مشاركة النساء في الحياة السياسية في البلدان العربية

هيئة التحرير *
أكد تقرير التنمية البشرية العربي لعام 2002 على ضرورة تمكين المرأة لتحقيق الحرية الإنسانية. وبتطبيق مقياس تمكين المرأة الذي وضعه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على المنطقة العربية، يتضح أنها تعاني من ضعف في هذا الصدد، فمن بين مختلف أقاليم العالم تأتي المنطقة العربية في المرتبة قبل الأخيرة تبعا لمقياس تمكين المرأة، ولا يليها سوى شبه الصحراء الأفريقية (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 2002:28).
وقد أظهر تقرير التنمية البشرية لعام 2003 أن الثلاث دول العربية التي شملها التحليل والذي جرى على 70 دولة، احتلت مراتب متدنية في هذا الخصوص، حيث جاءت الإمارات العربية المتحدة في المرتبة 65، وجاءت مصر في المرتبة 68، في حين احتلت اليمن المرتبة الـ70(برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 2003:316).
ومن ناحية أخرى فإن تقرير المكتب الإقليمي للدول العربية لصندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة والذي جاء بعنوان “تمهيد الطريق نحو تمكين المرأة” أوضح أن المرأة العربية تواكب الاتجاهات العالمية التي تشير إلى انخفاض معدلات مشاركة المرأة في الحياة العامة، ومواقع صنع القرار، ولكنها بالإضافة إلى ذلك متأخرة بصورة أكبر في تبوء المواقع البرلمانية والتنفيذية، فعلى سبيل المثال فإنه عندما يسند إلى المرأة العربية مناصب وزارية تكون عادة تلك المتعلقة بتفعيل دور المرأة ومسؤوليتها الاجتماعية، مثل وزارات شؤون المرأة والشؤون الاجتماعية، (أنظر الجدول رقم 1).

جدول رقم (1): نسب تمثيل المرأة في إدارة الدولة والمجتمع في المنطقة العربية.

 

 

 

 


 

 

 

اتجاهات إيجابية
ومن ناحية أخرى بصفة عامة فإنه على الرغم من أن هناك تقدما عالميا بصدد المشاركة الفاعلة للمرأة في العمل السياسي، إلا أن مشاركة المرأة العربية تتسم بدرجة أكبر من البطىء وعدم التنظيم”. (صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة 2002:4).
ومع بداية الألفية، فإنه يمكن رصد بعض الاتجاهات الايجابية بصدد تفعيل مشاركة المرأة العربية في الحياة السياسية.
ومن استقراء البيانات المختلفة يمكن ملاحظة ارتفاع نسبة البرلمانيات في ثمان دول عربية، وانخفاضها في دولتين وثباتها في خمس دول (أنظر الجدول رقم 2 ).

جدول رقم (2) نسبة تمثيل المرأة في البرلمانات العربية

 

 

 

 

 

 


المصدر: النسب مجمعة من الاتحاد البرلماني الدولي في عام 2003 والأسكوا في عام 1995.

فلقد أدى تطبيق نظام “الحصص” أو”الكوتا” في المغرب إلى زيادة نسبة البرلمانيات من 1% عام 1995 إلى 11% عام 2003، بحيث أصبح هناك 35 سيدة في البرلمان وواقع الحال أن هذا التصاعد في مشاركة المرأة المغربية في الحياة السياسية أخذ شكلا تدريجيا فقد بدأ في الخمسينيات وبلغ أوجه في السبعينات. وانطلاقا من كون تمكين المرأة له أبعاد سياسية وثقافية واقتصادية، فقد تبنت الحكومة المغربية عدة مبادرات تهدف إلى تدعيم دور المرأة وكفالة حقوقها المجتمعية. كما تم تطوير مفهوم رعاية الأسرة ليصبح مسؤولية مشتركة بين الزوجين، كما تم تعزيز حقوق المرأة الشخصية والقانونية، وكذلك صدرت قوانين مهمة لحماية حقوق الطفل، بالإضافة إلى المبادرات المتعلقة بدور الرجل في المجتمع والتي كانت في الماضي تمثل حساسية ثقافية.
ولقد ضاعف نظام الحصص كذلك نسبة مشاركة المرأة في البرلمان الأردني فارتفعت من 2.5% في عام 1995 إلى 5.5% عام 2003. وفي تونس ارتفعت نسبة التمثيل النسائي من 6.8 % في عام 1995 إلى 11.5% عام 2003. وقد انعكس هذا التطور في انتخاب 21 امرأة في البرلمان، كما هو موضوح في الجدول رقم (2) .
ولقد أحرزت المرأة الخليجية هي الأخرى بعض التقدم في هذا المجال، فقد فازت مرشحتان في سلطنة عمان بمقعدين في مجلس الشورى في إطار الانتخابات التنافسية التي أجريت في عام 2000، كما أن هناك أربع سيدات في مجلس السيادة العماني، وأربع عضوات في مجلس الشورى البحريني المعين.
وعلى الرغم مما يثيره نظام الحصص من جدل واسع، إلا أن تجارب المغرب، تونس، السودان والأردن تثبت أن هذا النظام يمثل بالفعل آلية جيدة لزيادة التمثيل النسائي في الكيانات التشريعية المختلفة. فقد أوضحت التجربة المغربية أن الأحزاب السياسية يمكنها طوعا تحقيق توافق في الآراء حول تبني فكرة نظام الحصص في قوائمها. وتشكل الأحزاب المغربية مثالا يحتذى به من قبل الأحزاب السياسية العربية الأخرى والتي تميل إلى استبعاد المرأة من قوائمها الانتخابية بحجة عدم قدرة المرأة العربية على الفوز لافتقارها للمهارات القيادية وبالتالي خسارة الحزب للمقاعد التي يسعى للفوز بها.

اتجاهات سلبية
لكن رغم تحقيق مشاركة المرأة العربية في الحياة السياسية خطوات إيجابية، كما رأينا، فإن عدد السيدات العربيات الفاعلات في العمل السياسي لا يزال غير متناسب مع وزن النساء السكاني في المجتمع.
الواقع أن هناك العديد من المعوقات في العالم العربي التي تمنع المرأة والرجل على السواء من تحقيق مشاركة سياسية كاملة وفاعلة مثل : التدخل الحكومي في العملية الانتخابية، والانتخابات غير العادلة، وغياب الشفافية. وتواجه المرأة بصفة تحديات إضافية منها :
- نقص الدعم اللازم لوصول المرأة لمواقع صنع القرار.
- الصورة السلبية لدى العديد من قيادات الأحزاب عن المرأة عموما وعن القدرات السياسية والتنظيمية والاتصالية للمرأة خصوصا.
- نقص معرفة المرأة لحقوقها ومسؤولياتها السياسية.
- الافتقار إلى أدوات التعريف الشخصية الرسمية “بطاقات الهوية الاجتماعية وبطاقات الانتخاب .. الخ” والتي تزيد من فرص مشاركة المرأة سياسيا.
وفيما يتعلق بعملية الانتخابات تحديدا تواجه المرأة المصاعب التالية:
الاستغلال السيء لأصوات النساء، ففي الجزائر، على سبيل المثال، يصوت الرجل بالنيابة عن زوجته دون أن تملك القدرة على الاعتراض. وفي صعيد مصر – والتي تحقق أعلى نسبة مشاركة في الانتخابات على المستوى الوطني – يتم نقل المرأة إلى صناديق الاقتراع ويضغط عليها للتصويت استنادا إلى الاعتبارات العائلية أو القبلية.
العنف أثناء الانتخابات، فلقد أصبح العنف سمة مميزة للانتخابات في كثير من البلدان العربية، حيث يمنع الناخبون بالقوة من الوصول إلى صناديق الاقتراع من قبل مؤيدي المرشح المنافس. كما تم تهديد مرشحين في الأردن، ومصر والجزائر واليمن بالقتل بل وتم بالفعل قتل بعضهم. وفي حالات كثيرة تنشأ مصادمات بين مؤيدي بعض المرشحين، أو مع قوات الأمن مما يؤدي إلى الكثير من الوفيات والإصابات. وفي مثل هذا المناخ يكون طبيعيا أن تحجم المرأة عن المشاركة في الانتخابات.
مضايقة المرشحات، فكثيرا ما يتم مضايقة المرشحة وتوجيه التهديدات المادية أو المعنوية لها أكثر من الرجل، كما أنه يصعب في كثير من الأحيان تمويل حملة انتخابات إحدى المرشحات، لافتقاد الثقة في قدراتها كامرأة وفي فرصها في النجاح عكس الرجل. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المرشحات والسياسيات كثيرا ما يضطررن للتعامل مع صورة متنوعة من المضايقات على مستويات شتى، فالنساء اللاتي يعملن في المجال السياسي عادة ما يكن عرضة للشائعات المغرضة والاتهامات المختلفة والفضائح التي تؤثر سلبيا على صورتهن العامة، وبالتالي على ضعف ثقة الناخبين في مرشحتهم.

الخلاصة:
في الوقت الذي تواجه فيه المرأة العربية مصاعب وتحديات جمة فيما يتعلق بقدرتها على المشاركة في العمل السياسي، وهي مصاعب لا تنفصل في كثير من الأحيان عن تلك التي يواجهها الرجل، فإنه توجد أيضا فرص وإمكانيات أمام المرأة، تتمثل في تزايد الوعي المجتعي بأهمية دورها وحضورها السياسي، بالإضافة إلى التوجه الواضح للعديد من الحكومات العربية نحو إشراك النساء في الانتخابات وفي المجالس التشريعية.
غير أنه من أجل تعظيم مشاركة المرأة سواء في العملية الانتخابية أوالعملية السياسية عموما، فإنه يجب القيام بمجموعة من الإصلاحات، أهمها إصلاح النظم الانتخابية، واتخاذ تدابير التمييز الإيجابي لصالح المرأة وتطبيق آليات محددة لدعم القيادات النسائية، وبناء قدرات ومهارات هذه القيادات، وتعزيز دور الإعلام في رسم صورة إيجابية للمرأة ومشاركتها في العمل السياسي وفي مواقع صنع القرار في مختلف القطاعات.

* جرى إعداد هذه المادة بالاستناد إلى تقرير “تقدم المرأة العربية لعام 2004”، والصادر عن صندوق النساء الإنمائي التابع للأمم المتحدة