انتهاكات حقوق المرأة في العراق

منذر الفضل
أستاذ قانون وعضو الجمعية الوطنية العراقية
منذ الانقلاب العسكري لحزب البعث في يوليو/تموز عام 1968 تدهور وضع المرأة في العراق بصورة خطيرة وقد تبدى ذلك التدهور والانتهاكات لحقوق المرأة من خلال المئات من الأدلة ومنها ما وثقته منظمة العفو الدولية والمنظمات غير الحكومية المحايدة.
ففي الدستور العراقي المؤقت لعام 1970 ورد في المادة (11) أن الأسرة نواة المجتمع وتكفل الدولة حمايتها ودعمها وترعى الأمومة والطفولة (7 )، كما نصت المادة 19 على أن: ( أ- المواطنين سواسية أمام القانون، دون تفريق بسبب الجنس أو العرق أو اللغة أو المنشأ الاجتماعي أو الدين. ب - تكافؤ الفرص لجميع المواطنين مضمون في حدود القانون ).
كما جرى التأكيد على هذه المبادئ في دستور عام 1990 الذي حذفت منه عبارة مؤقت .غير أن هذه النصوص وغيرها من نصوص الدستور العراقي ذات الصلة لم تكن سوى حبرا على ورق، لا بل جرت مخالفتها وخرقها بصورة خطيرة من الناحتين التشريعية والواقعية حيث لم تتحقق أية مساواة بين الجنسين في المجتمع واستمرت سياسة العنف والاضطهاد ضد المرأة العراقية بصورة منتظمة.
هذا فضلا عن عدم وجود التناسق والتوافق بين نصوص الدستور والتشريعات النافذة. وسوف نعرض إلى جانب من بعض هذه التشريعات التي تكشف عن إهدار حقوق المرأة العراقية.

أولا – منع المرأة من السفر
اصدر نظام صدام قرارات متعددة مخالفة لحقوق الإنسان تقيد أو تمنع أو تصادر الحقوق الأساسية للبشر ومنها منع المرأة من السفر خارج العراق حتى ولو كانت تحمل أعلى شهادة أكاديمية إلا مع شخص محرم وهو قرار اعتبر المرأة ناقصة الأهلية بينما أجاز النظام للذكر البالغ لسن الرشد حق السفر خارج العراق لوحده حتى ولو كان بدون تحصيل دراسي ولا نعرف الحكمة التي دفعت رئيس النظام إلى إصدار هكذا تشريع مخالف لحقوق الإنسان ويهدر من آدمية المرأة.

ثانيا – القانون المدني العراقي
ليس هناك أدنى شك في أن القانون المدني العراقي يعد عملا كبير الأهمية وبالغ الأثر في تنظيم المعاملات المالية، بذلت في إعداده جهود مضنية حيث شكلت لجنة أولى عام 1933 أعقبتها لجنة أخرى في سنه 1936 لوضع مشروع تمهيدي للأحكام المتعلقة بعقد البيع، إلا أن الجهود توقفت حتى صيف عام 1943 إذ عهدت مهمة إنجاز مشروع القانون المدني العراقي ليحل محل مجلة الأحكام العدلية وتشريعات أخرى، للجنة من كبار رجال القانون في العراق برئاسة الأستاذ الجليل السنهوري استغرق عملها ثلاث سنوات .
وإذا كان القانون المدني العراقي هو أول قانون مدني عربي يتلاقى فيه الفقه الإسلامي مع القوانين الغربية جنبا إلى جنب في الكم والكيف وهي من أخطر التجارب في تاريخ التقنين المدني الحديث كما وصفها الأستاذ الجليل السنهوري، فإن هذا لا يعني أن القانون المدني العراقي الذي صار نافذ المفعول عام 1953 قد جاء متكاملا وخاليا من الثغرات أو أنه حقق التناسق الداخلي والتوافق الخارجي، فقد تضمن - فيما يخص حقوق المرأة – نصوصا عديدة أهدرت فيها هذه الحقوق ولم تجعلها متساوية مع حقوق الرجل مما يوجب تعديلها وتحقيق التوافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية .
ومن ذلك مثلا موضوع النسب وحمل الإسم الذي حصر في الذكور دون الإناث تأثرا بالقانون الروماني ( مدونه جوستنيان ) كما حرم القانون المدني الأم من الولاية على الصغير في المادة 102 حيث جاء مثلا ( ولي الصغير أبوه ثم وصي أبيه ثم جده الصحيح ثم وصي الجد ثم المحكمة او الوصي الذي نصبته المحكمة). ففي هذا النص إنكار واضح لدور الأم وهو غير جائز إذ كيف يقدم مثلا وصي الأب ووصي الجد على ألام التي قد تكون هي الوصية إذا وافقت المحكمة على ذلك بينما نعتقد بضرورة تقديم آلام على غيرها أو ترك الأمر للمحكمة لتقدير مصلحة الطفل كما لابد من تعديل قانون رعاية القاصرين لكي ينسجم مع ضرورة احترام حقوق المرأة والرجل في الولاية والوصاية. وهناك نصوص أخرى مهمة تحتاج للتعديل أو الحذف لكي تنسجم مع الدستور ومع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ثالثا – قانون الأحوال الشخصية العراقي
يعود قانون الأحوال الشخصية العراقي إلى عام 1959 وقد جرى تعديله مرات متعددة، غير أن هذه التعديلات لم تلتفت الى حقوق المرأة المهدرة في القانون والتي تتناقض مع القيمة الإنسانية للمرأة ومع دورها في الحياة وذلك لان هناك الكثير من النصوص التي تتناقض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومع القواعد الدستورية فضلا عن تعارضها مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق المرأة ومنع التمييز بين الجنسين.
وإذا كان من الصعب التعرض لجميع هذه الحقوق المهدرة في قانون الأحوال الشخصية العراقي إلا أننا يمكن أن نشير إلى بعض منها. لعل من أهم النصوص التي وردت في القانون المذكور والتي تهدر حقوق المرأة هو موضوع تعدد الزوجات ( م 3 ) وحصر الطلاق بيد الزوج وكذلك النصوص المتعلقة بأحكام النشوز، فالزواج يقوم على التراضي في العيش والتفاهم الإنساني لا الإكراه، وكذلك أحكام ما يسمى بيت الطاعة والبيت الشرعي للمرأة التي ترفض استمرار الزوجية فالزواج يقوم على أساس حق الاختيار كما يجب تعديل المادة 25 من القانون التي تحرم الزوجة من النفقة إذا تركت بيت الزوجية بلا إذن الزوج او إذا حبست عن جريمة أو دَين او إذا امتنعت عن السفر مع زوجها بدون عذر شرعي حيث يجب تحقيق المساواة بين الطرفين في الحقوق والواجبات. وكذلك ضرورة إلغاء المادة 26 من القانون لان القواعد الإنسانية توجب منع تعدد الزوجات. وكذلك تعديل نص المادة 27 من القانون .

رابعا – قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنه 1969
وردت العديد من النصوص القانونية في قانون العقوبات العراقي التي تكشف عن انتهاكات خطيرة لحقوق المرأة، هذا الى جانب عشرات القرارات الصادرة من رئيس النظام المخالفة للدستور وللالتزامات الدولية ولعل أهم هذه الانتهاكات هي:
-1 عقوبة الإعدام للمرأة في قانون العقوبات وخارج نطاق القضاء، حيث جرت عملية الإعدام للمرأة حسب قانون العقوبات العراقي نظرا لوجود هذه العقوبة التي طالبنا بإلغائها من القانون.

-2 جريمة الزنا والقتل بدافع الشرف
تعتبر ظاهرة جريمة القتل بدافع الشرف من الجرائم الخطيرة التي تهدد حقوق الإنسان ومنها حقوق المرأة، الأمر الذي يوجب القيام بكل الخطوات اللازمة لمعالجة هذه المشكلة الخطيرة، سواء في العراق أم في البلدان العربية ام الدول الإسلامية.
وإذ لا توجد إحصائية دقيقة عن الوضع في العراق والبلدان الأخرى إلا أن هذه الجريمة انتشرت حتى إلى المهجر فقد حصلت جرائم متعددة في السويد وفي بلدان أخرى غيرها بدافع غسل العار العائلي مما يزيد من خطورة هذه الجريمة.
ومن المعلوم أن قانون العقوبات في العراق جعل هناك تفاوتا في الحماية القانونية بين الرجل والمرأة في هذه الجريمة وانحاز الى جانب الرجل ووضع عقوبات قاسية جدا على المرأة وصلت إلى حد إزهاق روحها من دون عقاب على الفاعل او بعقاب خفيف لا يتناسب مطلقا مع الجريمة المرتكبة بحجة أن القتل وقع بباعث شريف وهو غسل العار لارتكاب المرأة الزنا حيث منح القانون هذه الحماية للرجل دون المرأة فلا يجوز مثلا للمرأة أن تتذرع بان القتل الذي حصل منها لغسل العار بسبب ارتكاب الزوج مثلا جريمة الزنا في بيت الزوجية فان ارتكبت هذه الجريمة عدت مرتكبة لجريمة القتل العمد !! بينما إذا ارتكبها الرجل ( الزوج أو أحد المحارم ) يعاقب بعقوبة قد تصل الى ستة شهور مع وقف التنفيذ !!
ولهذا لابد من تعديل القانون وتحديد مفهوم الشرف وعدم السماح للرجل بأن يستفيد من هذه الحماية القانونية في ارتكاب هذه الجريمة بحجة غسل العار وتبييض الشرف.

-3 تأديب الزوجة
جاء في المادة 41 من قانون العقوبات العراقي مايلي: لا جريمة اذا وقع الفعل استعمالا للحق 1- تأديب الزوج زوجته ….) على أساس أن تأديب الزوج للزوجة هو استعمال لحق مقرر قانونا للرجل فقط دون المرأة، وله أن يضربها كجزء من التأديب ويهجرها كذلك وهو ما يتنافى وحقوق الإنسان والآدمية والقيم الإنسانية. فالضرب هو سوء معاملة ولا يجوز اللجوء إلى هذه الوسيلة من أي طرف ولأي سبب كان وهو يعد جريمة يستحق الفاعل العقاب إذا ثبت ارتكابها. ونشير هنا إلى قانون صدام الصادر في نوفمبر 2001 في إيقاع عقوبة الإعدام ضد المرأة المشتبه في سلوكها وضد من تدير محلا للدعارة او من تسهل ذلك وهي قوانين لم نشهد لها نظيرا في القسوة في العالم.

خامسا – تعذيب النساء وإساءة معاملتهن خلال فترة الاعتقال السابق للمحاكمة
تشير الكثير من الوثائق التي تم الحصول عليها عقب الانتفاضة الباسلة عام 1991 أنه كانت هناك سياسة خطيرة اتبعت من سلطات نظام صدام ضد النساء في كردستان وفي مناطق مختلفة من العراق وبخاصة في السجون السرية وفي أثناء التحقيق والاعتقال. فقد تبين ذلك في سجون النظام في السليمانية وفي سجون دهوك وغيرها حيث تعرضت الكثير من النساء إلى الاغتصاب والضرب وسوء المعاملة والقتل والتعليق من الثديين بأجهزة حديدية مثبته في سقف السجون.
وعادة ما يتم ايداع النساء في سجون الأجهزة الأمنية بمعزل عن العالم الخارجي ويرغمن على الاعتراف من خلال استخدام التعذيب والعنف وسوء المعاملة أو القتل خارج إطار المحاكمة إذا كانت التهمة سياسية. أما الأشخاص الذين كانوا يقومون باستجواب النساء فهم غالبا من الرجال ممن لا يحملون شهادة العلم بالقانون، وهو ما يشكل مخالفة واضحة للدستور العراقي والقوانين النافذة ولكل الالتزامات الدولية.

سادسا - قانون الوظيفة العامة وقانون المعهد القضائي
لابد من إعادة النظر في قوانين الخدمة المدنية والوظيفة العامة ومنها قانون المعهد القضائي بما يوفر فرص متساوية للعمل بين الرجل والمرأة ووفقا للدستور والقانون والالتزامات الدولية وضرورة تحقيق المساواة في الأجور بين المرأة والرجل، حيث لم تكن مثل هذه المساواة موجودة في العراق في ظل نظام صدام الى جانب انعدام حقوق المرأة في التقاعد والضمان الاجتماعي والضمان الصحي وحرمان المرأة من فرص كثيرة في التعليم و في مختلف مجالات الحياة وهو خلل خطير وتعطيل لدور المرأة وهي نصف المجتمع .
كما لا يجوز حرمان المرأة من تولي بعض الوظائف مثل القضاء او المناصب العليا في الدولة وهو مخالفة خطيرة للدستور والقانون ولحقوق الإنسان ولهذا لابد من إجراء مسح شامل للقوانين التي تهدر حقوق المرأة في ميدان الوظيفة العامة وقانون المعهد القضائي وقوانين الخدمة الأخرى.
وهنا لابد من نشير إلى أن حكومة إقليم كردستان أصدرت سلسلة من القوانين والقرارات المهمة التي تعدل من وضع المرأة الحقوقي سواء على صعيد العمل الوظيفي للمرأة والمساواة في فرص العمل ورفع مكانة المرأة ام بالنسبة لما يسمى بجرائم غسل العار والقتل بدافع الشرف أو حماية حقوق الإنسان ومنها حقوق المرأة إلا انه ما يزال هناك خطوات كبيرة في هذا الميدان لابد من القيام بها وتعديل القوانين بما يحقق المساواة في الحقوق والواجبات.