تعمل صوفيا خاتون، وهي صانعة أثاث تبلغ الثانية والعشرين من العمر سبعة أيام
في الأسبوع في جوبرا وهي قرية صغيرة في بنجلاديش، لكنها تبدو في ضِعف عُمرها،
كما أنها تعيش في فقر مدقع.
وتصنع صوفيا مساند وكراسي للجلوس من قصب البامبو، تبيعها لمانح القرض الذي زودها
بالإعتماد اللازم لشراء المواد الأولية. لكن الثمن الذي تتقاضاه عن هذه الكراسي
بالكاد يغطي التكاليف التي تدفعها.
وطبقاً للحسابات التي أجراها الدكتور يونس، أستاذ الإقتصاد البنغلاديشي، والذي
أسس فيما بعد مصرف جرامين؛ فإن صوفيا تدفع فعلياً نسبة فائدة بمعدل 10% يومياً،
وهذا يعني أكثر من 3000% سنوياً. لم يستطع يونس أن يفهم هذا التناقض الصارخ بين
حقيقة أن امرأة بهذه المهارات وتعمل بكد واجتهاد، وتنتج أثاثا جميلاً َمن البامبو
وتنتج ثروة بهذا المعدل العالي، وفي نفس الوقت تحصل على نصيب ضئيل من الدخل.
والواقع أن هذا الاستغلال هو ما يواجهه الفقراء في جميع أنحاء العالم. فهم يعملون
بأقصى درجات الاجتهاد وينتجون ثروة هائلة، إلا أن الوسطاء ومانحي القروض وأرباب
العمل هم الذين يجنون ثمار كدهم وجهدهم.
فالفقراء لا يستطيعون الحصول على قروض من تلك التي تمنحها البنوك عادة، لأنهم
لا يستطيعون تقديم الضمانات اللازمة من خلال رهن ملكيتهم الخاصة. وهكذا فالنظام
القائم يُبقي عليهم تحت أغلال الدﱠين ، والفقر والإستغلال.
ومن خلال قرض يبلغ 50 تاكا بنغلاديشية (أي بضعة دولارات)، أخذ الأمر من صوفيا
بضعة أشهر فقط لكي تنشيء عملها الخاص، وتزيد دخلها سبعة أضعاف وتسدد القرض الذي
عليها.
لماذا النساء؟
إن مصرف جرامين، وبخلاف النظام البنكي البنجلاديشي، الذي يتعامل مع النساء كمقترضات
من الدرجة الثانية؛ قرر أن تكون نسبة المقترضين لديه مناصفة بين النساء والرجال.
وقد اكتشف المصرف فيما بعد أن النساء يلعبن الدور الأبرز في مجال التغييرالاجتماعي
والاقتصادي.
فقد وُجد أنه عندما يأتي دخل إضافي للأسرة عن طريق المرأة، فإن تغذية الأطفال،
وصحة الأسرة وغذائها وإصلاح البيت تكون لها الأولوية القصوى.
ووجد أن الرجال يميلون إلى إنفاق جزء من دخلهم على أمور استهلاكية تشبع رغباتهم.
كما وُجد أيضاً أن النساء أفضل بكثيرمن الرجال في التعامل مع القروض المالية وهن
أقدر على إدارة الموارد الشحيحة من الرجال.
ورغم ذلك، يبقى أبرز سبب لمنح الأولوية في التعامل للنساء كزبائن، أن هذا هو الغرض
الذي من أجله أنشئ مصرف جرامين: إقراض الفقراء أولاً. والنساء يمثلن أكثر المجموعات
الإجتماعية تهميشاً بين أفقر الفقراء.
وفي المجتمعات الفقيرة مثل بنجلاديش، حيث قوانين الأسرة لا تجد التطبيق الكافي،
وحيث التقاليد تعلو على القوانين، من الشائع أن يهجر الرجال نساءهم وأطفالهم،
غير عابئين بما سيواجهونه من فقر وفاقة. ولذلك فإن رفع شأن المرأة وتوسيع صلاحياتها
ومساعدتها للاعتماد على نفسها قد ترك أثراً طيباً في استقرار الأسرة وتماسكه.
ما وراء بنغلاديش
إن بنغلاديش هي البلد الذي طور فيه مصرف جرامين وجرﱠب وحسـن نموذجه في التنمية
الاجتماعية والسياسية. ويتجه التفكير الآن إلى تعميم هذه التجربة، مع تعديلها
بشكل مناسب، في جميع أنحاء العالم وفي كل بلد يوجد فيه فقراء. وفي الوقت الحالي
هناك 168 تطبيقاً مشابهاً نفذها مصرف جرامين في 44 دولة.
وفي كل أسبوع نجد مشروعاً جديدا مشابهاًً ينفذه مصرف جرامين في مكان ما من العالم.
وبهذا المعدل فإنه سيتم إقامة 300 مشروع مشابه في جميع أنحاء العالم بحلول القرن
الجديد. وتقضي الخطة بأن تعطى قروض لنصف مليار من أفقر الناس (100 مليون أسرة
فقيرة) مع حلول عام 2005 ؛ ولكل فقراء العالم مع حلول عام 2025.
تأثير مصرف جرامين على المجتمع المحلي
*الإدخار: يشجع البنك المقترضين على توفير 5% من القرض، بالإضافة إلى تاكا واحدة
(3 سنت) كل أسبوع. وقد نمت مدخرات التوفير للمقترضين، والتي يستخدمها البنك
لقياس مدى تأثيره في القضاء على الفقر، من لاشيء عام 1983 إلى مبلغ 108 مليون
دولار أميركي في يومنا هذا.
*ملكية الفقراء: صمم البروفيسور يونس، من البداية، هذا المصرف لتكون ملكيته وإدارته
في يد الناس الذين يتم إقراضهم. ففي الوقت الذي يدخر المقترض مبلغاً كافياً، فإنه
يحق له شراء سهم (واحد فقط) في البنك، بما يعادل ثلاثة دولارات.
وفي يومنا هذا فإن 92% من البنك يملكه المقترضون (تملك الحكومة البنغلاديشية 8%
هي الأسهم الباقية). وينتخب مالكو الأسهم (المقترضون) تسعة مدراء من بينهم (ويتم
تعيين ثلاثة مدراء من قبل الحكومة البنغلاديشية). ولا يحق لغير المقترضين شراء
أسهم في البنك.
*معدل سعر الفائدة: يضع البنك سعر الفائدة بحيث يحقق أرباحاً معتدلة، بعد دفع النفقات بما في ذلك نفقات النمو. وتعاد هذه الأرباح إلى المقترضين-المساهمين على شكل عائدات. ويبلغ سعرالفائدة على قرض “الرأسمال العامل” حوالي 20% وعلى القروض الإسكانية 8% (ويتم دعم القروض السكنية من خلال مقابلتها بقروض الرأسمال العامل). وقد حقق المصرف مبلغ 680,000$ كأرباح في العام الماضي. وهكذا فإن بنك جرامين مثال جيد لمبادرة القضاء على الفقر معتمدة على الإمكانيات الذاتية ولاتحتاج إلى هبات أومساعدات لتحافظ على بقائها أو نموها. فالفقراء يملكون ويديرون البنك ويمولون مشاريع تنميتهم.
*خَلْق الثروة: يعتقد البنك، بناءاً على خبرته، بأن لدى الفقراء القدرة على خلق
الثروة مثلهم مثل غيرهم. فهم لا تنقصهم الأفكار، ولا الحوافز، ولا المهارات ولا
الروح التجارية. وخلافاً لما يعتقده المُقرضون والجهات المانحة عادة، فإن الفقراء
ليسوا بحاجة لتعلم مهارات جديدة، أو تغيير اتجاهاتهم لكي يتخذوا الخطوات الأولى
للخروج من الفقر.
هؤلاء الناس هم في حالة فقر مدقع لأن نظاماً استغلالياً ظالماً أحاط بهم وأرغمهم
على البقاء في هذا الوضع. فهم لا يستطيعون الحصول على رأس المال اللازم لكي يُكونوا
أعمالهم الخاصة بهم، لأنهم لايستطيعون تقديم الضمانات المبنية على ملكية العقارات.
إن أرباب أعمالهم ومقرضي الأموال يستغلونهم بالكامل.
إن حصولهم على الإعتمادات المالية يحررهم من هذا الوضع اليائس كما يمكنهم من تجربة
إمكانياتهم ويمكنهم من صنع الثروة لأنفسهم ولمجتمعاتهم.
*السمعة الدولية لبنك جرامين: يتمتع البنك بسمعة دولية طيبة. فمختلف منظمات الأمم المتحدة، والمؤسسات الخاصة، والحكومات الأوروبية والأميركية والعديد من الأفراد يودعون أموالهم في البنك، وهذا ما يشكل القاعدة الأساسية للبنك في قروضه.
*التأثير على محو الفقر: بينت الخبرة أن القدر اللازم من القروض السنوية لانتشال
الشخص من الفقر المدقع هو مابين ستة إلى عشرة قروض متتالية (قرض كل سنة) مع قدر
كبير من الجهد. وأول قرض يكون عادة حوالي 50 دولارا . ويكون متوسط القرض أكثر
بقليل من 100 دولار. ومن خلال هذه الجهود يصل الشخص إلى بناء عمله الخاص وعادة
ما يتم تشغيل أفراد الأسرة جميعاً.
وقد استطاع 54% من مقترضي بنك جرامين عبور خط الفقر كما أن 27% منهم قريبون من
تحقيق ذلك الهدف. أما بالنسبة لهؤلاء الذين لا يستفيدون حقاً من هذه القروض فإن
الأسباب الرئيسية عادة ماتكون أمراض صحية مزمنة أو ظروف سكنية سيئة في بنغلاديش
المغمورة بمياه الأمطار.
*التأثيرعلى النمو السكاني: تمت كتابة العديد من الأبحاث والدراسات والكتب لمعرفة
سر النجاح الباهر لبنك جرامين، بالمقارنة مع برامج التخطيط العائلي الأفضل تمويلاً
والتي لقيت على الدوام فشلاً ذريعاً ومكلفاً. والخلاصة البسيطة تكمن في تركيز
بنك جرامين على النساء ومنحهن السلطات والصلاحيات الواسعة.
*الإسكان: ويزود البنك أيضاً زبائنه بقروض إسكانية تبلغ 300 دولار لفترة تمتد
على 10 سنوات. وتتأهل الأسرة لهذا القرض إذا كانت ملكية الأرض التي سيبنى عليها
البيت باسم الزوجة. وحتى الآن تم بناء أكثر من 350,000 منزل بواسطة هذه القروض.
ويتم دعم سعر الفائدة لقروض الإسكان من خلال الدعم المقابل من عائدات سعر الفائدة
على قروض “الرأسمال العامل”.
ويتمتع البيت، والذي صمم من قبل مجموعة من المهندسين المحليين، بمزايا عديدة
إلى جانب كونه متدني التكلفة. وهذه المزايا تشمل الاستخدام الجيد للمواد الخام
المتوفرة محلياً، ونظام التهوية، والاستخدام الفعال للأرض، والقدرة على تحمل
السرعات العالية للرياح بالإضافة إلى المظهر الجمالي للبيت.
إن المهندسين و الاقتصاديين في بنك جرامين لم يصدقوا أنفسهم عندما مُنح بيتهم
الذي تبلغ قيمته 300 دولار فقط، جائزة معمارية قيمة من قبل المُحكـمين في مؤسسة
أغا خان والتي مقرها في سويسرا. ففي عالم الفنون المعمارية تذهب مثل هذه الجائزة
عادة للتصاميم الخلابة التي تبلغ قيمتها الملايين من الدولارات.
*الرعاية الطبية: إن الحالة الصحية السيئة هي من أكبر أسباب البقاء في حالة الفقر. وقد بدأ بنك جرامين في تجربة بناء نظام للرعاية الصحية يكلف مبلغاً زهيداً حتى أن البنغلاديشيين أنفسم لم يصدقوا ذلك. يدفع الأعضاء مبلغ 1.25 دولار للأسرة في السنة ومبلغ (2 سنت) في كل زيارة للعيادة. وهذا يغطي 40% من تكلفة الخطة. أما الـ 60% الباقية فيتم تغطيتها من الحكومة البنغلاديشية، وربما من الجهات المانحة الأجنبية التي ترغب في الإلتزام بواجبات على المدى الطويل.
بنك جرامين اليوم
من هذه البداية المتواضعة نما بنك يعمل فيه اليوم 14000 عاملاً وينفذ عملياته
في 35000 قرية في بنغلاديش. وقد قدم السنة الماضية 3.62 مليون قرض بقيمة 380
مليون دولار. وفي هذه السنة من المتوقع أن يُقرض نصف مليار دولار. ويبلغ متوسط
القرض أكثر بقليل من 100 دولار. وفي وجه هذا النمو الفلكي هناك ست قواعد أساسية
تمت مراعاتها بشدة عند دفع القرض الأول للسيدة خاتون:
◦ يَدفع البنك قروضاً لأفقر الفقراء من بين الذين لا يملكون الأراضي في المناطق
الريفية.
◦ سوف يظل البنك قاصراً جُل اهتمامه على النساء. علماً بأن 94% من زبائنه هم من
النساء.
◦ سوف تُعطى هذه القروض دون ضمانات أو رهان.
◦ سوف يُقرر المقترض - وليس البنك – في أي عمل تجاري سوف يُستخدم هذا القرض.
◦ سوف يُساعد ويَدعم البنك المقترض لكي ينجح.
◦ سوف يَدفع المقترضون سعراً للفائدة قـَل أو كَثـُركما تقتضي الحال كي يبقى البنك
معتمداً على إمكاناته (أي دون اللجوء إلى المساعدات والهبات).
ماوراء النظام البنكي
تم إنشاء اقتصاد ريفي متكامل من خلال برنامج الإقراض الهائل الذي وضعه بنك جرامين
بحيث أصبح هناك حوالي عشرين مليار تاكا (نصف مليار دولار) تتداول في أوساط الفقراء
في الريف من الذين لا يملكون عقاراً. وفي أعين الهواة الذين تنقصهم الخبرة والمعرفة
يبدوا هذا وكأنه أقصى مايمكن الوصول إليه في التنمية المستديمة. غير أن اقتصاديي
البنك ليسوا راضين عن الحال تماماً. فهم يرون أن هذا الاقتصاد يتميز بالتراكم
المتدني لرأس المال. كميات قليلة من النقود والأوراق النقدية تدور بسرعة وتنتقل
من يد إلى أخرى، مما يخلق الانطباع الوهمي بأن هناك نقوداً كافية لكل شخص. ولكن
النظام يترك فسحة بسيطة للإستثمار والتراكم الواسع لرأس المال لأنه يقيد جزءاً
كبيراً من النقود من خلال الدوران في النظام الاقتصادي.
ومنذ أن أصبح جرامين رسمياً بنكاً في عام 1983 فقد أعطى أكثر من 16 مليون قرضاً
صغيراً كما تمتع بقدر من الولاء بين زبائنه قـَلﱠ أن نجد له نظيراً. وقد تجاوزت
نسبة القروض التي تم دفعها في الوقت المحدد 98%. أما الديون المعدومة فنسبتها
أقل من 0.5 في المائة. وهكذا نجد أن بنك الفقراء هذا قد تجاوز كل البنوك الأخرى
في بنغلاديش وأكثر البنوك في أنحاء العالم من حيث الامتياز في الأداء.