فالح عبد الجبار
معهد العراق للدراسات الاستراتيجية
يتضمن الدستور العراقي الجديد كثرة من البنود المتخلفة، المثيرة للقلق، مثلما
يتضمن مواداً حضارية بالغة الرقي، قياساً بالدساتير العربية. والمواد الحضارية
مثلاً ترسي النظام السياسي، نظرياً على الأقل، على شرعية التفويض السلمي عبر الانتخابات،
والتداول السلمي للسلطة، وإقامة نظام لا مركزي إداري يدرأ عن المحافظات الإهمال
والازدراء، وتوزيع الموارد (العامل الأهم في نشر التنمية المتوازنة) وإقامة فيديرالية
قومية للأكراد وأخرى ادارية لمن يريد، في بقية الأرجاء.
في المقابل ثمة بنود تقليدية متخلفة تدفع باتجاه أسلمة النظام السياسي، بإعطاء
المرجعيات الدينية دور الحكم الفصل في تحديد معنى الإسلام، نظراً لأن الدستور
يحظر سن أي قانون يتعارض مع ما يسمى بـ “أحكام وثوابت الاسلام” دون وجود أي اتفاق
على ماهية هذه الأحكام والثوابت. ويتجاهل العالم العربي ببلاهة نادرة أنه لا يوجد
إسلام واحد، وأن المذاهب والاجتهادات تشطر العالم الإسلامي في الأعماق.
والخطر الآخر الذي ينطوي عليه الدستور هو احتمال أن يفتح الباب لإخضاع مؤسسة التشريع
(البرلمان) لهيمنة الإكليروس إذا ما أفلحت الجهود الجارية لتسريب أصحاب العمائم
إلى المحكمة الدستورية، أعلى هيئة للبت في دستورية القوانين. لقد فشلت القوى الإسلامية
المحافظة في إنشاء هيئة تصادر حق الأمة في الاختيار باسم حق إلهي مزعوم بالرقابة.
وهناك جوانب أخرى في الدستور تقوض دعائم التوافق في عراق الإثنيات والطوائف باعتباره
اعترافاً بهذه الانقسامات ووسيلة لحلها على قاعدة المشاركة الشاملة. والمقصود
إلغاء مجلس الرئاسة الثلاثي، واستبداله برئيس واحد، وإلغاء صلاحيات النقض الرئاسي
كضامن للحد من غلواء السلطة التنفيذية للوزارة (وزارة الغالبية البسيطة)، ما سيفضي
إلى فرض ديكتاتورية الغالبية البسيطة، وليس إرساء ديموقراطية الغالبية الموصوفة
(الثلثين).
فصوغ الدستور الحالي يفتح الباب للديموقراطية في جانب، ويغلقه في جانب آخر. بتعبير
آخر ثمة احتمال يشتد كل يوم بفتح بوابات ديكتاتورية دينية على الغرار الإيراني
في جل المناطق العربية، بما في ذلك العاصمة بغداد. الاستثناء الوحيد إقليم كردستان،
حيث تميل الموازين لصالح القوى القومية واليسارية ذات المنحى العلماني.
ترك العالم العربي، مثلما تركت جبهة المعترضين (ما يسمى بـ «القوى المغيّبة» في
العراق، وهو تعبير عن مزيج من بقايا البعث والقوى القومية والسلفيين المتشددين
والإسلاميين المعتدلين وغيرهم)، كل هذه المساويء، وكل هذه الحسنات، وتمسكوا ببعض
البنود المتفاوتة في أهميتها. لكن التركيز تسلط على بند واحد هو المادة الثالثة
المتعلقة بهوية العراق العربية. ورغم ما في هذا الموقف من اخترال لتعقيدات الوضع،
فإنه محفز على التفكير وجدير بالتأمل.
لا يتضمن دستور العراق الأول عام 1925 مادة واحدة تشير إلى أن العراق جزء من الأمة
العربية، رغم أن عراق ذاك العهد صار أحد مؤسسي الجامعة العربية، وأكثر الدول العربية
طموحاً إلى الوحدة (خصوصاً مع سورية)، وجمع ساسته ليبراليتهم السياسية بنزوعهم
العروبي. وتفحصتُ دساتير عدد من البلدان العربية، دون أن أجد مادة تشير إلى أن
ذلك البلد جزء من الأمة العربية.
ما علة ذلك؟ من الوجهة القانونية الصرفة فمفهوم “الأمة العربية” مفهوم سوسيولوجي
- سياسي، يراد به أن مجموعة بشرية محددة، تمتلك قاسماً مشتركاً من اللغة والثقافة
والتاريخ، ما يسمح لها بأن تشكل أمة في عصر صعود القوميات، ومبدؤه الناظم: لكل
أمة دولتها. وتحقق هذا المبدأ في كثير من الحالات. ووصل الأمر حد الاعتراف بركنه
الأساسي، أي مبدأ تقرير المصير، في المواثيق الدولية، ومنها ميثاق الأمم المتحدة.
لكن الواقع القانوني للأمم لن يتحقق أو يكتمل قبل تشكل هذه الأمة في دولة، والدولة
هي الكيان السياسي الوحيد الذي يتمتع بوجود مادي وقانوني في آن.
و على هذا فإن الأمة هي وجود بشري - ثقافي بينما الدولة تقوم على أركان الإقليم/
الشعب/ النظام السياسي. والعرب كأمة ينتشرون داخل رقعتهم الجغرافية وخارجها. ولا
يوجد كيان قانوني محدد اسمه أمة عربية، دون أن ينتقص هذا القول من وجود العرب،
أو من حقهم كأمة (أنا واحد منها) في تأسيس دولتهم الموحدة (فيديرالية أم كونفيديرالية
أم اندماجية). لكن هذا الاعتزاز بوجودنا كأمة لا يجيز لنا أن نلغي حق الأمم الأخرى،
خصوصاً أقرب الأمم إلينا، أعني الأمة الكردية، في أن تتمتع بحق مماثل. وأجد حرجاً
كبيراً في الذود عن حق الأمة العربية في الوحدة دون احترام حق الغير في وحدة مماثلة.
وبدل أن نبكي على عروبة العراق، خير لنا أن ندعو إلى سوق عربية مشتركة ترسي أسساً
ملموسة لوحدة عربية يمكن أن تتطور تدريجياً.
والنص على أن الشعب العربي في العراق جزء من الأمة العربية لا يلغي انتماء العراق
للجامعة العربية، المؤسسة الوحيدة التي تعبر عن الهوية العربية الموحدة حتى اللحظة.
والتركيز المفرط على بند “عروبة العراق” ينطوي على تمسك عاطفي - إيديولوجي يقوّض
حركة المعترضين على الدستور، وهم بالأساس قوى قومية - عروبية متعددة (بينها بقايا
البعث) وقوى إسلامية معتدلة (الحزب الإسلامي) وقوى سلفية متشددة، يلخصون اعتراضاتهم
في أربع نقاط اساسية:
-1 التمسك بأن تكون الدولة العراقية، وليس شعبها العربي فقط، جزءاً من الأمة العربية.
-2 القبول بالفيديرالية الكردية، اعترافاً بوجود المسألة القومية، علماً أن الأكراد
حظوا بالحكم الذاتي (قانوناً) ولم يتمتعوا به (واقعاً).
-3 رفض الفيديرالية الادارية خارج المناطق الكردية.
-4 التمسك بمبدأ الغالبية الموصوفة (الثلثين) في إطار أي ترتيب للنظام السياسي،
وهو أساس التوافقية.
والمطلبان 2 و4 سليمان، بل ضروريان لتوازن النظام السياسي. أما المطلبان الآخران
فمتناقضان، بل مدمران لفرص هذا التيار الراغب في العودة إلى معترك السياسة عبر
المؤسسات (الانتخابات، البرلمان). وهذا تطور إيجابي وسلبي: إيجابي لجهة المشاركة
الفاعلة في المؤسسات، وسلبي بل مدمر لجهة بناء قوى كافية من أجل عراق وسطي، لا
مخرج إلا به. فالإصرار على البند رقم 2 (فيديرالية الكرد) يقرّب الشقة بين المعترضين
والجبهة الكردية القوية (28 في المئة من الأصوات و74 مقعداً في البرلمان) كما
يقرّبها من القوى الوسطية (18 في المئة من الأصوات). ويزداد هذا التقارب بفعل
البند رقم 4 من مطالب المعترضين الذين، في المقابل، يدمرون فرصهم هذه الذات بالتركيز
على عروبة العراق، ما يخلق هوة بينهم وبين الكتلة الكردية وحلفائها.
كما أن قبول المعترضين (وجلهم علمانيون سابقون) بأسلمة الدولة، وهو الخطر الأكبر،
يبدو غريباً، في ضوء علمانية جل القوى القومية العربية. ولعل مرد قصر النظر السياسي
هذا يرجع إلى تحالفهم (الموقت بأي حال) مع السلفيين المتزمتين، دعاة الحرب الطائفية،
ولعله يرجع أيضاً إلى دوافع الانتقام القديمة، التي عملت حتى الآن على إحباط عملية
الانتقال بأي ثمن، وهو تكتيك أثبت فشله المدوي في انتخابات كانون الثاني (يناير)
2005.
لن تتغير هذه الديناميات السياسية إلا بعد انفصال القوميين عن السلفيين، والبحث
عن تحالفات وسطية ممكنة. وحتى يتحقق ذلك (أو لا يتحقق) لن يحصد المعترضون سوى
عطف عربي غير مؤثر على العملية السياسية. أما التعطيل المتصل لهذه العملية فلن
يسفر عن شيء سوى استمرار التدهور، واستمرار الاحتلال، وتخندق السياسة في إسلام
متمذهب، ضيق وخانق.
علاقة الدين والدولة في الصراع على الدستور
باتت قضية العلاقة بين الدين والدولة، أو بتحديد أدق هل يكون الإسلام المصدر الوحيد
للتشريع، أم مصدراً واحداً من مصادره؟، واحدة من المشكلات الكبرى التي تواجه
دول المنطقة، في الفكر والسياسة معاً، منذ صعود الاسلام السياسي في سبعينات
القرن المنصرم. فالدساتير في البلدان العربية والمسلمة تورد بند «الإسلام دين
الدولة» كتحصيل حاصل رغم أن جل دول العالم (140 دولة مثلاً) لا تورد ذكراً لدينها.
ولم تحمل الدساتير العراقية منذ عام 1925 أي إشارة إلى مصادر التشريع. لعل الاستثناء
الوحيد هو دستور الجمهورية الثانية (عبدالسلام عارف عام 1964)، الذي تنص مادته
الثالثة على أن «الإسلام دين الدولة والقاعدة الأساسية لدستورها». وكما نعلم
أن هذه الجمهورية عرفت العراق بأنه دولة ديموقراطية (بلا انتخابات) واشتراكية
(يحكمها العسكر)، وكانت أكثر الجمهوريات تعصباً بالمعنى الطائفي للكلمة، رغم
إسرافها في الحديث عن الإسلام.
ويبدو لي أن إصرار ممثلي الإسلام السياسي المحافظين، على إدراج الاسلام (أو الشريعة)
مصدراً وحيداً للتشريع على قاعدة «أن التشريع لله وحده»، يشبه إصرار العسكر على
تسمية جمهورياتهم الأسرية بـ”الاشتراكية” و”الشعبية”. فهو إدعاء أيديولوجي بامتياز،
نظراً لأن تحريم حق البشر الفانين في التشريع ينطبق على القائلين به مثلما ينطبق
على غيرهم، وأي استثناء يعني إدعاء نوع من الألوهية غريب.
يخاف الإسلاميون المحافظون العلمانية باعتبارها إنكاراً للاديان، وهذا خلط بالإلحاد
الفلسفي. فهذا الأخير إنكار للدين جملة وتفصيلاً. أما العلمانية فليست مذهباً
سياسياً بل موقف ودعوة الى تنظيم العلاقة بين الدولة والدين، أو بالاحرى المؤسسات
الدينية، تنظيم يرمي إلى حماية الدين من تغول الدولة، وتمييز المجال السياسي عن
المجال الديني، أي الفصل على مبدأ الاختصاص.
ويميل قطاع من العلمانيين لأسباب وجيهة إلى استخدام لفظ «الوضعية» أو «المدنية»
بديلاً عن العلمانية، لما شاب هذه الأخيرة من أدران بسبب الجهل وسوء النية وتحاملات
العوام.
ويضرب موقف العلمانيين أو الوضعيين (وأنا منهم) جــــــــذوره في منطق الدولة
الحديثة، الذي يختلف عن النظام السياسي والاجتماعي مما ساد في الامبراطوريات المقدسة،
حيث يقوم المركز (المخزن عند المغاربة) بجمع الخراج، وحمايـــة الثغور، وترك الجماعات
المعزولة تعيش وفق شرائعها المتعددة، حيث تزدهر المذاهب والمدارس حتى داخل الدين
الواحد نفسه.
الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة المجرد، وعلى دستور موحد، شامل، لكل الأجزاء،
لا لجزء منفرد، وعلى تقديم الرعاية والخدمات الاجتماعية دون تمييز، واحترام حرية
المعتقد، والعبادة، دون مساس بحرية الآخرين. معلوم أن ثمة فوارق كبيرة بين الإسلام
كدين، والشريعة، أو بين الإسلام والفقه، ويخلط بعض الإسلاميين خلطاً عشوائياً
بين هذه المفاهيم.
فالدين منظومة فكرية مركبة، وهو أيضاً مؤسسات تتولى إنتاج المعرفة الدينية، كما
أن مدارسه الفقهية بالغة التنوع، وتحديدها لمصادر الشريعة غاية في الاختلاف. ويمكن
الحديث عن مكونات الدين الفكرية (أي دين) باعتبارها مؤلفة من علم الكلام (المختص
بالذات الالهية وخلق الكون) والفقه السياسي (نظرية الامامة أو الخلافة)، فقه العبادات
(الفرائض)، وفقه المعاملات (التجارية وعقود النكاح)، ولم يعد لعلم الكلام من وجود،
على رغم ثرائه الفلسفي. أما الفقه السياسي فإن الحضارة الاسلامية عموماً ما عادت
تنادي بالإمامة في قريش، بينما تميل المدرسة الأصولية الشيعية إلى نبذ أساسها
القديم عن أن الإمامة حكر على الإمام الغائب، وأن كل دولة في عهد الغيبة باطلة.
أما فقه العبادات فهو شأن لم تعمد دولة معاصرة إلى المساس به، رغم ما ينطوي عليه
هو الآخر من تباينات بتباين المدارس والمذاهب (من الآذان، إلى الصلاة بسبل اليدين
أم كتفهما، إلى الزكاة وسبل دفعها، وما شاكل).
ولا يختلف فقه المعاملات (في شقه التجاري) عن ذلك. لقد نما هذا الفقه في حاضنة
الاقتصاد الحرفي والزراعي القديم، وواجه مشكلة عصيبة في التكيف مع الاقتصاد الصناعي
المالي (المصرفي) الحديث (مشكلة البنوك الحديثة والقروض والسندات والأسهم)، وأن
حرمانه من التطور يرجع إلى تزمت بعض فقهاء القرن العشرين الذين ضحوا بسبب تزمتهم
نفسه بكل جوانب الثراء في فقه المعاملات. مع ذلك يتكيف هذا الفقه عموما مع الاقتصاديات
الحديثة ببطىء.
أخيرا ثمة فقه عقود النكاح، وقواعد تنظيم الأسرة. ولعلها أكثر مواضيع الخلاف والاختلاف
احتداما، وبخاصة مسألة تعدد الزوجات وحقوق الإرث، وحضانة الأطفال. ليس سرا أن
الفقهاء، بل المسلمين بعامة يتباينون في تأويل الشريعة هنا تباينا كبيرا، وينقسمون
إلى تيارات محافظة، ووسطية، وإصلاحية جذرية. هذا التباين في العناصر المكونة للفقه،
يوازيه تباين آخر في مصادر الشريعة: أهي القرآن الكريم وحده، أم القرآن والسنة
(كما يرى الآخرون، أم القرآن والسنة والعقل (الاجتهاد) حسب فهم رابع. والإجماع.
حقاً إن فهم معنى الإسلام كمصدر للتشريع يتعدد بتعدد فهمنا لمعنى الشريعة ومصادرها،
كما يتعدد بتعدد الاجتهادات داخل مكونات الفقه (الفقه السياسي، فقه العبادات،
فقه المعاملات). وهذا التعدد الذي نما عبر تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، مفيد
لجهة إغناء وتطور الفكر، إن قام على قاعدة احترام التعدد والاعتراف به، ومدمر
تماماً إن مشي على أرضية احتكار جهة واحدة للحقيقة، وسيادة هذا الاحتكار حقيقة
تفقأ العين.
إن الدعوة لفرض الإسلام (أو الشريعة) كمصدر وحيد للتشريع تنطوي ضمناً أو صراحة
على حكم رجال الدين لتفسير معنى الإسلام، ووضع فئة واحدة لا تزيد عن بضعة آلاف
موضع القيّم على تفكير الملايين، وإحلال الإكليروس محل الأمة. وهذا جانب مهم بل
أساس عند معالجة مسألة الدين والدولة. فالدين ليس محض منظومة اعتقاد وشرائع، بل
هو أيضاً مؤسسات يديرها بشر فانون، لهم من المطامح والمصالح ما لغيرهم، ونظرة
على طبقة رجال الدين، أو المشتغلين بأمور الفقه، تفيدنا أنها، شأن مجتمعها، مبرقشة
من حيث منحدرها القبلي، والجهوي، والإثني، وأنها تتوزع على المكونات الاجتماعية
بين ريفيين محافظين، وحضريين متنورين، وأن انتماءاتها الاجتماعية تتداخل بانتسابها
الفقهي، والإيديولوجي، وهي ليست منزهة عن الغرض البشري والمصالح الاجتماعية وإن
حصل انسلاخ عن هذا الغرض، فذلك يشكل الاستثناء لا القاعدة.
ونلاحظ أن مساعي «أسلمة» الدستور تترافق مع عمل قاعدي لـ”أسلمة” المجتمع، بفرض
الحجاب (المرأة هي الهدف الأول دوماً)، وفصل الجنسين، بل تحريم المصافحة، وغلق
دور السينما، ومنع الموسيقى (جرى تحطيم محلات بيع الأشرطة)، وغلق محلات حلاقة
النساء، علاوة على تحديد نمط معين من حلاقة الرجال (اغتيل عشرات الحلاقين في بغداد
وجوارها).
وبهذا تُختزل الأسلمة سياسياً إلى احتكار الفقهاء و/أو الإسلاميين لحق الحكم تنفيذاً
وتشريعاً، كما تُختزل اجتماعياً إلى اختراق المجال الخاص للفرد، وفرض منظومة قيمية
محددة (محافظة في الأغلب) للملبس والمأكل والمشرب وغير ذلك. عدا هذا لا يملك الإسلاميون
برنامجاً. وتجد هذه النزعة المحافظة في خدمتها ريفيين مخلوعين يتلذذون برمي بنات
الحواضر السافرات بالحجارة، أو فئات هامشية عدوانية، محطمة روحياً بحكم العوز
والاهمال، وهي مستعدة لأن تنزل بالهراوات على طالبات الجامعة أو تطلق النار على
الحلاقين.
وباختصار تتشكل النزعة المحافظة من تحالف عريض لا يقتصر على الفقهاء أو الزعامات
التقليدية، اذ ينجذب إلى هذه الحركة، في طور صعودها عدد من الراغبين في الإفادة
من فرص الصعود الاجتماعي.
وحين يجري ذلك في دولة متعددة المذاهب والأديان ومتنوعة في تنظيمها الاجتماعي
والقيمي (بين ريف وحضر وبلدات طرفية)، فإنه يكون وصفة للخراب.
مقارنة الدستور الجديد مع قانون إدارة الدولة الانتقالي
خرج قانون إدارة الدولة الانتقالي إلى الوجود في ظل ادارة بريمر، وهذه الواقعة
وحدها تكفي بنظر بعض النقاد والآيديولوجيين إلى وسمه بميسم الرجس. فكل نص دُوّن
في ظل الاحتلال يُعدّ، والحالة هذه، باطلا. ولا يهم هنا فحواه، بل توقيته. الواقع
ان المدارس الآيديولوجية الاحتكارية والاسلامية المحافظة تزدري هذه المثل وتربأ
بها، ولو دونت هذه المثل عينها في دستور بأقلام وطنية صرف لوصموها بالتمزيق
او بالكفر والزندقة. “فلا يحق لبشر ان يشرع” كما يقول فقهاء هذه المدارس، دون
ان يلتفت أحد الى ما في هذا القول من ادعاء الإلوهية عند هؤلاء الفقهاء عينهم.
يمتاز الدستور المؤقت (قانون الادارة الانتقالي ) بنصوص حضارية، مستمدة من احدث
تجارب النظم الدستورية في حل مشكلات تمركز السلطة، وتوزيع الموارد، وتنظيم العلائق
بين الاثنيات والجماعات الدينية، وحماية الجماعات والافراد من غول الدولة، وارساء
المؤسسات على قاعدة قانونية راسخة.
لعل أول ما يلفت الانتباه في الدستور المؤقت (قانون الادارة الانتقالي ) انه يلغي
مركزة السلطة (استبداد السلطة التنفيذية)، ويعيد مبدأ تقسيم السلطات تنفيذا وتشريعا
وقضاء. ومن سماته انه يعيد تنظيم السلطة القضائية بإرساء استقلالها المالي (ميزانية
خاصة)، وتنظيمها في مجلس أعلى للقضاء، ومحكمة دستورية تحد من سلطة الجمعية الوطنية
(إن ارادت تجاوز الدستور). السلطات في العهد الشمولي والعهود العسكرية تركزت في
هيئة واحدة (مجلس قيادة الثورة)، تجمع سلطات التشريع والتنفيذ والقضاء الدستوري.
واظن ان الدستور المؤقت(قانون الادارة الانتقالي) يتفوق على الدستور الملكي البرلماني
– الدستوري في هذا الجانب، حيث ان الدستور الملكي كان يمنح صلاحيات واسعة للعرش
في حل البرلمانات والوزارات بالمراسيم.
ويمتاز قانون الادارة الانتقالي ايضا بوضع أسس اللامركزية الادارية، حلا لمشكلة
النظم السابقة شديدة المركزية. فالمركزية باتت وباءً يهدد النسيج الوطني لان تركز
السلطات في بغداد يحصر جل الموارد في العاصمة، ويترك المحافظات في حال من الحرمان
والتمرد. ولعلها سمة في عموم بلدان المنطقة، حيث تنحصر الخدمات في العاصمة، لتتوسع
هذه توسعا سرطانيا. وان جل العواصم في المنطقة يضم نحو ربع السكان او اكثر (بغداد
6 ملايين، القاهرة 15 مليون).
النظام اللامركزي لا يقسم البلد، بل يقسم السلطات، ويمنح المناطق الادارية حصةً
مشروعةً في الثروة الاجتماعية (النفط) وحقا في التصرف بهذه الموارد وفقا لحاجاتها
الفعلية.
يمتاز قانون الادارة الانتقالي ايضا بوضع أسس جديدة اتحادية (فيدرلية) لحل المسألة
القومية، من جانب، وتقوية النظام اللامركزي في جانب آخر، على القاعدة ذاتها: التوزيع
العادل للموارد، والتصرف المحلي او الاقليمي بها تبعا لحاجات المناطق.
يفهم البسطاء والآيديولوجيون الفيدرالية (الاتحادية) على انها تقسيم للبلد، في
حين انها تقسيم للسلطات على قاعدة وحدة البلد. ومعروف ان الحكومة الاتحادية تتولى
الشؤون الاساسية من وظائف الدولة الحديثة (الدستور، القانون، الدفاع، الاقتصاد
الوطني، التمثيل الدبلوماسي... الخ)، بينما تدير الاقاليم الشؤون الاخرى. وان
تقسيم السلطات هذا ضرورة للحفاظ على وحدة الأمة متعددة القوميات والثقافات والاديان.
ومما يميز النظام السياسي الجديد، حسب منطوق قانون الادارة الانتقالي المؤقت،
ايجاد ضمانات للجميع وعلى اساس مبدأ التوافقية. وهذا المبدأ جديد كل الجدة على
الفكر السياسي في المنطقة عموما.
التوافقية في الاساس تقوم على ايجاد آليات للتوازن بين شتى الجماعات المكونة للأمة
(العراقية في هذه الحالة) باعطاء عناصرها الرئيسية حق النقض، أي قوة التعطيل،
من اجل حمل الاكثريات الاثنية على اخذ مصالح الاطراف الاخرى بعين الاعتبار.
وهذه مسألة بالغة الاهمية، اذا تذكرنا بأمرين: ان الدولة الحديثة قامت على مبدأ
الديمقراطية وهي الحكم بالرضى وحكم الاغلبية، لكن الدولة الحديثة قامت ايضا على
مبدأ القوميات: لكل أمة دولتها. واوضحت التجربة التاريخية وجود تعارض بين مبدأ
الديمقراطية (حكم الاغلبية بالاقتراع)، ومبدأ القوميات في الدول المختلطة قوميا
ودينيا، وهو تعارض افضى الى استبداد الاثنيات الكبرى (ethnocracy)، ولحل هذا التعارض
وجدت صيغ الفيدرالية، او التوافقية، او مزيج الاثنين.
ويتجلى مبدأ التوافقية حاليا في انشاء مجلس رئاسي يضم رئيسا ونائبين يمثلون الجماعات
الرئيسية، ويتمتع كل عضو بحق النقض (الفيتو). ويمكن للفيتو الرئاسي تعطيل التشريعات
الماسة بالتوازن.
زد على هذا ان التشريعات البرلمانية ينبغي ان تحظى باغلبية موصوفة (الثلثين)،
بدل الاغلبية البسيطة (50%+1).
وبالطبع يرفض دعاة المركزية هذا المبدأ المقيّد.
هناك ايضا قيد توافقي على كتابة الدستور الدائم، إذ من حق ثلثي المصوتين في أي
ثلاث محافظات رفض الدستور. وهذا يعطي عمليا للاكراد وللمحافظات غير الخاضعة للنفوذ
الإسلامي، ان تصدّ او تعطل عملية كتابة الدستور اذا كان ماسا بمصالحها.
هذا الوضع يرغم الجميع على الاتفاق، ويعطل الاحتكار أنى أتى. الميزة الاخرى الهامة
في الدستور المؤقت انه يعترف بالاسلام مصدرا للتشريع بين مصادر اخرى. ولا يقر
تشريع اية مادة تنافي “ثوابت الاسلام المجمع عليها”. وتعبير الثوابت هنا مقيد
بالاجماع عليها من جانب المسلمين، وهي صيغة توفيقية تأخذ في الاعتبار صعود الاسلام
السياسي المتمذهب، من جانب، وتراعي متطلبات الحياة العصرية من جانب آخر. ويحظر
الدستور المؤقت تشريع كل ما يتناقض مع حقوق الانسان والحقوق المدنية ومبادئ الديمقراطية،
والمعاهدات الدولية.
اخيرا يعطي قانون الادارة الانتقالي للمرأة دورا معقولا (في ظروف الذكورية الاصولية
المنفلتة هذه الايام) بتخصيص 25% من المقاعد لها في هيئات الحكم، ويحافظ على قانون
الاحوال الشخصية القديم، وهو العنصر الايجابي الوحيد من تشريعات الماضي.
أزعم ان قانون الادارة الانتقالي المؤقت يبلغ من الرقي مبلغا يتجاوز به المستوى
الراهن للمجتمع العراقي تجاوزا مرعبا. واقول “مرعبا” بوعي تام، لأن العراق فقد
الكثير من سماته المدنية، وعاد القهقرى في مستواه الفكري والسياسي الى عالم ما
قبل الدولة الحديثة. ولم يعد يقوى (مؤقتا كما نأمل) على استعادة عافيته الحضارية.
لقد صيغ قانون الادارة الانتقالي المؤقت في ظل توازنات ما قبل الانتخابات. اما
توازنات القوى بعد الانتخابات فمغايرة.
ثمة ثلاث كتل اساسية: الكتلة القومية الكردية في جانب والكتلة الشيعية في جانب،
وكتلة اياد علاوي الوسطية مع قوى اخرى في جانب. حازت الكتلة الشيعية على48.1 %
من الاصوات، لكنها حصدت اكثر من 50% من المقاعد، بسبب تبديد نحو نصف مليون صوت
على القوائم الخاسرة.
ومن الواضح ان ثمة افتقار الى كتلة وسطية عربية نافذة. وتحاول الكتلة الشيعية
استخدام مبدأ الاغلبية البسيطة، (لا الاغلبية الموصوفة) لالغاء مبدأ التمثيل النسبي
حسب منطوق قانون الانتخابات كي يفضي الى تدمير الكتلة الوسطية (كتلة اياد علاني
+ الحزب الشيوعي + قائمة عراقيون وقوى اخرى)، وحرمان الاقليات الدينية والقومية
من التمثيل، على امل ان يسفر دخول المناطق المحرومة من الانتخابات الكاملة (الموصل،
الانبار، صلاح الدين... الخ) عن صعود تيار اصولي قابل للتحالف من اجل أسلمة كاملة
للنظام السياسي على غرار ايران.
يخلط هذا المسعى بين الاغلبية كمفهوم اثني او ديني، والاغلبية كمفهوم سياسي. الاول
حقيقة سكانية احصائية ثابتة، والثاني حقيقة انتخابية متغيرة. كما ان المفهوم القانوني/الدستوري
للاغلبية لم يقم ولا يقوم على الاغلبية البسيطة (50+1) بل على الاغلبية الموصوفة
او المطلقة (اغلبية الثلثين)، مشفوعة باشتراك كل الاطراف حسب مبدأ التوافقية.
ان مساعي تغيير الأسس المتوازنة ستدمر كيان الدولة العراقية، ان كتب لها النجاح.