خاض العراقيون في الأشهر الماضية معركة هامة على طريق استكمال بناء دولة الديمقراطية
والقانون، ألا وهي معركة إنجاز الدستور. ورغم أن الفصل الأهم فيها قد اكتمل مع
الموافقة عليه في الاستفتاء الشعبي الذي جرى في الخامس عشر من شهر أكتوبر الماضي،
فانه من الواضح أن فصولا أخرى منها لا تزال تنتظر العراقيين، مواطنين وسياسيين
ومشرعين.
فكتابة الدستور وهو الوثيقة الأهم لدى أي شعب، لا تنتهي بمجرد إقراره من قبل الجمعية
الوطنية أو الشعب، وإنما هي عملية مستمرة من التعديل والإضافة والبحث والنقاش.
فالدساتير تنمو وتتطور جنبا إلى جنب مع تطور المجتمعات وتنامي حاجاتها وتبعا للتحديات
والمشاكل التي تواجهها في المستقبل.
وفي بعض الدول، مثل الولايات المتحدة، فإن وثيقة الدستورالأساسية التي وضعت في
عام 1789 احتوت على 34 مادة فقط، لكن التعديلات التي أدخلت عليها على مدى السنين
بلغت 500 صفحة. في حين استغرقت عملية كتابة الدستور نفسها في بلد مثل جنوب أفريقيا
سبعة أعوام.
ولذلك فإن الدساتير لا تأتي جاهزة أو ناجزة منذ البداية، فهي تعكس إجماع وتوازن
القوى السياسية والمجتمعية في الوقت الذي تكتب فيه، ويمكن إدخال بعض التعديلات
عليها مع تبدل هذا الإجماع.
لكن الدستور من الناحية الأخرى ليس وثيقة عادية، فهو عقد اجتماعي بين المواطنين
ودولتهم، ولذلك فإن عملية تعديله لا بد أن تخضع لضوابط وقواعد متفق عليها من قبل
أغلب الفرقاء، كما أن هذه التعديلات لابد أن تستند على قاعدة توسيع مجال الحقوق
والحريات وليس التضييق عليها. وهي في الأخير لا يجوز أن تمس المبادىء الأساسية
للبناء الديمقراطي الأساسي للمجتمع.
وبقدر ما يتعلق الأمر بالدستور العراقي الذي صوتت لصالحه نسبة بلغت 78 في المائة
من المواطنين في الاستفتاء، فإنه كانت لدى العديد من العراقيين وغير العراقيين،
من كتاب وصحفيين وناشطين حقوقيين وجمعيات نسائية ومواطنين عاديين وخبراء دستوريين،
ملاحظات ومآخذ على بعض البنود فيه. تناولت هذه الملاحظات قضاياً متعددة مثل علاقة
الدين بالدولة، والفصل بين السلطات وقضايا الأحوال الشخصية وتحديد هوية العراق
ومسائل الفيدرالية وتوزيع الثروة واللغة القانونية التي صيغت بها بنود الدستور.
كما أن الصياغة الأخيرة للدستور خضعت للمساومات فيما بين القوى العراقية المختلفة،
بغية ضمان حشد أكبر عدد ممكن من المواطنين للتصويت بنعم عليه أثناء الاستفتاء.
ولذلك جاءت الحصيلة النهائية نتاجا لكل تلك النقاشات والمساومات والشد والجذب
الذي استمر أشهرا بكاملها.
لكن الدستور العراقي من جانب آخر يعتبر متقدما على جميع الدساتير العربية، سواء
فيما يتعلق بتحديد صلاحيات السلطة التنفيذية (الرئيس ورئيس الحكومة) وإعطاء هامش
أكبر من الرقابة والمحاسبة للسلطة التشريعية (الجمعية الوطنية) اومن خلال تأكيده
على الحريات الأساسية للمواطنين، وضمانه حقوق الأقليات القومية والدينية.
ولذلك ينبغي على القوى الديمقراطية المختلفة في العراق والعديد من المهتمين أن
يعتبروا أن إجازة الدستور في الاستفتاء، ليست نهاية المطاف، بل هي حافز لهم لرفع
أصواتهم من أجل إدخال التعديلات التي يرتأونها مستقبلا على هذا الدستور. كما أن
عليهم أن يتوجهوا مباشرة للمواطنين لشرح وجهة نظرهم وإقناعهم بأهمية تلك التعديلات
والحيوية التي تنطوي عليها.
وإسهاما منه في عملية تشجيع العراقيين على مواصلة النقاش والبحث عن أفضل الصيغ
الممكنة لمختلف القضايا التي تضمنها الدستور، وبما يلبي حاجات وتطلعات الشعب العراقي
ويخدم مصالحه على نحو أفضل، يخصص مركز العراق لمعلومات الديمقراطية هذا العدد
من سلسلة أوراق ديمقراطية لموضوع الدستور. حيث يعرض مجموعة من الآراء المتباينة
حوله، من دون أن يدعي أن هذه الآراء هي الأفضل أو الأشمل بالضرورة، فالمهم هو
استمرار الحوار واعتبار أن الدستور هو جزء من المعركة الديمقراطية الطويلة التي
دشنها العراق، بسقوط النظام الديكتاتوري السابق.