية في المنطقة، وأزياء وطرق عيش وأساطير وعقائد غير إسلامية، وغيرها من
التمايزات التي أغفلها المسلمون أو أقروها وسلموا بوجودها، حتى جاء الدين العربي
الجديد المتمثل بالحزب الواحد ليقضي عليها أو ليضعها في مرتبة الحضيض، ويسم معتنقيها
بالغرابة، والخروج عن المألوف، وربما بالضلال عن الطريق القويم للحزب الواحد والأمة
العربية الواحدة.
الأفكار المستوردة، الأفكار الهدامة
أما وقد اعتبر الحزب الواحد كل مختلف ومغاير لفكره خروجا عن الأمة الواحدة، فإن
من الأولى لهذا الحزب أن يسم كل فكر قادم من خارج حدود “الوطن العربي” بالفكر
الهدام، على اعتبار أن الفكر البناء وحده، هو “الفكر العربي”. ولهذا ألف العديد
من الكتب التي ترسم ملامح صراع جديد هو الصراع بين العرب والغرب، أو بين الإسلام
والغرب، الى الحد الذي بات من البديهيات أن يقرّ العرب بأن “الاستشراق” هو في
أكثر تشكلاته استمرار للحركة الصليبية التي بدأت جراء الاحتكاك الاسلامي المسيحي
في الاندلس، وأن المستشرقين ليسوا مبهورين بسحر الشرق ومتعته الآيلة الى الزوال،
بل هم وجه آخر من وجوه الغزو الغربي لهذه المنطقة التي يتآمر عليها العالم كله
لأنها مهبط الرسل والانبياء،..؟! وبالمقابل بات التأثر بالغرب استغرابا أو عمالة
للأجنبي.
لقد أدى اعتبار الإسلام فكرا منقطعا عما حوله من الأفكار والعقائد والديانات مثل
اليهودية والمسيحية، واعتبار بعض المسلمين القدامى أن القرآن لا علاقة له بالتوراة
ولا بالانجيل، الى اتهام كل فكر يحاول تلمس أوجه الشبه والالتقاء بين الاسلام
وغيره من الأديان السماوية كفرا، أو ارتدادا، مثلما اعتُبِر الفكر الشيعي، على
سبيل المثال، فكرا شعوبيا لأنه بزعمهمم متأثر بالفكر اليهودي والنصراني، وربما
المجوسي.
هذا الافتراض الذي صار اقتناعا يطبق بشكل عنيف على الواقع العربي حيث لم يبرز
للعلن جراء تلك السطوة أي حزب مسيحي، ولا برزت أية منظمة يهودية داخل البلدان
الناطقة بالعربي. بل أن زيارة واحدة لإسرائيل يقوم بها أحد أعضاء حزب ما كفيلة
بأن يوصم ذلك الحزب كله بالعمالة للصهيونية، وبالتجسس للاستكبار العالمي، ومن
ثم تفسر كل طروحات هذا الحزب على أنها دعوات للتطبيع مع “العدو الصهيوني”.
هل ثمة تغيير!؟
بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق على أيدي قوات التحالف عام 2003 تبدت حقائق
مذهلة للعرب، أولها أن ما كان العرب يدعونه أمة عربية واحدة ما هو إلا عدد من
الدول ذات نظم دكتاتورية متنافرة، يتربع القمع قاسما مشتركا على عرشها. وتكشف
لهم أيضا أن الكرد يعتزون بقوميتهم التي قدموا من أجلها أكثر مما قدم العرب
أنفسهم لأمتهم “العربية” من تضحيات، سواء على صعيد النضال المسلح أو النضال
السياسي، أو على صعيد تعرضهم للنفي والتهجير والضرب بالأسلحة الكيمياوية.
تكشف للعرب أيضا أن هناك اتجاها داخل الأمة هو الاتجاه الشيعي الذي ظل طيلة قرون
طويلة إما مقصيا عن إدارة الدولة، أو متهما بالشعوبية، أو مقتولا فردا كان كالحسين
بن علي أو كيانا إسلاميا، كالدولة الفاطمية التي قضى عليها القائد صلاح الدين
الأيوبي.
النهر العراقي الذي جرى ماؤه في روافد كثيرة هو أبرز ملامح انكسار الصورة القديمة
للأمة، وللوحدة، وللشرعية أيضا.
ولعل المثالين الشيعي والكردي الذين يصعب الآن على العرب السنة قبول فكرة أنهما
مساويان لغيرهما من العرب، هما وجها الحقيقة التي ستدفع بقوميات أخرى في بلدان
مثل سوريا والأردن لأن تعلن أنها ليست عربية، ولتيارات أخرى في اليمن ومصر وإيران
لأن تعلن عن أطروحاتها الدينية أو الفكرية المغايرة. حيث لم يعد مجديا وصم الشيعة
والكرد بالعمالة للولايات المتحدة، مادامت مصر والاردن تتقبلان المساعدات الأميركية
بابتسامة عريضة.
لم يعد حائلا بين الكرد وبين مطالبتهم بحقوقهم المشروعة أن يقال عنهم إنهم إنفصاليون،
ولم يعد يوقف الشيعة عن الاستمرار في العملية السياسية وإدارة الدولة أن ينعتوا
بالشعوبية.
ثمة تغير كبير بدأ يخلخل أبنية قديمة ظلت لقرون تدعو لإلغاء الآخر من أجل ما تسميه
وحدة، وتقضي على المختلف بحجة الاعتصام بالأمة. تغيير كبير يبشر بأن هذه الأمة
بدأت تتعرف على أعضائها وعلى خصائصهم المتنوعة، لتصل في النهاية الى قناعة مفادها
أن الاختلاف سنة الحياة، وأن الجسد الذي لا يتبادل الماء والهواء مع المحيط جسد
ميت لا محالة.
العربنة، على وزن العلمنة هي نسبة الانجازات الإسلامية أو غيرها إلى العرب، واعتبار الرموز الإسلامية والتاريخية رموزا عربيا محلا للفخر. كاعتبار البعثيين نبوخذ نصر رمزا للفخر، أو كافتخارهم بصلاح الدين الأيوبي القائد الكردي، وغيرها