مساهمة المرأة في الميدان الاقتصادي في الدول العربية

هيئة التحرير*
هناك جدل مثار منذ عهد بعيد حول قضايا النوع الاجتماعي في الوطن العربي. فقد تم التأكيد على قضايا حقوق المرأة في الخمسينيات والسبعينيات – خلال فترات التحرر من الاستعمار وبناء الأمم، عندما شرعت الحكومات في اتخاذ إجراءات قوية لرفع مستوى الصحة والتعليم والتشغيل لجميع المواطنين. كما تم تشجيع النساء من كل الشرائح الاجتماعية على المشاركة في الاقتصاد إلا أنه لم يكن هناك إجماع للحصول على دعم أكبر لهذا الأمر من قبل السكان. وعادة ما ينظر إلى قضايا النوع الاجتماعي في بعض الدول العربية على أنها مؤشرات للحداثة والتغريب. وكثيرا ما كانت تقاوم من جذورها من قبل المعارضين لعملية الإصلاح.
مع ذلك فإن الحاجة إلى مشاركة المرأة في الاقتصاد، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم قد ازدادت مع استقرار النمو الاقتصادي في المنطقة والذي استمر حتى منتصف السبعينات، إلا أنه أثناء انتعاش أسعار النفط في أواخر السبعينات، ارتفعت الأجور الحقيقية بشدة مما أتاح لعدد من العاملين (عادة الرجال) في الدول النفطية إعالة عدد كبير من غير العاملين. فقد كان دخل الفرد الواحد في العائلة كافيا. وقد أعاق هذا عملية تحسين بروز النساء وحصولهن على نصيب من الاقتصاد الرسمي.
يتخلل عدم المساواة بين الجنسين في كل نواحي الحياة بصفة عامة في البلدان العربية. وعلى الرغم من بذل جهود مهمة لمواجهة هذه الظاهرة، لا تتمتع النساء بحقوق متساوية مع الرجال فيما يتعلق بالنواحي القانونية، والاجتماعية والاقتصادية. وفي حين تتحمل النساء نتائج تكلفة عدم المساواة، تعاني المجتمعات – ككل – من الآثار السلبية لعدم المساواة.

مشاركة منخفضة
ما زالت النساء في البلدان العربية يقبعن وراء الرجال في مجال الاقتصاد. ففي عام 2003، شكلت النساء 49 % من إجمالي سكان الدول العربية، ولكنهن مثلن فقط 28% من القوى العاملة (قاعدة بيانات منظمة العمل الدولية : 2003). ويمكن إرجاع المشاركة المنخفضة للمرأة في النشاط الاقتصادي إلى عوامل العرض والطلب معا. فمن ناحية الطلب نجد أن العوامل الاقتصادية عموما قد أثرت على طلب الأيدي العاملة بشكل عام والمرأة بشكل خاص. وهناك عاملان لهما آثار عكسية على طلب الأيدي العاملة الأنثوية.
أولا، ضعف الأداء الاقتصادي للدول العربية نتيجة لتردي الأوضاع في المنطقة، وتدهور الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة مما أثر عكسيا على سوق العمل. فالزيادة المعروضة من الأيدي العاملة لم تقابلها زيادة مماثلة في الطلب، ويتضح ذلك أكثر في حالة المرأة حيث يفضل تعيين الرجال.
ثانيا، أدت برامج الإصلاح في الدول العربية – والتي تعد الخصخصة جزءا مكملا لها – إلى انكماش القطاع العام، الموظف الرئيسي للمرأة، في حين لم يتدخل القطاع الخاص لتعيين النساء، فمن استطاعات الحصول على وظيفة في القطاع الخاص فبأجر أقل بينما أجبر الباقي على العمل في القطاع غير الرسمي.
وبالإضافة إلى العوامل الاقتصادية المؤدية إلى انخفاض مشاركة المرأة في سوق العمل في البلدان العربية، هناك أيضا عوامل اجتماعية. فوفقا للمجتمع تعتبر مساهمة المرأة كأم وربة منزل أكثر أهمية للأسرة، بينما تقع مسؤولية إعالة وحماية الزوجة والأسرة على عاتق الرجل، ويعتبر الرجل رب الأسرة حتى في الحالات التي تشارك المرأة فيها بالنصيب الأكبر من الدخل، ومن ثم فإن مشاركة المرأة في الأسرة تلقى اعتبارا محدودا، وعادة ما ينظر إليها على أنها تابعة للرجل قانونيا وماديا واجتماعيا.

ظروف متباينة
هناك تباين كبير بين الدول العربية فيما يخص وضع المرأة والمعوقات التي تواجهها. فهذه المشاكل تختلف من دولة لأخرى، وكذلك من الريف للحضر ويمكن تقسيم الدول العربية إلى ثلاث مجموعات وفقا لما وهبها الله من موارد طبيعية وقوى عاملة، إلى دول ذات فائض عمالة وغنية بالموارد الطبيعية، ودول ذات فائض عمالة وفقيرة في الموارد الطبيعية ودول مستوردة للعمالة وغنية في الموارد الطبيعية.
وبالنسبة لمشاركة المرأة في القوة العاملة فإن نسبتها تكون أعلى في الدول ذات الفائض في العمالة والموارد المحدودة نسبيا مثل مصر ولبنان والمغرب وتونس، مقابل الدول ذات الفائض في العمالة والغنية بالموارد الطبيعية مثل الجزائر والعراق وسوريا واليمن. وهناك تفسيران لذلك، الأول: أن الاقتصادات التي وهبها الله موارد طبيعية لديها مستويات أعلى من الدخول غير المكتسبة ومن ثم تقل الحاجة للدخل المكتسب، وبالتالي يقل المعروص من العمالة النسائية. والثاني: أن الارتفاع النسبي في المداخيل في هذه الدول يسمح بالاستثمار في تعليم الفتيات وإيجاد جيل جديد من النساء الشابات ذوات معدلات مشاركة محتملة مرتفعة وأعلى من المعدلات الفعلية.
في أواخر السبعينيات ارتفع مستوى المعيشة في العديد من الدول العربية وخاصة المصدرة للنفط حيث كان يكفي عائل واحد للأسرة. وكانت معظم عمليات التنمية في الدول العربية بقيادة القطاع العام الذي يسود معظمه الرجال. في نفس الوقت أتيحت للمرأة فرص محدودة لدخول سوق العمل في القطاع الخاص. بينما ركزت دول أخرى مثل المغرب وتونس على تنمية الصناعات ذات الكثافة العمالية العالية والتي تتجه نحو التصدير مثل قطاع النسيج حيث يكون للمرأة الحصة الأكبر من القوى العاملة.
تنخفض نسب مشاركة المراة في القوى العاملة في الدول الغنية بالنفط عن باقي الدول العربية نتيجة للتقاليد والشعور الاجتماعي السائد فيما يتعلق بدور المرأة. وتتجه معظم النساء في هذه البلدان للعمل في قطاع الخدمات والقطاع العام حيث يتوفر الضمان الاجتماعي.
وتتضمن الكويت وقطر أعلى المعدلات فيما يتعلق بمشاركة النساء في القطاع العام. أما في الدول الأخرى، التي هي زراعية في معظمها، وبالتحديد في سوريا واليمن، تمثل النساء النسبة الأكبر من العمالة الزراعية مقارن بالرجال (الأسكوا 2001:18) وتجدر الإشارة إلى أن برامج الإصلاح الهيكلي قد أنقصت من أهمية القطاع الزراعي ورفعت من أهمية قطاعي الصناعة والخدمات.
وتتسم المجتمعات العربية في العادة بوجود مؤسسات وتقاليد تحد من وصول المرأة إلى الأصول الإنتاجية والمدخلات والموارد ورأس المال البشري مثل خدمات التمويل والأرض وفرص العمل الممتازة في القطاع الخاص والتوظف في القطاع الرسمي.
وكثيرا ما تواجه المرأة مشاكل فيما يتعلق بحجج ملكية الأراضي حتى وإن كانت هي المستخدمة الأصلية، ومن ثم فليس في مقدورها أبدا استخدام الأرض كضمان للقرض. على أنه تجدر الإشارة إلى أن هناك إجراءات رسمية اتخذتها عدة بلدان عربية لحماية حقوق النساء في هذا المجال، ففي كل من مصر والأردن ولبنان والأراضي الفلسطينية والإمارات المتحدة وسوريا واليمن، على سبيل المثال، تحظى النساء بحقوق متساوية مع الرجال فيما يتعلق بالعمل والملكية.

انتشار الفقر بين النساء العربيات
يمثل الفقر والجوع جوهر غياب الأمن الاقتصادي ، ولا يمكن تحقيق الأمن الاقتصادي طالما لا يتم مواجهة قضايا الفقروالجوع وعدم المساواة. ويجب ألا يقتصر مفهوم عدم الأمن الاقتصادي، كما جاء في تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1997، على البعد المتعلق بالدخل، بل يمتد التعريف ليشمل إنكار الحق في الاختيار والحصول على الفرص التي تسمح بحياة كريمة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 1997:2) ووفقا لتقرير عام 2003 الذي أصدرته لجنة الأمن الإنساني، فإن المقاربة المبنية على الأمن الإنساني تعد عاملا مكملا لقضية التنمية البشرية، حيث تولي هذه المقاربة أهمية أساسية للمخاطر، وغياب الأمن اللذان يهددان بقاء وأمان وكرامة الرجال والنساء.
يبلغ عدد الذين يعيشون في الفقر حاليا في العالم أكثر من مليار شخص، حيث يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا، بينما يعيش 2.5 مليار شخص على أقل من دولارين يوميا. (الجدول رقم 2).
وحسب تقديرات البنك الدولي، هناك حوالي ستة ملايين شخص يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا في الدول العربية، و68 مليون يعيشون على أقل من دولارين يوميا، وفي عام 2000 بلغت نسبة الفقر في الدول العربية 2.8% من إجمالي عدد السكان الذين يعيشون على دولار واحد يوميا.
من بين الدول العربية، تحتوي موريتانيا على أكبر نسبة من السكان تقع تحت خط الفقر، تليها اليمن والمغرب وذلك وفقا للتعدادات القومية الأخيرة للفقر في الدول العربية والتعريف الدولي لخط الفقر. وقد واجهت الجزائر ارتفاعا بحوالي 85 % في نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر خلال الفترة من 1988 وحتى عام 1995. وفي وضع مشابه، أظهرت المغرب زيادة قدرها 45% من 1991 وحتى عام 1999. بينما أظهرت كل من الأردن وتونس انخفاضا في نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر بنسبة 22% و 29% على التوالي.
ومع ذلك، فمن الجدير ملاحظة أن هذه المقارنات يجب التعامل معها بحذر حيث أن البيانات المعروضة لكل دولة على امتداد سنوات مختلفة (البنك الدولي 2002-15) يتأكد الفقر بشكل كبير في المناطق الريفية. حيث تبلغ نسبة الفقر في الريف إلى الحضر في الأردن 1.8% بينما تصل هذه النسبة في تونس إلى 3.8% (البنك الدولي 2003-1).
يشير الواقع إلى أن النساء معرضات بشدة إلى خطر الإفقار. وعلى الرغم من توافر البيانات حول الفروق المتعلقة بالفقر بين الإناث والذكور في أغلبية الأقطار من خلال المسوح الأسرية، لا يتم تصنيف هذه البيانات أو تحليلها. وهناك عوامل متعددة تزيد من خطر تعرض النساء للإفقار، فهناك المسؤوليات الأسرية غير المدفوعة الأجر التي تتحملها النساء، والتي يتم التقليل من قيمتها، وهي تحد من الوقت المتاح أمامهن للدخول في أنشطة مدرّة للدخل.
كما تتقلص فرص النساء للتوظيف بسبب الأعراف والعقبات الاجتماعية، ونقص الموارد والفرص للحصول على التعليم والتدريب. كما تواجه النساء عدم المساواة في فرص الحصول الموارد الأسرية، على الرغم من انشغالهن طوال الوقت بالأعباء المنزلية، وهن يفتقدن – بالإضافة إلى ذلك القدرة على المشاركة المتساوية في اتخاذ القرارات سواء في المجال الخاص أو العام، ويواجهن انتهاكات خطيرة لحقوقهن الإنسانية، مثل التحرش الجنسي والتمييز في مكان العمل، والانتهاك داخل منازلهن.