دورود داليروب
أستاذ العلوم السياسية في جامعة ستوكهولم بالسويد.
يزداد عدد البلدان التي بدأت بتطبيق مختلف أنواع أنظمة الحصص (أو الكوتا) على
اساس جنس المرشحين للوظائف العامة رجالاً أم نساءً. وقد وصل الأمر إلى حد أن بدأ
الناس في جنوب شرق آسيا بالحديث عن “حمى الحصص”.
تبلغ نسبة النساء اليوم في عضوية المجالس النيابية 15% حول العالم. وتحتل النساء
في برلمان السويد المرتبة الأولى بنسبة 45.3 % من المقاعد، بينما تخلو بعض مجالس
النواب من النساء تماماً مثل ماهي عليه الحال في البحرين. وبالنظر إلى بطء سرعة
نمو مشاركة المرأة في العمل السياسي، تتزايد الدعوات لتطبيق طرق أكثر فعالية لتحقيق
توازن بين عدد الرجال والنساء في المؤسسات السياسية. ويمثل نظام الحصص أحد هذه
الطرق. بالنسبة للنساء يمثل تبني نظام الحصص قفزة نوعية نحو سياسة محددة الأهداف
والوسائل تخدم قضية النساء وتمثيلهن السياسي. وبسبب النجاح النسبي لهذا النظام،
فإن الأمل كبير جداً في إحداث زيادة كبيرة في عدد النساء في المؤسسات السياسية.
وبرغم ايجابياته، يطرح نظام الحصص تساؤلات كبيرة، وفي بعض الحالات، يُواجه بمقاومة
شديدة. ما هو نظام الحصص ، وكيف يمكن أن يؤدي هذا النظام إلى المساهمة في تعزيز
صلاحيات ونفوذ النساء؟
ماهو نظام الحصص؟
إن الفكرة الأساسية في نظام الحصص هي تخصيص عدد محدد من المقاعد البرلمانية او
المناصب السياسية كي تشغلها النساء بغية ضمان أن لا تكون مشاركتهن في الحياة
السياسية رمزية ومحدودة.
نظام الحصص الإنتخابية للنساء قد يكون دستورياً، أوتشريعياً أو يأخذ شكل حصة معينة
في حزب سياسي. يمكن ان ان يُطبق هذا النظام بأساليب مختلفة مثل الزام الاحزاب
بوضع عدد معين من المرشحات في قوائمها الانتخابية او من خلال تحديد عدد معين من
المقاعد في البرلمان محجوزة للنساء فقط. وفي بعض البلدان يطبق نظام الحصص على
الأقليات حسب الفوارق المناطقية، والعشائرية الثقافية (الإثنية)، واللغوية أو
الدينية. وتطبق جميع الأنظمة السياسية تقريباً نوعاً من نظام الحصص على أساس جغرافي
لتضمن حداً أدنى من التمثيل للمناطق الكثيفة في عدد السكان أو للجزر وماشابه ذلك.
يعني نظام الحصص النسائية أنه يجب ان تشكل النساء عدداً معيناً أو نسبة معينة
من أعضاء هيئة معينة سواءٌ كان ذلك من خلال قائمة مرشحين أو تجمع برلماني أو لجنة
أو حكومة. ويضع نظام الحصص المسؤولية في ادخال النساء في العملية السياسية ومشاركتهن
الفعالة فيها على عاتق الحكومة وليس على عاتق النساء فقط. والفكرة الرئيسية وراء
هذا النظام هو وضع النساء في مناصب سياسية والتأكد من أنهن لسن معزولات عن الحياة
السياسية. أما الأفكار القديمة عن تخصيص كراسي محجوزة لإمرأة واحدة أو عدد قليل
جداً من النساء، لتمثيل بقية النساء فقد ثبت فشلها. أما اليوم، فان أنظمة الحصص
تهدف إلى ضمان أن النساء يشكلن على الأقل “أقلية مؤثرة” تبلغ 20، 30، أو 40 في
المائة، أو حتى ضمان توازن حقيقي بين الجنسين بنسبة 50-50 في المائة. وفي بعض
البلدان يُطبق نظام الحصص كترتيب مؤقت حتى تزول الموانع أمام دخول المرأة مجال
السياسة ولكن أغلب البلدان ذات الحصص لم تقيد استخدامها مع مرور الوقت.
وتهدف أغلب انظمة الحصص هذه إلى زيادة مشاركة المرأة، حيث أن المشكلة المطلوب
حلها هي التمثيل المتدني للمرأة – وهذا أمر ذو علاقة حيث أن النساء يشكلن نسبة
50 % من السكان في بلد ما. وقد يقضي تشريع ما بإقامة نظام إنتخابي قائم على نظام
الحصص، مثلاً، بأن تكون نسبة المرشحين من النساء في القوائم الإنتخابية على الأقل
40 % . وحيث أن النساء في العادة هن الاقل تمثيلاً في المؤسسات السياسية في كل
مكان، فإن أغلب التشريعات والنظم تهدف اكثر مما كان عليه الامر في السابق إلى
ضمان حد أدنى من المقاعد للنساء.
أما بعض أنظمة الحصص الأخرى فتكون محايدة تجاه الجنس فلا تخصص ذكر النساء او الرجال
بل تهدف إلى تصحيح التمثيل المتدني لأي الجنسين فتضع حداً أعلى لكلا الجنسين.
في هذه الحالة، تكون الشروط أن لا يشغل أي من الجنسين أكثر من 60% وليس أقل من
40% من المقاعد.
أما نسبة 50-50 فهي بطبيعتها محايدة تجاه الجنس وتضع في نفس الوقت حداً أقصى لنسبة
تمثيل المرأة والتي لا تحددها المتطلبات الدنيا عادة. ويستخدم مفهوم “نظام الحصص
المزدوج” للتعبير عن النظام الذي لا يتطلب فقط نسبة معينة من النساء في القائمة
الإنتخابية بل يمنع وضع النساء في أسفل القائمة بحيث يكون حظهن في النجاح ضئيلاً.
وتعتبر الأرجنتين وبلجيكا من ضمن أمثلة البلدان التي تضع قوانين تفرض نظام الحصص
المزدوج.
أنظمة مختلفة للحصص
هناك عدد من النماذج المختلفة لأنظمة الحصص. وأكثرها شيوعاً هي التالية:
* نظام الحصص الدستوري للبرلمان الوطني: وهذه تشريعات بتخصيص حصص يفرضها دستور
البلد. ومن ضمن الأمثلة بوركينا فاسو، نيبال، الفلبين وأوغندا.
* نظام حصص قانون الإنتخابات أو التنظيم الخاص للبرلمان الوطني: وهذه حصص مضمونة
بحسب التشريع الوطني أوتنظيمات البلد. والحصص التشريعية تستخدم على نطاق واسع
في أمريكا اللاتينية وأيضاً على سبيل المثال في بلجيكا وصربيا وبوسنيا والهرسك
والسودان.
* حصص الحزب السياسي للمرشحين للإنتخابات: وهذه قواعد أو أهداف تضعها الأحزاب
السياسية لإدخال نسبة معينة من النساء كمرشحات في الإنتخابات. كما يمكن أن تكون
هناك نسبة حصص للهيئات الداخلية للحزب. وفي بعض البلدان هناك العديد من الأحزاب
السياسية التي اختارت نوعاً من أنظمة الحصص كما في الأرجنتين وبوليفيا والإكوادور
وألمانيا والنرويج وإيطاليا والسويد. ولكن في العديد من البلدان الأخرى إختار
عدد قليل جداً من الاحزاب نظام الحصص. وفي حالة اختيار حزب الأغلبية في بلد ما
لنظام الحصص، مثل حزب المؤتمرالوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، يكون عادةً لذلك
تأثير كبير على مُجمل التمثيل السياسي للمرأة. ولكن نجد أن أغلب الأحزاب السياسية
في العالم لا تطبق أي نظام حصص على الإطلاق.
وبالإضافة لهذا التقسيم الثلاثي نستطيع إضافة نموذج آخر لنظام الحصص:
* نظام الحصص التشريعي أو الدستوري للحكومة في المستويات دون المستوى القومي.
وهذه حصص ينص عليها الدستور أو التشريعات القومية وتضع أهدافاً محددة للوفاء بنسبة
معينة من المرشحات على المستوى ما دون القومي (بما في ذلك المستويات المحلية ومستويات
الولايات والمقاطعات والمناطق الكبرى). ومن الأمثلة على ذلك الهند وباكستان و
بنغلادش وفرنسا وجنوب أفريقيا.
وتعمل أنظمة الحصص بأشكال مختلفة تبعاً لإختلاف الأنظمة الإنتخابية. ويتم إدخال
نظام الحصص بسهولة أكثر في أنظمة التمثيل النسبي كما تم تطبيقه أيضا في بعض أنظمة
الأكثرية. (المزيد من المعلومات عن هذين النظامين الانتخابيين في الموضوعات القادمة
من هذا الكتاب). ولكن تبقى هناك صعوبة في تطبيق نظام الحصص حتى في أنظمة التمثيل
النسبي حيث تجد بعض الاحزاب السياسية في أوساط بعض مؤيديها معارضةً لهذا النظام
على اساس انه يمثل تدَخلاً في تخصصات منظمة الحزب المحلية وحقها في اختيار مرشحيها.
نظام الحصص: المزايا والسلبيات
يُعد تطبيق نظام الحصص مسألة خلافية فهناك العديد من الأراء التي تدعم نظام الحصص
كما أن هناك آراءً تقف ضده كوسيلة لزيادة الحضور السياسي للمرأة.
فهومان للمساواة
بصورة عامة، يمثل نظام الحصص تحولاً من مفهوم معين للمساواة إلى مفهوم آخر. انه
تحول من المفهوم الليبرالي التقليدي للمساواة الذي يقوم على اساس “مبدأ تساوي
الفرص” أو “ المساواة التنافسية”. وطبقاً لهذا المفهوم يُعتبركافياً إزالة العوائق
والحواجز الرسمية، مثل إعطاء المرأة حق التصويت. اما ما تبقى فيقع ضمن مسؤولية
المرأة بمفردها وليس الدولة.
لكن مفهوماً آخر للمساواة بدأ يلقى قبولاً ودعماً متواصلين بعد ضغوط قوية من الحركات
النسوية خلال العقدين الأخيرين؛ وهو مفهوم “تساوي النتائج”. والفكرة هي أن التساوي
الحقيقي في الفرص لا يوجد تلقائياً عند إزالة العوائق الرسمية فقط. فهناك التمييز
المباشر وأنماط معقدة من العوائق الخفية تمنع المرأة من الحصول على نصيبها في
التأثير السياسي. فنظام الحصص وأشكال أخرى من الإجراءات الإيجابية هي إذن وسائل
لتحقيق المساواة في النتائج. والفكرة قائمة على أساس ان التجربة اظهرت انه لا
يمكن تحقيق هدف المساواة الا من خلال إجراءات رسمية تضمن الوصول الى هذا الهدف.
فإذا وجدت العوائق فإنه يجب اتخاذ تدابير تعويضية للوصول إلى تساوي النتائج. ومن
وجهة النظر هذه فإن نظام الحصص ليس تمييزا ً(ضد الرجل)، ولكن تعويضاً للعوائق
والحواجز الحقيقية التي تواجهها المرأة في العملية الإنتخابية.
هل ينجح نظام الحصص في تحقيق أهدافه؟
هناك حاجة لمزيد من الأبحاث حول تطبيق نظام الحصص. وحتى لو تبدو التعديلات الدستورية
والقوانين الإنتخابية الجديدة أبلغ تأثيراً، فإنه ليس من الواضح أن هذه الطرق
أكثر فعالية عند التطبيق من نظام الحصص الذي يطبقه الحزب السياسي. فكل شيء يعتمد
على القواعد الفعلية والعقوبات المترتبة على عدم التجاوب مع هذه القواعد. كما
يجب التمييز بين أنظمة الحصص لـِـ :
(1) مجموعة المرشحين المحتملين.
(2) المرشحين الذين قُدمت أسماؤهم.
(3) المرشحين الذين تم انتخابهم.
وهناك أمثلة لمتطلبات أنظمة الحصص والتي تنطبق على هذه المستويات الثلاثة، ولكن
أغلب أنظمة الحصص تتعلق بالمستوى الثاني. وهناك سؤال حاسم في هذا الصدد: فأينما
كان هناك تحديد لنظام الحصص (40% على سبيل المثال)، هل توضع أسماء النساء في القائمة
أو في مناطق لهن فيها فرصة حقيقية للفوز في الانتخابات.
وكمثال للمستوى الأول والتي تعرﱢف وتحدﱢد المجموعة التي تختار منها لجنة الإختيارالمرشحين،
نورد تجربة حزب العمل في المملكة المتحدة الذي عَمِل بما يُعرف بـ “قوائم قصيرة
للنساء فقط” والتي كانت غير ناجحة إلى حد ما.
أما “المقاعد المحجوزة للنساء” فهو نظام حصص آخر يحجز فيه عدد معين من المقاعد
للنساء، مثل ما هو حاصل في يوغندا حيث يحجز عدد من المقاعد للنساء في مجالس المناطق.
علينا أن ندرس نتائج إدخال أنظمة الحصص من الناحيتين الكمية والكيفية. لا توفر
الإحصائيات الإنتخابية الرسمية في العديد من البلدان معلومات عن المرشحين الذين
رُشحوا حسب جنسهم، ما يعني انه يجب الحصول على هذه المعلومات من خلال قنوات أخرى
بما في ذلك الأحزاب السياسية. كما ينبغي دراسة تأثير نظام الحصص من الناحية الكيفية
وذلك بالنظر إلى النتائج المقصودة وغير المقصودة (مثلاً تشويه السمعة والنظرة
السيئة، وجود سقف يمنع النساء من زيادة عددهن في العمل السياسي أكثر من الحصة
المحددة، أو ظهور التجمعات المتناحرة والإنشقاقات بين المجموعات المختلفة من النساء).
يتأثر استخدام أنظمة الحصص بالتوصيات الدولية وبتجارب الدول القريبة. ولكن لا
يوجد مفهوم دولي موحد لنظام الحصص لأنه يلقى تجاوباً متفاوتاً طِبقاً للظروف المختلفة
في كل بلد. والحصص بحد ذاتها لا تزيل كل العوائق الأخرى التي تقف ضد المواطَنة
الكاملة للمرأة. ويبدوا مهماً أن هذه الحصص ليست مفروضة من طبقة فوقية، ولكن يجب
أن تستند على تعبئة نسوية على مستوى القاعدة وعلى المشاركة النشِطة للمنظمات النسوية.
كما أن هناك حاجة لمزيد من الأبحاث فيما يتعلق بتأثير نظام الحصص في الأنظمة السياسية
المختلفة. لكن “حمى نظام الحصص” قد أصابت العالم – فالنساء قد طال انتظارهن كثيراً.