لا مساومة على حقوق المرأة العراقية

زكية حقي إسماعيل
قاضية وعضوة في الجمعية الوطنية العراقية
إن حقوق المرأة هي في الواقع مطالب وطنية تخص كل أسرة عراقية أيا كانت خلفيتها الاجتماعية والسياسية، وتبنيها من قبل الشرائح الواسعة من شعبنا سيدفع بالعملية التنموية والازدهار الاقتصادي خطوات واسعة إلى الأمام بصرف النظر عما إذا كان العراق ملكيا أو جمهوريا، فيدراليا أو مركزيا، إسلاميا أو علمانيا.
إن على الحركة النسائية العراقية أن تجمع حولها العراقيين جميعا من كافة أطيافهم وشرائحهم كي يؤيدوا مطالبنا العادلة في زج قابليات ما يزيد على 60 في المائة من مجموع شعبنا لإحداث التحولات الجذرية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مجتمعنا. ولا يخفى ما للنهضة النسوية من تأثير بالغ على مستقبل الاقتصاد العراقي وازدهاره واستقرار العائلة العراقية.
إن ما يهمنا هو التأكيد على وضعية المرأة وحقوقها التي يجب أن ينص عليها الدستور الجديد وعليه طالبنا بأن لا توضع مواده بمعزل عن مشاركة المرأة ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات النسائية العراقية. ولكن للأسف فقد جاء تشكيل لجنة إعداد الدستور في الجمعية الوطنية المكونة من 55 عضوا مخيبا لآمالنا حيث لم يراعى في تشكيلها حتى نسبة الـ 25 في المائة، فكان مجموع النساء هن تسع فقط، من مجموع 55، اثنتان منهم فقط يملكن خلفية قانونية. فقد رشحت قائمة الشيعة ست نساء والقائمة الكردية اثنتان والعراقية واحدة، وكما نأمل أن تضم هذه اللجنة سيدات ذوات تخصص عال في العلوم القانونية والاجتماعية والسياسية من داخل الجمعية وخارجها.
إنها المرة الأولى في تاريخ العراق الممتد لآلاف السنين التي يتولى فيها العراقيون بأنفسهم كتابة دستورهم .. إنها فترات من أهم فترات تاريخنا وإن هذا الدستور هو مستقبل أبنائنا وأحفادنا ونحن حريصون أن لا يواجهوا المآسي والمرارارت التي واجهناها.
ولما كان الدستور هو القانون الأساسي للدولة وهو أسمى قانون فيه ومنه تستمد القوانين الأدنى شرعيتها فإن القوانين الأدنى منه بدرجة ينبغي أن لا تتناقض مع نصوصه، وإلا يحكم ببطلان تلك القوانين وبعدم دستوريتها.
انتهى الزمان الذي كان فيه الدستور منحة من الحاكم المطلق لرعيته كما ورد في القانون الأساسي العثماني لعام 1876 – 1908، الذي كان يحكم شعوبنا والذي بموجبه عموم رعيته- أي شعوبنا- الأمان على نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، وكان من حق الحاكم المطلق تعطيل هذا الدستور في أي وقت يشاء.
ولكن الدستور أصبح منذ الثورة الفرنسية عقدا اجتماعيا بين الحاكم والمحكوم، بين الدولة والمواطن، وهو الذي يحدد نظام الحكم واختصاصات سلطات الدولة الثلاث. وحيث أنه عقد اجتماعي فهو علاقة تعاقدية بين المواطن والدولة، وعليه يجب التركيز على حقوق الفرد والإنسان في الدولة، وكونه متساويا في الحقوق والواجبات أمام القانون وفي القاون.
فالعقد الاجتماعي ليس فقط بين الدولة والأسرة، أي مع رب الأسرة، بل مع بين الدولة وكل فرد من أفراد الأسرة في المجتمع. وعلى هذا التمييز تترتب الحماية لحقوق جميع أفراد الأسرة بالتساوي بوصفهم مواطنين لا يجوز التمايز أوالتفضيل أو التفريق بينهم بسبب الجنس أو العمر أو الدين أو العرق أو الإعاقة .. الخ.
تنص جميع دساتير الدول العربية ومنها العراق على مبدأ المساواة بين المواطنين دونما تمييز أمام القانون، وهو تعبير ناقص حيث يجب أن تكون المساواة بين المواطنين دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة أمام القانون وفي القانون، فلا يجوز أن يكون هناك مكيالان في القانون للقضية أو الجريمة الواحدة، لأن المواطنين متساوون كأفراد في جميع الحقوق والواجبات.
إن واقع تطبيق المساواة حتى لو جاء النص بأنها مساواة أمام القانون فقط يؤكد الفرق العظيم بين النص والواقع المرير الذي عانيناه حيث لا توجد ضمانات دستورية لحماية حقوق المرأة كمواطنة، فالواقع العملي يؤكد أنها لا تعتبر مواطنة بنظر الدستور، وإنما ينطبق عليها وصف الرعية والرعية كما لا يخفى هم أناس ليست لهم حقوق ليباشروها بشكل أصيل وإنما يتولى الراعي – رب الأسرة – تمثيلهم والتكلم باسمهم وقد لمس العراقيون هذا الفرق بوضوح حين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الأخيرة حيث لم يسمح لأبناء الأم العراقية أن يكتسبوا جنسية والدتهم وأن يدلوا بأصواتهم رغم عدم وجود أي نص في قانون إدارة الدولة المؤقت يمنعهم من ذلك، علما بأن اكتساب الجنسية هو حق سياسي واجتماعي لكل مواطن. وبوسع الأبناء أن يتمتعوا به بصرف النظر عن جنس المواطن رجلا كان أم امرأة. وكان الأصل هو الإباحة لكن تعليمات المفوضية العليا للانتخابات رجعت إلى نص دستوري آخر يتضمن بأن الأسرة هي اللبنة الأولى للمجتمع وبالتالي فغن العقد لاجتماعي مبرم بين الدولة ورب الأسرة فقط، وباقي أفراد الأسرة مجرد رعايا، فتم الخلط همدا بين انتساب الأبناء لوالدهم – رب الأسرة – وهو حق طبيعي وشرعي وبين اكتساب الجنسية من قبل الأبناء عن طريق الأم وهو حق للأم بوصفها مواطنة تحمل جنسية بلدها وتنتسب لكيان سياسي واجتماعي اسمه جمهورية العراق حيث تملك مطلق الحق في أي تمنح جنسيتها لأبنائها، هذا لو كان المشرع قد اعتبرها مواطنة حقا ومتساوية مع أخيها الرجل في الحقوق والواجبات، وقد حققت المرأة العراقية الآن مكسبا عظيما بالنص دستوريا على إعطاء الأم الحق في منح جنسيتها لأبنائها.
يتوجب النص على مساواة المواطنين من الجنسين في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كافة عملا بالمواثيق الدولية التي وقع عليها العراق والخاصة بحقوق المرأة، وذلك اعتبارا من مؤتمر نيو مكسيكو في العام الذي كرسته الأمم المتحدة ليكون عاما عالميا لحماية حقوق النساء وهو عام 1975 وعملا بمقررات مؤتمر كوبنهاجن ونيروبي وبكين وجميع المؤتمرات اللاحقة حتى مؤتمر “اليونيفيم” في 27 فبراير/ شباط حتى 12 مارس/آذار عام 2005 الذي عقد في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك حيث انتبهت الأمم المتحدة لأهمية دور المرأة في عمليات التنمية الاقتصادية والتطور الاجتماعي والمشاركة السياسية فأوجبت على الدول الأعضاء الالتزام بزج طاقات المرأة في عمليات إجراء التحولات الجذرية الافتصادية والاجتماعية والسياسية في بنية مجتمعاتها.
إن الدولة في الواقع هي كيان سياسي وقانوني والدولة ليست إنسانا طبيعيا ليكون لها دين.
إننا والحمد الله مسلمون وملتزمون بجميع فرائض ديننا الحنيف ولكننا نؤمن بأن من أوليات حقوق الإنسان أن لا يفرض الأكثرية ديانتهم على الأقلية وعليه نؤيد فصل الدين عن الدولة في الدستور الجديد، ولكننا لا نفصل الدين عن المجتمع، فإن ما لايقل عن 90 في المائة من الشعب العراقي يدين بالإسلام ولأتباع الديانات الأخرى مطلق الحق والحرية كما للمسلمين في ممارسة عقائدهم وشعائرهم والتتع بأعيادهم جميعا بوصفها أعيادا رسمية لجمهورية العراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد. وقد نص مشروع الدستور الجديد على أن دين الدولة هو الإسلام. ونطالب أن تكون الشريعة الإسلامية أحد مصادر التشريع للقانون العراقي كما جاء في قانون إدارة الدولة المؤقت.
كما جاء في النص الدستوري الجديد تجديد نسبة تمثيل للنساء بحيث لا تقل عن الـ (25 في المائة) الحالية ولكن فقط لدورتين برلمانيتين أي بعد ثماني سنوات من الآن وتم النص عليها في فصل الأحكام الختامية بدلا من إدراجها في الباب الثاني، الحقوق والحريات العامة. وهذا إجحاف بحقوقنا لم نكن نتوقعه من إخوة ناضلوا معنا جنبا إلى جنب للقضاء على الطغيان.
إن حقوقنا ليست منة ولا تفضلا من أحد، وإنما هي حقوق اكتسبناها وفق الموثيق والمعاهدات الدولية التي تسمو على القوانين الداخلية.
إننا اليوم بحاجة إلى حماية دستورية لإيصال أصواتنا إلى العالم كافة ولنحتل مواقعنا في مراكز صنع القرار السياسي. إن النص أعلاه باطل قانونا لمناقضته للمواثيق الدولية التي لم يكتف العراق بالتوقيع عليها وإنما انضم إليها أيضا، فأصبحت جزءا لا يتجزء من أي دستور عراقي، إن لم تكن في مركز أسمى من الدستور لكونها قانونا دوليا أقر به العراق وانضم إليه وكان العراق كدولة عضو في الأمم المتحدة حاضرا في جميع المؤتمرات الدولية الخاصة بحماية حقوق المرأة منذ عام 1975 الذي كرسته الأمم المتحدة عاما عالميا للمرأة. ولقد نصت تلك المعاهدات الدولية على وجوب أن لا تقل نسبة إشراك المرأة في مواقع صنع القرار عن 25 في المائة.