تحديات أمام المرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

دراسة أجرتها منظمة فريدم هاوس

ثمينة نظير
كبيرة منسقي البحوث بمؤسسة فريدم هاوس “بيت الحرية” وقد تولت منصب مديرة حقوق المرأة في مشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيما بين عامي 2003- 2005*.
تستعرض هذه الدراسة تقارير تفصيلية حول وضع حقوق المرأة في 16 دولة وإقليم واحد - فلسطين – في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك دول شمال أفريقيا والشام والخليج وشبه الجزيرة العربية. ورغم أن هذه الدراسة تقدم الدليل على التقدم نحو تحقيق المساواة بين الجنسين في عدد من الدول، إلا أن نتائجها الرئيسية تعكس فجوة واسعة بين الجنسين في الحقوق والحريات. ويوجد عجز جوهري في حقوق المرأة في كل دولة تخضع لهذه الدراسة وينعكس ذلك العجز بصورة عملية في كل مؤسسة من مؤسسات المجتمع: القانون ونظام العدالة الجنائية والاقتصاد والتعليم والرعاية الصحية ووسائل الإعلام.

المنهج والتوجه
تعد هذه الدراسة بمثابة نتاج جهود بحثية استغرقت 20 شهرا وقام بها فريق يتألف من 40 محلل وخبير وسلسلة من المشاورات مع رواد حقوق الإنسان في الشرق الأوسط والمجموعات التي تهتم بقضايا المرأة والتي تم إجراؤها في ثلاث دول بمنطقة الشرق الأوسط. كما تعد هذه الدراسة بمثابة دراسة مقارنة من المنظور العالمي حيث تحصل كل دولة أو إقليم على درجة في كل من الفئات العريضة الخمسة لحقوق المرأة. وسوف يساعد التصنيف على تقييم المجال الذي ينبغي أن يتم الاهتمام به في كل دولة من أجل تحقيق المساواة للمرأة. وتتمثل الفئات الخمسة فيما يلي:

عدم التمييز وتحقيق العدالة.
استقلالية وأمن وحرية الفرد
الحقوق الاقتصادية وتكافؤ الفرص
الحقوق السياسية وصوت المواطن
الحقوق الاجتماعية والثقافية

عند تقييم أداء الدولة، استخدمت مؤسسة فريدم هاوس معيارا عالميا للمقارنة يعتمد بصورة جزئية على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتقيس الدراسة كل من الوضع القانوني والوضع الفعلي لحقوق المرأة في جميع المجالات الخاضعة للتقييم. ورغم تركيز الدراسة بصفة رئيسية على سياسة الحكومة، فإنها تتناول أيضا دور الأطراف من غير الدول في إعاقة حقوق المرأة أو تطويرها. وتستعرض الدراسة ظروف المرأة في جميع المجموعات الاجتماعية والنساء المقيمات بالمناطق الحضرية والريفية وكل من المواطنات وغير المواطنات. ورغم اقتصار الدراسة على المنطقة العربية داخل نطاق إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعتمد تقييم أي دولة على معيار عالمي. ومن ثم، يستطيع القراء التأكد من أداء أي دولة سواء داخل الإقليم أو على المستوى العالمي. ويتم التعبير عن ذلك التقييم من خلال نقاط من 1 إلى 5 حيث يشير رقم 1 إلى الأداء الأضعف ويعكس رقم 5 الأداء الأكثر قوة. وتغطي الدراسة التطورات حتى نهاية عام 2003 ويتم ذكر التطورات التي سبقت عام 2003 من حين لآخر للمساعدة في وضع حقوق المرأة في إطارها وسياقها الملائمين. وقد تم تناول التطورات الهامة في عام 2004 في حالات نادرة مثل إقرار قانون الأسرة الجديد في المغرب.

النتائج
حددت الدراسة سلسلة معقدة من العقبات التي تحول دون استمتاع المرأة بكامل حقوقها الاجتماعية والسياسية والمدنية والقانونية. وقد اهتم مؤلفو الدراسة اهتماما خاصا بالقضايا التالية:

المنزلة الأدنى نتيجة للتمييز القانوني
تتضمن دساتير معظم دول الشرق الأوسط فقرة تكفل المساواة بين جميع المواطنين. وقد تم إقرار الدساتير التي تنص على “المساواة بين جميع المواطنين وعدم التمييز بين المواطنين على أساس النوع” في الجزائر والبحرين والعراق وليبيا وعمان والسلطة الفلسطينية وقطر وسوريا وتونس. ورغم أن دساتير كل من مصر والأردن ولبنان والكويت والمغرب والإمارات العربية المتحدة واليمن لا تتضمن فقرة حول عدم التمييز بين الجنسين، إلا أنها تنص على أن “جميع المواطنين متساوون بموجب القانون.” ولا يتضمن الدستور في المملكة العربية السعودية وحدها فقرة أو نص يلزم الحكومة بتطبيق سياسة عدم التمييز.
رغم أن 16 من بين 17 دولة وإقليم خاضعة لهذه الدراسة تتبنى مفهوم المساواة في الحقوق ضمن دساتيرها أو في هيئة التشريعات الوطنية، تواجه المرأة في مختلف أنحاء الإقليم أنماطا قانونية من التمييز المنظم الذي يتخلل جميع جوانب الحياة. ولا تحصل المرأة في أي دولة من دول الإقليم على مكانة مساوية لمكانة الرجل بمقتضى قوانين المواطنة. وتخضع المرأة في معظم الدول – بموجب القانون – لعقوبات أشد قسوة من الرجل المتهم باقتراف نفس الجريمة وخاصة في حالات الجرائم الاخلاقية المزعومة.
ولا توفر القوانين أي حماية حقيقية للمرأة ضد العنف داخل الأسرة وتتعامل مع شهادة المرأة باعتبارها أدنى من شهادة الرجل في القضايا التي يتم بها إقامة دعوى الاغتصاب أو العنف المنزلي أمام السلطات القانونية. وتمنح قوانين الأسرة في العديد من الدول الزوج مكانة رب الأسرة وعائلها. ويخول ذلك للزوج مسئولية رعاية أسرته من الناحية المالية بل ويمنحه السلطة الاجتماعية وفي بعض الحالات السلطة القانونية على زوجته والحق في مطالبتها بطاعته. ولا تزال العديد من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقر مفهوم بيت الطاعة الذي يمكن بموجبه أن يتم الحكم على الزوجة بالحبس بالمنزل لرفضها طاعة زوجها. وغالبا ما يستغل مسؤولو الشرطة والمحاكم في العديد من الدول هذا القانون لرفض منح المرأة الحق في أن تشكو زوجها بسبب سوء معاملته له. وتخضع المرأة أيضا للمعاملة غير المتكافئة في قوانين العمل الخاصة بمعظم دول الإقليم ويمكن أن يتم حرمانها من حقها في التوظيف في مهن محددة والتمييز ضدها فيما يتعلق بمزايا العمل وقوانين المعاش.

التمييز في قوانين الجنسية والمواطنة
لا تتمتع المرأة بنفس حقوق المواطنة والجنسية التي يحظى بها الرجل في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويمكن أن يؤثر هذا النمط من عدم المساواة بصورة خطيرة على اختيار شريك الزواج. وبمقتضى قوانين المواطنة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يستطيع الرجل الزواج من امرأة أجنبية علما بأن زوجته يمكنها أن تحصل على حقوق المواطنة والجنسية التي يتمتع بها. وعلى النقيض من ذلك، لا تستطيع المرأة التي تتزوج من أجنبي أن تمنح زوجها حقوق المواطنة والجنسية. وبالإضافة إلى ذلك، لا تستطيع المرأة التي تتزوج من أجنبي أن تمنح حقوق المواطنة والجنسية الخاصة بها إلى أبنائها باستثناء المرأة التونسية والمصرية.

العنف المنزلي
تعد ممارسة العنف ضد المرأة داخل نطاق الأسرة بمثابة مشكلة خطيرة ومعقدة. ورغم انتشار ظاهرة ممارسة الرجل للعنف ضد المرأة في جميع أنحاء العالم، يعد الشرق الأوسط منطقة فريدة فيما يتعلق بمجموعة القوانين والممارسات والعادات التي تمثل عقبات كبرى أمام حماية المرأة أو معاقبة مقترفي العنف. وتزداد حدة المشكلة بمقتضى الهيكل القانوني الذي يلقي بعبء إيجاد الدليل بصورة كاملة على عاتق المرأة الضحية في حالات العنف الذي يعتمد على النوع، وهو الأمر الذي يحول دون قيام المرأة بالإبلاغ عن أعمال العنف التي تتعرض لها أو المطالبة بالتعويض القانوني.
وغالبا ما تضطر الضغوط الاجتماعية المرأة إلى الزواج من مغتصبها من أجل تجنب العار الاجتماعي الذي تجلبه عملية الاغتصاب. ويجدر الإشارة أيضا إلى أن الدول الخاضعة للدراسة تتسم بالافتقار إلى الشبكات التي تقدم الدعم أو المأوى إلى ضحايا تلك الانتهاكات.

الافتقار إلى المعلومات
توجد منظمات للدفاع عن حقوق المرأة في معظم دول المنطقة. وتحظى المنظمات النسائية في بعض الدول مثل المغرب بحرية الدفاع عن أي قضية بينما ينبغي أن تتوخى تلك المنظمات في دول أخرى الحذر عند الاعتراض على الوضع السياسي الراهن. وترتبط بعض المنظمات النسائية بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالحكومة أو القيادة السياسية بينما تحظى المنظمات الأخرى بالاستقلالية التامة.

منزلة المرأة الأدنى في قوانين الأسرة
يتم إصدار الأحكام في القضايا المتعلقة بالعلاقات بين أفراد الأسرة في مختلف أنحاء الإقليم بموجب أنظمة الشريعة التي تعتمد على القوانين الإسلامية. ورغم تنوع الأنظمة القانونية والتفسيرات المختلفة للشريعة داخل نطاق إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتم التعامل مع جميع الشئون القانونية المتعلقة بالزواج والطلاق والحضانة والمكانة القانونية للمرأة في معظم الدول بمقتضى ما يتم الإشارة إليه بصورة شائعة باعتباره قانون الأسرة أو قانون الأحوال الشخصية.

ومن الدول التي تحظى بقوانين الأسرة الأكثر تحررا هناك تونس التي لديها قانون أسرة متحرر نسبيا منذ عدة سنوات والمغرب التي فرضت قانون الأسرة الذي قام بالتوسع إلى حد كبير في حقوق المرأة عام 2004. وقد أجرت مصر أيضا تعديلات حديثة في قانون الأسرة تمنح المرأة حقوقا أكبر فيما يتعلق بالطلاق. ومع ذلك، فرغم اتخاذ خطوات للأمام، لا تزال المرأة تخضع لمعاملة أدنى منزلة من معاملة الرجل بموجب قوانين الأسرة الأكثر تحررا.

الافتقار إلى آليات الشكوى
باستثناء مصر، لا توفر حكومات الدول الخاضعة للدراسة آليات تساعد المرأة على رفع الدعوى والتقدم بالشكوى ضد التمييز بين الجنسين. ويتم حرمان المرأة التي يتم التمييز ضدها بموجب النظام القانوني من الترقيات أو المزايا الوظيفية أو يتم استبعادها من المشاركة في مؤسسات مثل السلطة القضائية ولا تحظى بإمكانية الوصول إلى القنوات التي يمكن من خلالها تقديم الشكاوى السرية أو طلب التعويض بمقتضى الدستور.

التعليم
يعد التعليم أحد المجالات الرئيسية التي تعكس مدى تقدم المرأة في المنطقة ويعتبر بمثابة عاملا هاما في تطورها نحو تحقيق المساواة. وقد حظيت المرأة في جميع دول منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات العشر الماضية بإمكانية التعليم ومحو الأمية والالتحاق بالجامعات وتنوع الموضوعات التي يمكن دراستها. وفي العديد من الدول، ترتفع معدلات التحاق المرأة بالجامعات عن معدلات التحاق الرجل بها. وتزداد أيضا إمكانية التحاق الطالبات بمدارس التدريب المهني وكليات الأنشطة التجارية.
وقد لوحظ حدوث تقدم كبير في دول الخليج حيث تلتحق المرأة الآن بمهن جديدة بأعداد كبيرة وتزداد أعداد النساء اللاتي يسافرن إلى الخارج للحصول على منح تعليمية من الحكومة.

تصنيف وترتيب الدول
رغم تصديق جميع الدول الخاضعة للدراسة في هذا التقرير على معاهدة القضاء على جميع أنماط التمييز ضد المرأة - وهي اتفاقية دولية رئيسية حول مساواة المرأة بالرجل - باستثناء دولتين هما عمان والمملكة العربية السعودية، لا يمكن أن تزعم أي من الدول التي خضعت للتقييم الوفاء بالمعايير المعترف بها دوليا لحقوق المرأة. ووفقا لمقياس التصنيف الخاص بالدراسة من 1 إلى 5، يعكس الحصول على 3 نقاط في أي فئة من الفئات نقص الالتزام بمعايير الحقوق المقبولة دوليا. وفي هذه الدراسة، نادرا ما تحصل دولة على 3 نقاط في أي من الفئات الخمسة الشاملة وتحصل بعض الدول على تقييم يصل إلى أدنى معدلاته حيث يبلغ نقطة واحدة. ويمثل معدل 3 نقاط الظروف التي يتم بموجبها تقييد قدرة المرأة على ممارسة حقوقها في بعض الأحيان من قبل الحكومة أو الأطراف غير الدولية، حيث تكون القوانين التي توفر الحماية الملائمة للمرأة سارية دون أن يتم تنفيذها بالصورة الملائمة وحيث تعاني المرأة من التمييز في بعض مجالات الحياة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
وتحصل دولتان باستمرار على أعلى النقاط في المنطقة هما تونس والمغرب. ومع ذلك، تحقق تونس معدل منخفض من النقاط في فئة الحقوق السياسية وصوت المواطن. وتحقق تونس في جميع الفئات الأخرى أعلى معدلات النقاط في المنطقة. وتحظى المملكة العربية السعودية بأقل معدلات النقاط في جميع الفئات. وتتراوح النقاط التي تحققها بين نقطة واحدة في فئة الحقوق السياسية وصوت المواطن و1.6 نقطة في فئة الحقوق الاجتماعية والثقافية.

التوصيات
تم تقديم التوصيات من خلال المشاركة بين مؤلفي التقارير وفريدم هاوس. وفيما يلي ملخص لبعض التوصيات الرئيسية الواردة في الدراسة:

ينبغي أن تتمتع المرأة بمنزلة مساوية لمنزلة الرجل بموجب القانون في جميع نواحي الحياة. ولا ينبغي أن تسمح الحكومات بالتمييز بين الجنسين باسم الإسلام.
ينبغي أن يتم مراجعة تفسيرات الشريعة الإسلامية التي تؤدي إلى حرمان المرأة من الحقوق المساوية لحقوق الرجل من أجل ضمان عدم التمييز ضد المرأة. وينبغي أن يتم تشجيع النساء على العمل كخبيرات في المحاكم وأن تمنح الحكومات الأولوية لتعيين المرأة كمحامية وقاضية في محاكم الأسرة.
ينبغي أن يتم النظر إلى العنف المنزلي باعتباره جريمة خطيرة في جميع حالاته. وينطبق ذلك على جميع أنماط العنف بما في ذلك التعذيب والاغتصاب واغتصاب الزوج لزوجته وضرب الزوجة وممارسة العنف ضد الزوجة باسم الشرف.
ينبغي أن تتم إزالة العقبات القانونية والتقليدية التي تحول دون مشاركة المرأة في السياسة والحكومة والقطاع الخاص. ولابد أن تتخذ الحكومات خطوات ملموسة لدعم ريادة المرأة في مجالات السياسة والعمل بما في ذلك الأنماط المتعددة للعمل الإيجابي وآليات الشكاوى لضحايا التمييز. وينبغي أن تمنح حكومات الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة جميع المواطنين الحق في التصويت.
ينبغي أن تزيد الحكومات من الإنفاق على التعليم وتكفل حصول المرأة في جميع ربوع الدولة على التعليم وتتولى إلغاء القوانين والممارسات التي تميز ضد المرأة في مجال التعليم. ويعد التعليم بمثابة أداة هامة دعم تقدم المرأة خلال السنوات الأخيرة.
ينبغي أن تتخذ الحكومات خطوات إيجابية للقضاء على العقبات القانونية والاجتماعية التي تحول دون تحقيق المساواة الاقتصادية للمرأة. وينبغي أن تكفل قوانين العمل بصفة خاصة عدم حرمان المرأة من إمكانية الحصول على الوظائف أو مزايا التوظيف على أي من المستويات بالمساواة مع الرجل.
ينبغي أن تتولى الحكومات إدخال الإصلاحات على مكانة العاملات المهاجرات. وينبغي أن تتخذ الخطوات لضمان عدم وقوع العاملات بالمنازل من المهاجرات ضحايا للاستغلال والتمييز.
ينبغي أن تراجع الحكومات جميع التشريعات وتعمل على القضاء على التقاليد الاجتماعية التي تتطلب من المرأة الحصول على موافقة الرجل من أجل تلقي العلاج الطبي لصحتها العامة أو الإنجابية

* الموضوع المنشور هو ملخص للدراسة الأصلية، أعدته هيئة تحرير سلسلة أوراق ديمقراطية.