لاري دايموند
باحث متقدم في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، وهو محرر مشارك لمجلة الديمقراطية، ومدير مشارك للمنتدى الدولي لدراسات الديمقراطية لدى مؤسسة “ناشيونال إنداومنت فور ديموكراسي”، ودايموند من أبرز الخبراء الأميركيين على مستوى العالم في شؤون تنمية الديمقراطية وحكم القانون في الدول النامية، وقد عمل مستشارا لسلطة التحالف المؤقتة في العراق في عام 2004. ومقاله مأخوذ بتصريح خاص من مجلة الديمقراطية.

تعرف الإثنية عادة بأنها أية هوية جماعية شديدة الشمولية ومتميزة في ثقافتها وأصلها المشترك، بما في ذلك اللغة والدين والجنسية والعِرق والطائفة، ولأسباب عدة تعتبر الإثنية أصعب مشكلة يتعين على الديمقراطية أن تعالجها. وبما أن الاثنية تتناول القضايا الثقافية والرمزية مثل الأفكار المتعلقة بالهوية والنفس والجدارة والاستحقاق الفردي والجماعي .. الخ، فإن ما تخلقه من نزاعات هي أقل قابلية للتسوية من تلك التي تدور حول قضايا النزاع المادي والوظيفي.
في المجتمعات المنقسمة انقساماً حاداً، تبدو الإثنية، بالمقارنة مع الثغرات السياسية الأخرى مثل الطبقية والمصلحة الوظيفية، دائمة وشاملة تحدد مسبقاً من سيستفيد أو يستثنى من السلطة والموارد. وفي مثل هذه المجتمعات تتخذ الانتخابات الديمقراطية شكل تعداد سكاني وتنتج لعبة لا رابح فيها ولا خاسر. ويمكن لهذه المجموعة الاثنية أو التحالف أو الحزب أو ذاك أن يفوز بسبب وزنه العدددي بين السكان، ليس إلا، بينما يرى الآخرون عندما يخسرون المعركة أنهم أصبحوا مستبعدين ليس فحسب من المشاركة في الحكومة، وإنما أيضا من المجتمع السياسي الأوسع.
وهذا التخوف من الاستبعاد الدائم ليس بلا مبرر. فالسجل السياسي المقارن حافل بالحالات التي تضرب جماعة إثنية معينة أو تحالف صغير معين - غالباً ما يكون أقلية مميزة من مجموع السكان- جذوره في السلطة الى ما شاء الله لمجرد الفوز في الانتخابات.
من جهة ثانية، قد لا تحس جماعات من قوميات مختلفة بالانتماء إلى الدولة أبداً. وهذا يشكل مشكلة معينة للديمقراطية لأن الاتفاق على الحدود المشروعة للدولة وطبيعة هذه الدولة وهوية مواطنيها شرط مسبق لقيام مؤسسات ديمقراطية حية.
لكل هذه الأسباب مجتمعة، يبدي الكثير من المختصين شكوكاً عميقة حول إمكانية قيام ديمقراطية مستقرة في مجتمعات تم فيها تسييس الجماعات الاثنية المتعددة.
ومن الطرق التي تستطيع البلدان الديمقراطية بواسطتها إدارة النزاعات والتخفيف من وطأتها وتعقيدها واحتوائها، وجود بل إيجاد انقسامات حادة. فعندما ينقسم الناس حول شرخ واحد كالدين، يتفاعلون ويجدون قاسماً مشتركاً بين بعضهم البعض حيث يلتقون حول شرخ مختلف كالطبقة، ويعانون من “ضغوط نفسية مشتركة” تنزع إلى طبع وجهات نظرهم السياسية بطابع الاعتدال وتدفع بهم عموماً نحو مزيد من التسامح والتوافق.
ولكن وجود مثل هذا الشرخ الحاد قد يكون نادراً ، أويكون تأثيره ضعيفاً في المجتمعات المنقسمة انقساماً حاداً في أفريقيا وآسيا. وهذا يعود إلى أن هذه المجتمعات لا تظهر سوى القليل من التعقيد الطبقي أو الوظيفي الذي يمكن أن يتقاطع مع الاثنية. كما أنه يتعلق أيضاً بسمتين أخريين من سمات الاثنية: أولاً، في المجتمعات الشديدة الانقسام تعتبر الولاءات الاثنية شاملة وتتسلل إلى المنظمات والنشاطات وإلى الأدوار التي لا ترتبط بها رسميا. ثانياً، في العديد من المجتمعات الشديدة الانقسام، تلتقي الخطوط الموضوعية الأخرى للشروخ مع الاثنية بدلاً من أن تتقاطع معها. لهذا، نرى أن بعض الجماعات الاثنية أغنى من غيرها وأفضل ثقافة وأكثر تقدماً في الصناعة والتجارة بوضوح، أو أن تمثيلها في القوات المسلحة والوظائف غير متناسب مع حجمها السكاني.
من أكثر القضايا التي تتناقض مع الديمقراطية هو استغلال السياسيين للمظاهر الإثنية بلا خجل أو وجل حفاظاً على مصالحهم السياسية المباشرة. ففي نيجيريا أدى الاستغلال السياسي للوعي الاثني والخوف إلى تحريك الديناميات السياسية بقوة ، وبالتالي تفسخ الجمهورية الأولى ونشوب الحرب الأهلية، وأصبح هذا ظاهره متكررة في السياسة الانتخابية من يومها.
وفي الهند، لا يعتبر تعاظم النزاعات الدينية وتسيبس الدين بين الهندوس والمسلمين الذي تحول الى أعمال شغب قاتلة (قضت على أكثر من 1000 شخص في ديسمبر/كانون الأول عام 1992) ناجما عن “الأحقاد القديمة” بل نتيجة استغلال النخب السياسية والثقافية المعاصرة التي تسعى الى الوصول للسلطة عبر تغيير أسس الثقافة العلمانية الهندية.
مع ذلك، وكما يستفاد من الحالة النيجيرية، توفر الديمقراطية- بما تنطوي عليه من مساومات وبناء تحالفات وتعليم سياسي- فرصاً أفضل من الاستبداد لادارة النزاعات الاثنية بالطرق السلمية.

إدارة النزاعات الاثنية
تشير الدراسات التي أجريت في العديد من البدان إلى تعقيد وتنوع حالات النزاعات الاثنية، وبالتالي عدم وجود معادلة واحدة معينة مناسبة لإدارة النزاعات. غير أنه توجد بعض الدروس العريضة التي يمكن الاستفادة منها وترتيبات مؤسسية محددة جديرة بالذكر.
الدرس العام المستفاد هو الحاجة الماسة إلى تحاشي الاستبعاد الكامل لجماعات معينة (سواء من الأكثرية أو الأقلية) من السلطة. بدلاً من ذلك، ينبغي حث الجماعات الاثنية المختلفة على تجميع الأصوات أو تشكيل التحالفات لخوض الانتخابات. وينبغي إعطاء جميع الجماعات البارزة حصة في السلطة السياسية، عند مستوى معين. ولا يجوز السماح للأقلية بأن تشكل هيمنة سياسية دائمة عند نقطة الوسط من النظام السياسي.
فوق هذا وذاك، لا ينبغي حرمان أي انسان من التساوي في المواطنية بسبب قوميته أو إثنيته. ففي جو متعدد القوميات والثقافات تتزايد فرص تعزيز الديمقراطية إذا لجأت الدولة إلى انتهاج سياسات توفر المواطنية الشاملة والمتساوية وتؤمّن لجميع المواطنين سقفا مشتركاً من الحقوق الدستورية التي تشرف عليها الدولة وتتولى تطبيقها. وهذه تشمل حقوق الأقليات في استخدام ثقافتها وديانتها ولغتها، إضافةً الى المشاركة الكاملة في الحياة الاقتصادية والسياسية، بدون أي تمييز.
لقد ساهم انتهاك هذه الحقوق في إشاعة الشعور بالإقصاء وإيقاظ المشاعر الانفصالية والعنف لدى الأكراد في تركيا ، وهي الآن تخيم على الآمال الديمقراطية في العديد من البلدان الشيوعية سابقاً في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق. لكن من الملاحظ أيضا أنه حتى القادة الانفصاليين أنفسهم لديهم في الغالب احترام قليل للديمقراطية. وبمقابل حقوق الجماعات والأفراد التي يكفلها الدستور، يتعين على زعماء الأقلية أن يُقروا ويعترفوا بشرعية الدولة وسلامتها الاقليمية.
ومن الاستخلاصات التي توصلنا اليها من خلال دراستنا الأوسع خطر المركزية المفرطة لسلطة الدولة على الديمقراطية. إنّ عدم وجود قوانين خاصة بانتقال السلطة وعدم مركزيتها، خاصةً في ظل الفروقات الاثنية- المناطقية، يؤجج عدم الاستقرار والنزاعات العنيفة بل والضغوط الانفصالية. وتحمل هذه الضغوط تهديداً مزدوجاً، وما لم يجرِ حل هذه الضغوط بالوسائل السياسية، عبر مؤسسات مثل الحكم الذاتي والفيدرالية، وفي أقصى الحالات عبر قيام دول مستقلة، فإنها قد تؤدي الى فرض السلطة بالقوة وتدهور الحكم الديمقراطي أو انهياره.
بالمقابل، يمكن انتقاد الحكومات المركزية الديمقراطية على عجزها الذي يتسبب في خلق الأزمات الانفصالية أو عدم القدرة على معالجتها، مما يفتح الطريق أمام تدخل العسكر. هذه المخاطر أدت الى تهديد الأنظمة الديمقراطية أو تقويضها في البيرو وسريلانكا والهند والفيليبين والسودان، كما ساهمت بوضوح في فشل أول محاولة ديمقراطية في نيجيريا في الستينيات.

والنتيجة هي أنه عندما يسمح للقادة الاثنيين بتقاسم السلطة فإنهم يتصرفون غالباً وفق قواعد النظام، لكن عندما يكون رد الدولة على التعبئة الاثنية هو الاستبعاد والقمع واستغلال النزاع لتحقيق مكاسب قصيرة الأمد، فإن العنف يصبح سيد الموقف.

في المجتمعات المنقسمة انقساماً حاداً، يعتبر التوزيع الأمثل للسلطة- عادةً من خلال الفيدرالية- سبيلاً لا غنى عنه لإدارة النزاع وتقليصه. ففي الهند، نجحت الفيدرالية، حتى خلال فترات طويلة من سيطرة الحزب الواحد، في إعطاء أحزاب المعارضة حصة في النظام، وتوسيع العلاقة السياسية لتشمل الجماعات الجديدة وإعطاء الأقليات الاثنية في مناطق تواجدها نوعاً من السيطرة الذاتية على الموارد والشؤون المحلية وفي حصر النزاعات على مستوى الدولة للتخفيف من ضغطها على الحكومة المركزية. وفي نيجيريا، تصرفت الفيدرالية تصرفاً مماثلاً خلال التجربتين الديمقراطيتين الأخيرتين، عبر انتهاج سياسات أقل تعقيداً وأقل تعرضاً للاستقطاب. هذه السياسات الهامة المؤدية إلى التخفيف من النزاعات أدت الى موافقة مفاوضي حزب المؤتمر الوطني الأفريقي - الملتزم تاريخيا بوجود حكومة موحدة - على انتقال كبير في السلطة في جنوب أفريقيا إلى حكومات المناطق، ثم إلى البلديات المنتخبة بشكل مستقل، رغم أن هذا شيء مختلف عن الفيدرالية.

.