هيئة التحرير
بخلاف الأعداد السابقة من سلسلة أوراق ديمقراطية والتي تناولت قضايا تعتبر جديدة نسبيا في الأدبيات السياسية العربية، مثل النظام الفيدرالي والتعددية الإثنية والمساءلة والحكومات التمثيلية والفصل بين السلطات وتوازنها ومراقبة أداء كل سلطة للأخرى .. الخ، فإن هذا العدد المخصص “للنساء والديمقراطية” يتناول قضية تبدو كلاسيكية لأول وهلة، وهي المتعلقة بحقوق النساء ودورهن في المجتمع ونضالهن من أجل قوانين أكثر عدالة، سواء فيما يتعلق بالأحوال الشخصية أو مساواتهن في فرص العمل والتعليم والحماية القانونية .. الخ.
والحق أن قضية المرأة ليست جديدة في العالم العربي. فمنذ ما يعرف بعصر النهضة والذي يؤرخ إليه تقريبا منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى أواسط القرن العشرين، طرحت قضية المرأة باعتبارها جزءا من عملية التحديث والعصرنة.
ويعرف الكثيرون الدعوة الشهيرة التي أطلقها المفكر المصري قاسم أمين لتحرير المرأة وما صاحبها من جدل استمر لعقود بعد ذلك. بالإضافة إلى إسهامات عدد كبير من مفكري ومثقفي ذلك العصر، ممن سعوا إلى تأكيد حق المرأة في التعليم والعمل ورفع الغبن الاجتماعي الواقع عليها.
ومنذ تلك الفتtرة وحتى اليوم مرت قضية المرأة بحالات مد وجزر، وأحيانا نكوص. فبعض المكاسب الاجتماعية التي حصلت عليها المرأة في ستينيات وخمسينيات القرن الماضي، يبدو أنها قد تبددت بفعل كثافة حضور بعض الاتجاهات الدينية المتشددة في المجتمعات العربية والتي يسعى بعضها على الأقل إلى فرض أنماط تقليدية على دور النساء، وخاصة إبعادهن عن مجالات الفعل والتأثير المجتمعي.
إن هذا العدد من أوراق ديمقراطية إذ يبحث في القضايا التقليدية المتعلقة بالمرأة، وهي قضايا على جانب كبير من الأهمية، مثل المساواة وتعديل قوانين الأحوال الشخصية ومكافحة انتهاك حقوق النساء على مستوى التشريعات والواقع العملي، مستعرضا في هذا الصدد تجارب عدد من الدول العربية والإسلامية، فإنه يخصص جزءا كبيرا من مواده، لقضية جديدة نسبيا وهي تلك المتعلقة بمشاركة المرأة في العمل السياسي، وتحديدا المشاركة في المجالس التمثيلية من برلمانات ومجالس بلدية.
فمع تزايد الدعوات للإصلاح وتحقيق الانفتاح السياسي والمشاركة، في العالم العربي خاصة في العقد الأخير من القرن الماضي، برزت مشاركة المرأة باعتبارها أحد المعايير المهمة لجدية أي إصلاح.
فإذا كانت النساء يمثلن تقريبا نصف عدد السكان في أي بلد عربي، فكيف يمكن تبرير استبعادهن من العملية السياسية، والادعاء في الوقت نفسه بأن هذه العملية تعبر عن إرادة الشعب في البلد المعين؟
وكيف يمكن أن ينطبق وصف ممثلي الشعب في البرلمانات، على النواب المنتخبين، إذا كان الناخبون والمرشحون هم فقط من الرجال؟ فأي عملية ديمقراطية يستبعد منها نصف عدد السكان، لا يمكن وصفها بالشرعية أو التمثيلية، والتجارب الإصلاحية أو الديمقراطية التي لم تشرك المرأة اعتبرت على الدوام ناقصة أو غير عادلة.
من هنا فقد بادر العديد من واضعي الدساتير والقوانين في الدول العربية إلى منح النساء حقي التصويت والترشيح، وقد تمكنت المرأة العربية من تحقيق مكاسب هامة على هذا الصعيد (كان آخرها في الكويت)، فيما لا تزال بعض هذه الدول تماطل في هذا الجانب (مثل السعودية والإمارات) .
لكن إذا كان الحق في التصويت والترشيح قد تم ضمانه، تتبقى بعد ذلك مشكلة وصول المرأة إلى البرلمان أو المجالس البلدية.
والواقع أن هذه مشكلة حقيقية تواجه النساء في معظم البلاد العربية وربما في بلاد العالم الآخرى أيضا، فأفضل نسبة تمثيل في البرلمانات العربية لم تتعد 12 في المائة (البرلمان السوري، انتخابات 2003) وكذلك (11.5 في المائة البرلمان التونسي و 10 في المائة في البرلمان المغربي لعام 2003). بينما هي تبلغ الصفر في برلمانات ثلاث دول عربية (البحرين والإمارات والكويت).
ويطرح هذا العدد مجموعة من الاستراتيجيات التي من شأنها تعظيم مشاركة المرأة في العمل السياسي والوصول إلى مقاعد البرلمان، بدءا من لحظة اتخاذ القرار بالترشح للانتخابات وحتى اختيار النظم الانتخابية التي تضمن أفضل تمثيل للمرأة.
ومن ضمن هذه الاستراتيجيات نظام الحصص أو الكوتا، وهو تخصيص نسبة مئوية معينة للنساء في البرلمان، أو إلزام الأحزاب بضم نسبة معينة من النساء إلى قوائم مرشحيها.
إن نظام الحصص يعتبر مثاليا في الديمقراطيات الناشئة وكذلك في المجتمعات التي يصعب على النساء فيها (بفعل عوامل اجتماعية أو غيرها) الوصول إلى قبة البرلمان أو المجالس البلدية. لكنه على المدى البعيد غير مفيد، لأنه ينتهك مبدأ المساواة في الفرص أمام المرشحين، رجالا ونساء.
وبالإضافة إلى تعظيم دور المرأة في المشاركة السياسية، فإن هذا العدد يتطرق أيضا إلى مسألة تعظيم دور النساء في المجال الاقتصادي، باعتبارها جزء أساسيا من عملية التنمية والإصلاح الشامل، حيث تعاني المرأة العربية من انخفاض نسبة مشاركتها في النشاط الاقتصادي عموما. وتشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن النساء مثلن في عام 2003 ما نسبته 28 في المائة فقط من القوى العاملة في الدول العربية، معظمهن يعملن في مهن زراعية في الأرياف.
كما تعاني النساء من انتشار حالات الفقر في أوساطهن بدرجة أكبر من الرجال، وحسب تقديرات البنك الدولي، هناك حوالي ستة ملايين شخص يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا في الدول العربية، و68 مليون يعيشون على أقل من دولارين يوميا.
ويقدم العدد في هذا المجال تجربة بنك جرامين في بنغلاديش الذي استطاع من خلال التركيز على تقديم القروض الصغيرة للنساء، وفي فترة قياسية، من مساعدة مئات آلاف الأسر على تخطي عتبة الفقر.
وبخلاف القضايا المطروحة هنا، فثمة مسائل وثيقة الصلة بقضية المرأة العربية، من المفيد الإشارة إليها في هذه العجالة.
لفترة طويلة نسبيا ظل الاعتقاد السائد بأن زيادة تعليم الفتيات وضمان زيادة حصة النساء في مجالي التدريب والعمل، يعتبر دليلا على تقدم قضية المرأة في البلاد العربية، لكن اتضح أن ذلك لم يكن صحيحا، أو بالأحرى لم يكن مؤكدا.
ففي العديد من البلدان العربية، ولا سيما تلك المعروفة بانتهاكاتها الواسعة لحقوق النساء (دول الخليج على سبيل المثال) تعتبر نسبة تعليم الفتيات فيها عالية جدا وأحيانا أكثر من نسبة عدد الفتيان. وفي بلدان أخرى أحرزت النساء مكاسب في مجال الوصول إلى بعض المراكز الإدارية أو السياسية المرموقة، لكن ذلك لم ينعكس إيجابا على الحقوق الأساسية، الاجتماعية والإنسانية، للنساء في هذه البلدان.
كما تتفاوت التحديات المرتبطة بالمرأة العربية من بلد إلى آخر، ففي حين تطالب النساء في السعودية بالحق في قيادة السيارة والسفر من دون محرم، نجدها تطالب بزيادة التمثيل في البرلمان في المغرب وتونس.
وفي الوقت الذي تخوض فيه بعض النساء العربيات نضالا مستميتا من أجل تحصيل حقوقهن الاجتماعية ووضع قوانين متطورة للأسرة أو الأحوال الشخصية، نجدها في بلدان عربية أخرى تجاهد من أجل إصلاح قوانين العمل أو تأمين وجود لها في المجالس التشريعية.
ولهذا فإن حدوث تقدم حقيقي في قضية المرأة العربية، ليس مرتبطا بالضرورة بالتقدم الحاصل في بعض الميادين، بل لا بد له من أن يكون محصلة للتقدم في هذه الميادين جميعها، وهو ما يعبر عنه بقضية الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي والسياسي الشامل.
لكن من الصحيح أيضا القول إن مراكمة الانجازات الصغيرة من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى حدوث تقدم كبير. الخطورة تكمن دائما في التراجع عن المكاسب أو الجمود عندها.
أخيرا فإن هذا العدد من سلسلة أوراق ديمقراطية، إذ هو يخصص موضوعاته لمساعدة النساء العراقيات اللواتي يخضن تجربة التحول الديمقراطي بكافة تداعياتها واحتمالاتها، فإنه لا يدعي الشمولية في طرح قضية المرأة، أوتقديم الحلول الشاملة للمشاكل التي تواجهها، لكنه يقدم في المقابل بعض الآليات التي تساعد على فهم هذه المشاكل ومعرفة أبعادها، ومن ثم تقديم الحلول المناسبة لها، آخذين في الاعتبار أن النساء في كل بلد عربي هن أدرى بطبيعة أوضاعهن والأقدر على اختيار نوعية الحلول التي تناسب مجتمعاتهن.