ملاحظات حول كتابة الدستور العراقي

هيئة التحرير

ليس من المبالغة القول ان الدستور يعد الوثيقة الأهم في حياة أي شعب ليس لأنه ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم فحسب بل أيضا لأنه يحتوي على القيم السياسية والاجتماعية المعبرة عن الهوية الجمعية للشعب. كما يحتاج قيام نظام ديموقراطي فعال دستوراً يتبنى دون مواربة القيم الديموقراطية وينص على الحقوق الشخصية والحمايات القانونية اللازمة لترسيخ هذه القيم وصيانتها. ولهذا السبب نالت قضية صوغ الدستور العراقي اهتماماً كبيراً على الأصعدة المحلية والاقليمية والدولية وهو اهتمام مبرر إذ سيساهم هذا الدستور، وبصورة كبيرة، في تحديد شكل الدولة العراقية ونظامها السياسي على مدى سنوات طويلة قادمة. كما ان نجاح تجربة الدستور العراقي وما يستتبعه من نجاح التجربة الديموقراطية العراقية، سيترك اثاره على المنطقة ككل اذ سيكون العراق حينها نموذجاً ديموقراطياً يُحتذى به في المنطقة. باختصار سيعتمد نجاح التجربة الديموقراطية الناشئة في العراق، بل ووجود العراق كبلد موحد وفاعل في محيطيه الإقليمي والدولي، سيعتمد إلى حد كبير على وثيقة الدستور وقدرتها على توفير الإطار القانوني-السياسي السليم لبناء دولة القانون والمؤسسات، وهو بناء لابد منه لضمان سلاسة التحولات الديموقراطية والسياسية والاقتصادية الضرورية لتحويل العراق الى بلد ديموقراطي متماسك ينعم بالاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والانسجام الاجتماعي.
في صوغ وثيقتهم الدستورية الأهم واجه العراقيون نوعين من التحديات. تمحور النوع الأول من هذه التحديات حول التوصل إلى إجماع عراقي على القيم السياسية الاجتماعية التي يُفترض أن تعبر عن الهوية الجمعية العراقية. ظهر الخلاف مبكراً بشأن ماهية هذه القيم وتمثلت أهم نقاطه بمسائل عروبة العراق وانتمائه، ومعنى وحدته كبلد وكيفية ضمان هذه الوحدة. فهل تُضمن وحدة البلد من خلال نظام اتحادي ضعيف نسبياً يقوم على وجود حكومات أقاليم ومحافظات قوية؟ ام من خلال سلطة تنفيذية مركزية (الحكومة المركزية) مقيدة بضوابط السلطتين التشريعية والقضائية؟ هذا علاوة على قضايا اخرى لا تقل اهمية مثل إدارة الثروات الطبيعية وتوزيع عوائدها ودور الدين في التشريع وحقوق المرأة. لسوء الحظ لم يتم التوصل إلى اجماع بشأن هذه القضايا بين القوى السياسية والاجتماعية الممثلة في لجنة صوغ الدستور وكان على صندوق الاقتراع ان يحسم هذا الخلاف بعد أن فشلت طاولة المفاوضات في حسمه وساد البلد جو من الاحتقان السياسي بسبب عدم حصول الاجماع المرغوب على الدستور.
اما النوع الثاني من التحديات فتمثل بايجاد موازنة حقيقية بين القيم الجمعية العراقية، او بعضها على الاقل، والقيم الديموقراطية العالمية التي يُراد لها ان تسود في عراق المستقبل. في هذا الصدد كان العراقيون اكثر حظاً اذ كانت هناك ثمة موازنة تقريبية بين الاثنين الى حد ما رغم ان هذه الموازنة تبدو في بعض الاحيان اشبه بمحاولة الجمع بين المتناقضات التي كان احد امثلتها ما حوته المباديء الاساسية في الدستور بشأن عدم جواز تشريع قانون يتعارض مع ثوابت الشريعة الاسلامية في ذات الوقت الذي منعت هذه المباديء نفسها تشريع اي قانون يتعارض مع القيم الديموقراطية.
ينطبق الامر نفسه على النص الدستوري الذي اشار الى المساواة بين الرجل والمراة والذي يبدو متعارضاً مع نص معدل تم ادخاله في اللحظة الاخيرة يمنع منح الجنسية العراقية لاطفال المراة العراقية المتزوجة من غير عراقي فيما يمنح نفس هذا الحق لاطفال العراقي المتزوج من غير عراقية. كما قد تتعارض الاشارة في الدستور الى حرية العراقيين في تحكيم انتماءاتهم الدينية المختلفة بشأن قضية الاحوال الشخصية مع مبدأ مساواة العراقيين ببعضهم البعض الذي نص عليه الدستور. برغم كل هذه السلبيات يُعد الدستور العراقي وثيقة متقدمة كثيراً على سواها من الدساتير العربية والاسلامية لجهة تأكيده على القيم الديموقراطية والفصل بين السلطات.
هنا لا يبدو غريباً ان يمر صوغ أي دستور جدي بمخاضات الحوار والاختلاف والمساومة بين قوى المجتمع الفاعلة ومجاميعه المختلفة بغية الوصول إلى اتفاق الحد الادني حول مضامينه. كانت تجربة صوغ الدستور على مدى الاشهر الماضية مخاضاً حاداً من هذا النوع لم تتراجع حدته حتى في اثناء التصويت على وثيقة الدستور وبعدها. في خضم هذا المخاض، ظهر واضحاً انه ليس هناك اتفاق الحد الادنى بين جميع مكونات الطيف العراقي على ماهية الهوية الوطنية العراقية وتجلياتها السياسية والاجتماعية التي تحتاج توثيقها في الدستور. لا يزال هذا المخاض حاضراً معنا في حياة البلد السياسية رغم انتهاء جانبه الرسمي بعد التصويت على الدستور والموافقة عليه.
قد يكون هذا المخاض الدستوري العراقي ضرورياً وصحياً لبناء عراق ديموقراطي ومستقر ومزدهر مستقبلاً شريطةً ان ينتهي هذا المخاض على نحو يساهم في ولادة هذا العراق، لا ان يؤدي الى تضييع الفرصة التاريخية الحالية التي وفرتها الاطاحة بنظام صدام لجعل هذا العراق المرجو حقيقة على ارض الواقع. فهل سيكون هذا الدستور اللبنة الاساس لهذا العراق كما يعتقد الكثير من مؤيديه؟ ام هل سيصبح اداةً لاضعاف البلد وتفتيته وبالتالي وأد التجربة الديموقراطية الوليدة فيه كما يحاجج معارضو الدستور؟ من السهل على مؤيدي الدستور ومعارضيه انتقاء نصوص معينة منه لدعم موقفهم منه اذ ان كثيراً من نصوص الدستور يسمح الى حد ما بقدر من القراءات المتعاكسة التي تؤسس لتنبوءات متناقضة بشأن مستقبل العراق.
قد يكون من المبكر جداً في هذه اللحظة الراهنة إطلاق حكمٍ قطعي سلباً او ايجاباً بشأن الدور الذي سيلعبه الدستور في حياة البلد. الأمر المهم في هذا الصدد هو تذكر انه لا يزال ممكناً الخروج بمحصلة ايجابية واضحة من التجربة الدستورية العراقية والدستور الذي تمخضت عنه هذه التجربة اذا تم توجيه جهد بناء ومتواصل في الفترة القادمة خصوصاً وان الكثير من مضامين الدستور متروكة للتشريعات التي ستصدرها الجمعية الوطنية العراقية المقبلة. فنقاط الخلاف الاهم في الدستور وخاصة المتعلقة بالفيدرالية وتوزيع الثروات وحقوق المرأة تنتظر قوانين تنظمها وتحدد تفاصيلها واليات تنفيذها اذ احال الدستور، بلغته العمومية والغامضة أحيانا، حسم هذه القضايا وغيرها الى السلطة التشريعية المقبلة (البرلمان) لسن قوانين بشأنها. فعلى سبيل المثال اشار الدستور في ثمانية وخمسين فقرة منه إلى ان تطبيق هذا الفقرات سيكون مرهوناً بقوانين يتم تشريعها مستقبلاً. يعني هذا انه يمكن ان تشكل المشاركة الفعالة والواعية في العملية السياسية بغية التاثير على تشريع هذه القوانين يمكن ان تشكل ضماناً لتفسير ديموقراطي وبنّاء للدستور. اذن ليس الدستور الحالي نصاً نهائياً ومغلقاً اذ انه يفسح المجال لتفسيرات عديدة واجتهادات مختلفة وعلى هذا يمكن اعتبار عمومية بعض نصوصه وغموضها عاملين ايجابيين كونهما يسمحان حتى للفئات التي عارضت الدستور ان تفسره على نحو يتفق مع قناعاتها.
والى جانب تنظيم النصوص الدستورية من خلال قوانين مستقبلية، هناك إمكانية تعديل الدستور من خلال إضافة فقرات جديدة وحذف أخرى اذ نص الدستور على آلية واضحة وقابلة للتطبيق بهذا الصدد. هذه نقطة فائقة الأهمية، فالعراق بلد قليل الخبرة بالدساتير وسبل تنفيذها كما ان تجربته الديموقراطية حديثة العهد وبالتالي فمن الطبيعي افتراض ان وضع الدستور الحالي على محك التجربة العملية سيكشف عن نقاط ضعف فيه يمكن تصحيحها من خلال اقتراح تعديلات لها.
إذن، من المهم النظر إلى الدستور العراقي على انه يمثل بداية مفتوحة على احتمالات وتطورات عديدة تفرزها التجربة العراقية، وليس نهاية مغلقة لهذه التجربة.